شعاران يتصارعان، لكنهما يلخصان مجمل الأزمة الحالية الساخنة بين ايران والغرب، أو بالأحرى بين ايران والولايات المتحدة الاميركية .الشعار الأول صنع في الغرب وفحواه ( التجميد مقابل التجميد). أما الثاني فصنع في ايران ومحتواه ( الربح مقابل الربح ).
هذا التصارع بين الطموحات الايرانية في مقابل محاولات التقزيم الغربية، هو مايشعل المنطقة حاليا، لكن (التجميد في مواجهة الربح) هو مايحكم الصراع ويحدد آلياته، ويجمدها أو يجددها، كلما رغب الطرفان في التناوش .
هذه المرة اشتعل الصراع بحيث مارس الطرفان فيه ضد بعضهما (لعبة الوصول الى حافة الهاوية). كل منهما استعرض عضلاته ورقصها في مواجهة الآخر، لمحاولة انتزاع أكبر قدر من المكاسب، عبر قنوات التفاوض السرية .
ومن منطلق الشعار الايراني، فان طهران التي (تربح) في لبنان وأفغانستان، ونجحت ـ الى حد ما ـ في (تجميد) الاحتلال الأميركي في العراق، تواجه الآن ضغوطا أميركية تحت مظلة غربية ل(تجميد) مشروعات تخصيب اليورانيوم مقابل (تجميد) العقوبات، وهو ما تعتبره إيران خطا أحمر . وهنا تكمن عقدة الأزمة وحلها.
وعلى الرغم من أن ظاهر الأزمة الحالية هو موضوع تجميد التخصيب، الا ان تفحص أبعاد ها يكشف أن مصدرها هو رغبة أميركا معاقبة إيران على إفساد اتفاقها الأمني مع العراق، فالضغوط التي مارستها طهران ضد هذا الاتفاق حشر الاحتلال الأميركي في خانة ضيقة، ويهدد جانبا كبيرا من المكاسب التي تطمح اليها واشنطن، ولذا جاء الرد الأميركي سريعا عبر إعادة تخصيب أزمة الملف النووي بالحوافز والعقوبات.
وذلك لاجبار ايران على الانتقال من خانة المهاجم الى خانة المدافع، كي تتمكن واشنطن من جرجرة طهران الى اتفاق يحل عقدتها في العراق، يكون جوهره (التمرير مقابل التمرير)، أي أن تتغاضى أميركا ـ ولو مؤقتا ـ عن (تمرير) مشروع تخصيب اليورانيوم بصيغ جديدة، وهي تعلم سلميته، مقابل (تمرير) الاتفاق الأمني في العراق. وهذا مايبدو من طبيعة حزمة الحوافز والعقوبات،التي حملها خافيير سولانا الممثل الأعلى لسياسة الاتحاد الأوروبي الخارجية، إلى إيران منتصف الشهر الجاري، وحسب ماتكشف من هذه الحزمة، فانها تلخص الحوافز في النقاط التالية:
ـ التزام ايران بوقف تخصيب اليورانيوم، وانشاء شراكة دولية للتخصيب تزود ايران به، وقد جدد الرئيس الأميركي جورج بوش في زيارته لأوروبا تأييده للمقترح الروسى، بانشاء هذه الشراكة في موسكو.
ـ اعتراف الغرب بحق ايران في المشروع النووي السلمي. ومايترتب على ذلك من تطوير أبحاث وانتاج واستخدام الطاقة النووية لأهداف سلمية.
ـ مساعدة طهران على امتلاك تكنولوجيا نووية متطورة، وتزويدها بمفاعلات تدار بالماء الخفيف.
ـ تطبيع العلاقات السياسية والاقتصادية بين طهران والغرب، مع استعداد واشنطن لتحديث الطيران المدني الايراني بتزويده بقطع الغيار اللازمة، ومساعدتها في مجالات الزراعة والصناعة والتجارة والبيئة. الايرانيون يرون أن هذه الحوافز لم تحمل جديدا، فقد سبق للغرب أن قدمها عام 2006، أي أنها حوافز متقادمة وليس فيها ما يغريهم بعد لقبولها، حتى أن المسؤولين الأوربيين والأميركيين لم يجدوا وصفا جديدا لها الا قولهم انها ( عرض سخي)، وهو وصف انشائي مطاط .
أما على صعيد العقوبات فقد قرر الاتحاد الأوروبي مؤخرا تجميد أموال وأرصدة إيرانية في البنوك الغربية، وفرض عقوبات على شخصيات ومؤسسات.
وبرر ذلك بأنه يأتي في إطار العقوبات الصادرة ضد إيران من مجلس الامن.
هذه الحزمة من الحوافز والعقوبات لم تغر طهران على تغيير موقفها الثابت، بشأن التخصيب، خاصة وأن العقوبات الغربية أفرغت من محتواها قبل إقرارها . وكانت إيران قد قامت بسحب جميع أرصدتها المالية المهددة بالتجميد، وقدرها خمسة وسبعون مليار دولار.
وفي الوقت الذي فرضت فيه أوروبا عقوباتها (يوم الاثنين الماضي) كانت واشنطن تعلن (في اليوم التالي ) على لسان مسؤول في الخارجية أنها تبحث للمرة الأولى في فتح شعبة للمصالح الأميركية في طهران، يعمل فيها موظفون أميركيون ذو وصفة دبلوماسية.
وهذا يعني أن الطرفين لم يغلقا الباب أمام المساعي الدبلوماسية. وكان مصدر إيراني قد كشف في أعقاب زيارة سولانا أن طهران نجحت في اعادة فتح قناة حوار مع الغرب . وتوقعت بعض المصادر أن تأخذ الجولة الحالية بين إيران والغرب عدة أسابيع وربما أشهرمن المباحثات، وهي المدة التي تحتاجها أيضا الولايات المتحدة لانجاز اتفاقها الأمني أو للعودة الى مجلس الامن لاعادة شرعنة احتلالها للعراق، وهو ما يعني وجود تفاهمات بين الطرفين.
ومن ثم فان مايتردد عن ضربات عسكرية ليس الا من قبيل لي الذراع (اميركيا ) وانتهاز الفرص (إسرائيليا )، لوضع إيران على ( حافة الهاوية ). وفي طهران يمارس الإيرانيون - كعادتهم - دبلوماسية البازار، فالتاجر الذكي ليس فقط من يرفض شراء البضاعة القديمة، بل من يفعل ذلك من دون ان يخسر زبائنه. ولذا يفضل الإيرانيون السعي لتبادل الصفقات. ومن أجل كسب الوقت قرروا التمهل في الرد النهائي على الحزمة الغربية، معلنين أنهم بصدد مناقشتها داخل مؤسساتهم الدستورية . وفي ذات الوقت جددوا طرح حزمة مطالب قديمة لهم في مواجهة الحوافز والعقوبات الغربية (الحياة- 15يونيو)، وتشتمل هذه المطالب على أربع نقاط هى:
ـ تسليم الغرب بحق ايران في تخصيب اليورانيوم على أراضيها، ويمكن بعد ذلك مناقشة الآليات . وتطرح طهران فكرة انشاء شراكة دولية لانتاج اليورانيوم شرط أن تكون على الأراضي الايرانية.
ـ اقرار الغرب بالدور الاقليمي لايران في المنطقة، والدخول معها في منظومة أمنية وعسكرية، وتشتمل أيضا على أمن الطاقة، بما فيها الطاقة النووية، مع ضمان عدم تعرض الغرب، بمافيه الولايات المتحدة للمنشآت النووية الايرانية مستقبلا.
ـ تعهد الغرب بعدم ممارسة أي أعمال عسكرية تهدد الأمن الايراني.
ـ توقف الولايات المتحدة عن مساعيها للاطاحة بالنظام الايراني، وهو مايستوجب من واشنطن التوقف عن دعم جماعات المعارضة الايرانية، وخاصة حركة مجاهدي خلق واغلاق قواعدها في العراق.
ويلاحظ أن الأيام الماضية شهدت تصعيدا اميركيا مضادا في غير اتجاه المطالب الإيرانية، رغم ما تم مؤخرا، فمثلا شجعت على ظهور مجاهدي خلق من خلال مؤتمر ضم عشائر شيعية من الجنوب العراقي، أعلنوا فيه رفضهم للنفوذ الايراني. كما سربت- اعلاميا- أنباء المناورات العسكرية الاسرائيلية التي جرت فوق المتوسط .
وتم تداولها على أنها تستهدف المنشآت النووية الايرانية . وتعمد الرئيس جورج بوش خلال جولته الاوربية - هذا الشهر - ممارسة اقصى درجات التصعيد الاعلامي والسياسي ضد المشروع النووي الايراني بتجريده من طابعه السلمي، وشن هجوما عنيفا على النظام .
وفي ذات التوقيت وافقت لجنة بمجلس الشيوخ على قانون جديد لتشديد العقوبات الاقتصادية على ايران. ومن هذا المنطلق أيضا جرت محاولات أميركية للتأثير على موقف ايران الاقليمي، عبر محاولة تطويق نفوذها في العراق ولبنان وفلسطين وسوريا وأفغانستان .
ففي العراق عاود الأميركيون اتهام ايران بتدبير عمليات تفجير قتل فيها عراقيون، وذلك الى جانب تلميع مجاهدى خلق وتوحيدهم اعلاميا مع عشائر الجنوب . والي لبنان ذهبت وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس وقدمت عرضها المفاجيء باعادة مزارع شبعا الى اللبنانيين، لتجريد حزب الله من مشروعية سلاحه .
وفي فلسطين حدثت التهدئة بين حماس واسرائيل، وهومالم يكن يحدث الا بضغوط امريكية . أما بالنسبة لسوريا فقد دعاها الرئيس بوش ـ خلال زيارته لفرنسا ـ الى الابتعاد عن ايران. أما في افغانستان فقد شددت واشنطن عملياتها العسكرية، لكنها تلقت عدة صدمات كان أبرزها هجوم طالبان على قندهار مرتين، منها عملية تخليص نحو ألف وأربعمائة سجين طالباني . وهو عمل يحتاج الى جهد استخباراتي ربما يفوق طاقة طالبان بمفردها.
وهذا يعني ان الصراع الأميركي الإيراني سوف يعكس ظلاله اقليميا بقوة، ليس على مواضع الاشتباك الحالية فقط، بل على اماكن جديدة قد ينال الخليج حظا منها، وذلك مالم يتفق الطرفان خلال الفترة المقبلة على تخطي المعضلة العراقية بالدرجة الأولى.
وسواء شاءت الدول العربية أم رفضت، فان التناقض أو التقارب الأميركي الايراني، يتم الآن ومستقبلا على حسابها، فمشروعات الطرفين تنال صراحة من الأمن القومي العربي، ذلك ان القوى العربية الفاعلة، وخاصة الدولة المصرية ابتعدت طواعية منذ ثلاثة عقود عن معظم الملفات العربية، واكتفت بدور اللاعب الاحتياطي إقليميا ودوليا، مما مهد الطريق أمام المشروعات الخارجية والإقليمية لغزو المنطقة .
ومن المتوقع ان تؤدي عمليات الشد والجذب الجارية حاليا الى توافقات حد ادنى بين الغرب وايران، ومن مؤشرات ذلك بحث واشنطن فتح شعبة للمصالح الأميركية في طهران، فلا أحد يريد الصدام العسكري حقا ـ عدا اسرائيل التي تتمناه، وتعمل له، ولاتقدر عليه.
وتشير الدلائل والمعلومات المتوافرة حاليا الى أن العرب غير مطلعين على مايدور في قناة التفاهم المفتوحة بين ايران والغرب والتي أشار اليها مسؤول ايراني، ومن ثم فان اي تفاهم سيكون بعيدا عنهم . وهذا ما أشار إليه مصدر خليجي (الشرق الأوسط-19يونيو) بأن (واشنطن لم تطلع دول المنطقة على تفاصيل عرضها لطهران) وأن (دول الخليج قلقة من اعطاء ايران دورا اقليميا) .
وهنا يصبح شعار المرحلة المقبلة على المنطقة العربية ايرانيا وغربيا ( الربح مقابل الربح ) لكنه عربيا سيكون ( الخسارة للعرب وحدهم ) .
إضاءة
وردت عبارة (عرض سخي ) ، فى وصف حزمة الحوافز والعقوبات الغربية ،على لسان خافيير سولانا منسق العلاقات الخارجية الأوربية، كما رددتها وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزارايس، وترددت على لسان وزير الخارجية الفرنسي برنارد كوشنير. وكأن هناك اتفاقا غربيا على هذا الوصف الذي يحمل دلالات انشائية اكثر مما يحمل من مفاهيم سياسية أو دبلوماسية، ذلك لأن ساسة الغرب يدركون ان بضاعتهم قديمة، فكان هدفهم تغليفها في شكل جميل وهم يقدمونها الى الايرانيين .
وهذه التوصيفات الانشائية تذكرنا بمثيلاتها الاسرائيلية الجوفاء من نوع (تنازلات مؤلمة) و(النمو الطبيعي للمستوطنات).
لكن الفارق أن بضاعة الغرب لاتباع في طهران، أما بضاعة اسرائيل فهناك من العرب من يتهافت عليها ، وهويعلم انها فاسدة ومسرطنة.
أحمد الكناني