شهدت الأيام الماضية حدثين عربيين مهمين على صعيد تكنولوجيا المعلومات:
الأول : اتفاق وزراء الإعلام العرب خلال اجتماعهم بالقاهرة (يوم الاثنين 23 يونيو المنصرم) على إنشاء اللجنة العربية للإعلام الإلكتروني، وترى منظمات حقوق الانسان أن هذه اللجنة تحكم حلقلة الرقابة على حرية الرأي. اذ يبدو أن معظم الحكومات العربية ضاقت بمساحة الحريات المتاحة على شبكة الإنترنت، فتسعى الآن الى النيل منها.
الثاني: اعتداء منظمة يهودية متطرفة على موقع (عرب 48) الإلكتروني (يوم الخميس 26يونيو)، وثبتت عليه شعارات عنصرية تدعو لقتل العرب. وكما قالت إدارة الموقع إن المقتحمين ينتمون الى حركة (كهانا حي) الإسرائيلية المتطرفة، وأنهم نشروا على الموقع كلمات النشيد الوطني الإسرائيلي إلى جانب شعار الحركة.
الحدث الأول يكشف الى أين نتجه نحن العرب، والثاني يكشف ماذا يريد أعداؤنا لنا. نحن نتجه الى تقييد الحريات، وهم يتسلحون بأحدث التكنولوجيا المعلوماتية لإسكاتنا.
صحيح أنه يمكن القول إن ما جرى لموقع (عرب48) ليس مقياسا على تفوقهم أو تخلفنا، لأن بعض العرب لديهم القدرة على فعل ذلك بالمواقع الإسرائيلية. و هذا صحيح فعلا بمعايير الوقت الحالي، لأن المناخ العربي لا يزال يسمح بذلك.
ولكن إذا دخلت التوجهات العربية الجديدة ميدان التطبيق، فسوف ترتب على المدى البعيد نتائج معاكسة، لأنها سوف تُخضع الإنترنت للأولويات الأمنية الصارمة. وسوف تمتد هذه الأولويات مستقبلا ـ كما علمتنا التجارب ـ إلى تغيير في القوانين، على صعيد الإجراءات والعقوبات، بما يخضع كل المواقع للترخيص الحكومي المسبق.
وهذا يرتب لأجهزة الأمن حقا في إغلاقها، مثلما يحدث الآن مع الصحف ومحطات التلفزيون. كما سيؤدي ذلك إلى تغيير في أولويات الإنفاق العام على التكنولوجيا المعرفية، لحسابات الأمن والرقابة، على حساب ضرورات التطوير والابتكار والبحث العلمي، ونحن في الأصل متخلفون فيه.
ومن المتوقع أيضا أن تؤدي هذه التوجهات ـ حال تحولها إلى سياسات ـ إلى عمليات تضييق وملاحقة، بما يساهم في تراجع القدرات الإبداعية للأفراد، وبما يؤثر ذلك سلبا على الشباب ، خاصة وأن السنوات القليلة الماضية شهدت تكوين كوادر علمية من شباب عربي في ميادين الإنترنت، لكن هذه الكفاءات تصبح مرشحة للهرب الى بلدان أخرى.
وفي كل الأحوال هذه مغامرة ليست سهلة ، ولن يكتب لها نجاح، لأن فرض القيود على المعلوماتية يعطي لشركات التكنولوجيا العالمية الحق في ممارسة الضغوط على الدول العربية، ولدى هذه الشركات وسائل كثيرة ومؤثرة، لأن تطبيق سياسات التقييد ـ عربيا ـ يقزم الأسواق امامها، وهو ما لن تقبل به الشركات، ولن تستطيع أي دولة عربية الوقوف في وجه عمالقة المعلوماتية، الذين يمتلكون رؤوس أموال ويديرون امبراطوريات اقتصادية تفوق ميزانيات بعض الدول.
والأخطر أن الاهتمام الدولي بترجمة البرامج الى العربية سيتضاءل مع الوقت، لأن الاسواق العربية ستصبح غير مغرية، مع العلم ان تواجد اللغة العربية ضمن ترتيب اللغات العالمية في سوق البرامج لايزال هشا.
ان هذه التوجهات السياسية كارثية بكل المعايير، وليس مستبعدا ان يكون وراءها ضغوط خارجية، صادفت هوى لدى بعض الحكومات، ومن ثم جاءت هذه القوى الى المنبع العربي لتجفيفه.
هذه التوجهات سوف تمنح إسرائيل وغيرها تفوقا أبديا علينا، بل ستجعل بيوتنا وعقولنا مستباحة أمامها من خلال الشبكة العنكبوتية، لأن الشبكة لا غنى عنها في عالم اليوم، فهي عماد الحياة الحديثة.
ولأن المتوقع أيضا، في ظل القيود، وفي ظل تقزيم التواجد العربي، أن تصبح الساحة مستباحة لغيرنا يلعب فيها ضدنا كيف يشاء، فينال من ديننا ويسب مقدساتنا من دون رأي مصوب أو رادع معلوماتي، فنصبح أهدافا لكل من هب ودب، ولن تكون قوى التقييد بعيدة عن التأثيرات المتوقعة، بل سينالها كثير من العار.