يدرك الساسة الروس جيدا انه لا يمكن لروسيا أن تستعيد دورها على الساحة الدولية كقوة عظمى دون مواجهة الولايات المتحدة الأميركية التي عملت منذ بداية تسعينات القرن الماضي على محاصرة روسيا، ليس فقط سياسيا واقتصاديا وإنما أيضا عسكريا من خلال عملية زرع القواعد العسكرية على الحدود الروسية وتستمر المحاصرة وصولا إلى مشروع نشر شبكة رادارات وصواريخ في بولندا والتشيك.
ويعلم الروس أن هذه الحقبة مختلفة عن سنوات الحرب الباردة. ويرى الساسة أن من المناسب الاستفادة من تجربة الصين وسلوك الطريق الاقتصادي لاستعادة القوة، وعلى خلفية هذه الرؤية توجهت روسيا إلى الشرق عبر معاهدة شنغهاي التي تضم روسيا والصين وبعض الجمهوريات الآسيوية السوفييتية السابقة، ويمكن لها في المستقبل أن تنضم المملكة العربية السعودية إلى منظمة شنغهاي بمساعدة موسكو وذلك حسب المصادر الروسية.
وردا على محاولات واشنطن السيطرة على النفط العالمي من خلال إحكام قبضتها على «منظمة أوبك» تحاول روسيا جاهدة إيجاد قوة موازية على ساحة الطاقة ممثلة في الغاز حيث تتربع هي وإيران ومعها قطر والجزائر على أعلى قممه.
ومن هنا كانت القنبلة الاختبارية التي رماها فلاديمير بوتين آنذاك حين قطع الغاز عبر أوكرانيا عن أوروبا، الأمر الذي أثار الرعب والهلع، وهو ما جعل موسكو توقن أن إنشاء منظمة دولية للغاز على غرار أوبك قد يجعل منها قوة ضغط حقيقية على الساحة الدولية، على اعتبار ان الغاز رخيص الثمن و استخراجه سهل وأقل تلويث للبيئة من النفط.
وقد حولت الكثير من دول العالم وقود العربات ووسائل المواصلات في دولها إلى الغاز، ومن هنا تحاول واشنطن منع قيام منظمة الغاز لقطع الطريق أمام موسكو ومن هنا أيضا جاءت العروض التي تلقتها بعض الدول لمبادلة التكنولوجيا النووية بالغاز محاولةً للالتفاف على المحور الذي تحاول روسيا تشكيله حول الغاز.
#لقد دفع الصراع غير المعلن بين القوتين البعض إلى القول إن ميدفيديف ـ بوتين انقلبا على الولايات المتحدة لمجرد أنهما يرغبان في استعادة الأمجاد القديمة. لكن واقع الأمر يقول ان روسيا تشعر بأنها تعرضت للخداع وانه بدلا من أن تلتزم واشنطن بمبدأ الشراكة الذي تعهدت به لموسكو حاولت واشنطن محاصرة روسيا ودعم الحركات الانفصالية فيها والثورات الملونة في كل من أوكرانيا وجورجيا.
كما أن واشنطن أحرجت روسيا بانسحابها أحادي الجانب من معاهدة الحد من الصواريخ الباليستية الموقعة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي في عام 1972، والتي تحظر تطوير البرامج الدفاعية، في خطوة ردت عليها موسكو بإعلانها الانسحاب من معاهدة ستارت للحد من انتشار الأسلحة النووية الموقعة في عام 1993. وجاء إعلان واشنطن عن مخطط لنشر ما تسميه بدرع صاروخي ورادارات صواريخ في جمهوريتي التشيك وبولندا.
وفي القوقاز أيضا على الأرجح في جمهورية جورجيا، التي أعلن بوش مؤخرا موافقة واشنطن على ضمها هي وأوكرانيا إلى الحلف الأطلسي، والتي تعتبر خرقا واضحا من قبل واشنطن لاتفاقية موقعة مع موسكو في عهد ميخائيل غورباتشوف والتي تنص على التخلي عن سياسات الحرب الباردة.
ويؤكد هذا أن الولايات المتحدة الأميركية لم تدرك بعد أن روسيا الحالية غير روسيا في عهد الراحل يلتسين، فبفضل الارتفاع المذهل في أسعار النفط والغاز والحد من السرقة والفساد وزيادة الاستثمارات وتصدير الأسلحة المتطورة وتكنولوجيا الطاقة النووية لم تعد روسيا دولة مدينة ولم يعد الثنائي ميدفيديف ـ بوتين مضطرا لمسايرة الرئيس الأميركي الحالي جورج بوش والقادم.
ولا تخفي موسكو نيتها التصدي للمشروع الصاروخي في أوروبا، وقد أعلنت مصادر عسكرية روسية مسؤولة عن الإسراع بتطوير الترسانة النووية الروسية وتحريك الغواصات التي تحمل صواريخ نووية إلى القطب الشمالي بالقرب من حدود الولايات المتحدة.
كما هددت مصادر عسكرية روسية بوضع كل مواقع الصواريخ الأميركية في مرمى الصواريخ الروسية، كما يجري الآن في موسكو العمل على زيادة سرعة الصواريخ الروسية القادرة على الوصول إلى الرادارات والقواعد الصاروخية الأميركية، المزمع إقامتها في التشيك وبولندا.
د. معمر الفار