بكثير من التحدّي والاستفزاز، أجرى الرئيس موغابي الدورة الثانية من انتخابات الرئاسة. رفض النزول عند المطالبات والدعوات، من كل حدب وصوب، لتأجيلها.
انسحاب منافسه من المعركة، اعتراضاً وخوفاً، وبقاؤه المرشح الوحيد؛ لم يحمله على التراجع. تشبث بحيثياته، بقدر ما تشبث بكرسي الحكم. فوزه بالرئاسة مرة أخرى، كان تحصيل حاصل. وربما يمكنه الاعتقاد بأنه فاز على كل خصومه، ولو عنوة.
وقد يتمكن من مواصلة حكمه، بطريقة أو بأخرى. لكنه بالتأكيد لن يقوى على تجاهل العالم وتحفظاته واعتراضاته. وبالذات عالمه الإفريقي.
وإذا أمكنه أن يدير ظهره لكل هذه الجهات، من دون كلفة سياسية؛ فإنه بالتأكيد لا يقوى على الإفلات من مثل هذا الثمن، عندما يصدر ما يشبه الحكم بالإدانة، على نظام موغابي وعلى فوزه، قبل إعلانه؛ عن محكمة عملاق إفريقيا، نيلسون مانديلا؛ الذي لا بدّ وأنه نغّص عليه هذا التجديد الرئاسي وأفرغه من أي مضمون وشرعية.
الأوضاع في زيمبابوي،عادت بقوة إلى الشاشة، في الآونة الأخيرة. الاستحقاق الرئاسي، سلّط عليها الأضواء. إصرار الرئيس موغابي، على خوض معركتها؛ وضعها في قلب دائرة الضوء. فالرجل مثير للجدل، من كافة الوجوه. مشاكس ومتفرّد بامتياز.
عمره يناهز الرابعة والثمانين. متربع على كرسي الحكم منذ ثمانية وعشرين عاماً متتالية. وأحوال بلاده على أتعس ما يكون. وفوق ذلك كله، أخذ إصراره على تجديد ولايته، طابع الاستهتار والتهديد الفاقعين. والحملة الانتخابية، رافقها المزيد من العنف، ضدّ منافسيه، بزعامة مورغان تسفنغراي.
في ظل هكذا أجواء، جرت الجولة الأولى، التي تفوق فيها المرشح المعارض، ولو من دون حسم. الرسالة كانت واضحة، انه في الجولة الثانية ـ التي جرت قبل أيام ـ الكفة تميل نحو خصم موغابي. عمد الأخير إلى تحريك قاعدته، وبما يكفل تطفيش منافسه والاستفراد بالساحة لوحده. كان له ما أراد.
آثر تسفنغراي الهرب واللجوء إلى السفارة الهولندية، مقاطعاً الانتخابات. في معركة التحدّي هذه، استحضر موغابي ماضيه النضالي. وبالتحديد إجراءات تأميم الأراضي التي اتخذها، فور تحرير البلاد من حكم الأقلية العنصري.
استخدم ورقة التخويف من الارتداد على هذه الخطوة؛ في محاولة لاستنفار القاعدة التي استفادت منها. سلاح التهويل مكّنه من الإمساك بقطاع مهم، مستعد للنزول إلى الشارع؛ دفاعاً عن مكاسبه. بل ليكون أداة بيد موغابي. وبدا أنه نجح في ذلك إلى حدّ بعيد.
خطابه، الذي رافقه مثل هذا الاستنفار الغوغائي، كفل له خلو الميدان؛ بقدر ما جعله بمنأى عن المساءلة، حول الوضع الاقتصادي البائس، الذي لا يجاريه أو حتى يقترب منه، وضع أي بلد آخر في العالم. التضخم في زيمبابوي وصل إلى مليونين بالمئة. ثمن رغيف الخبز 6 مليارات دولار زيمبابوي. البطالة، بلغت 80%.
أرقام خيالية مذهلة. مع ذلك ليس هناك من يطالبه. ناهيك بمحاسبته، ولو في صندوق الاقتراع. رفض حضور مراقبين دوليين، على الانتخابات. رفض أيضاً نداء اللجنة الأمنية التابعة للجنة التنمية الخاصة ببلدان جنوب القارة الإفريقية؛ الدّاعي إلى تأجيل الانتخابات.
لم يأبه بالتحذيرات الدولية، من أن انتخابه لن يحظى بالشرعية ولا بالاعتراف. ضرب كل ذلك بعرض الحائط. قال، ومن دون أن يرفّ له جفن، وهو يدلي بصوته في العاصمة؛ «أشعر بأنني في أحسن أحوالي وأنا متفائل جداً»!.
كل هذه العزلة، لم تكن كافية لتحرّك فيه ساكناً. شعاره في معركة التمديد وما قبلها، كان ولا يزال؛ أنه لن يذعن أو ينحني لأية ضغوط خارجية، حتى ولو كانت إفريقية. لا غبار على هذا الشعار؛ لو كان مسلحاً بالشرعية الوطنية.
أيضاً هواجسه وشكوكه، تجاه الغرب مفهومة. وقد تكون في محلها. فهذا الأخير ما زال أسير بقايا ورواسب الماضي، حيال الحركات والقيادات التي تولت تصفية الاستعمار وأنظمته العنصرية؛ في القارة السوداء. غير أن الرئيس موغابي،قدّم له الذريعة، على طبق من فضة.
راكم حكمه من الشطط والتفرّد، وبالتالي من التدهور والمآسي لأوضاع شعبه؛ ما جعل النهب الاستعماري يبدو باهتاً، بالمقارنة معه. فعندما يتحدّث عميد التحرر والتحرير، مانديلا، علناً، عن «الفشل المفجع للقيادة في جارتنا زيمبابوي»؛ عندئذ تسقط كل ذرائع موغابي ومزاعمه؛ ولا يعود ينفع معه التلطّي وراء «الكليشهات» التي عاش عليها حكمه. وعندئذ تكون لعبته انتهت بالضربة القاضية.