يسمونها الغيص رغم عدم حبها للبحر، ويسمونها الطبيعة وأم الفنون البصرية لأنها تبحث عن احجارها وسط الصحراء وفي جيوب الطبيعة، وبالرغم من ذلك لا يمكن لأي متأمل ادعاء أن تلك الأعمال كانت خالية من الإبداع لمجرد كونها تسجيلية لحقائق بصرية. وإنما بوسعنا القول انها كانت أعمالاً فنية طغت عليها الحرفة والتقنية فكانت الطبيعة إذن هي المصدر والرحم الذي أنتج أفكار لوحاتها فشكلت انقلابا على التسجيلية الواقعية.
رأى والداها في عينيها منذ الصغر بصيصا وبريقا لامعا قل نظيره، فهي لماحة لأدق التفاصيل حتى في سن ماقبل الدراسة. تخرجت من مدرسة الورود بتقدير عال وكانت محط اهتمام مدرسيها وزملائها، تسرح بمخيلتها الى ماوراء الطبيعة لعوالم مسكونة بكل ماهو مرئي. التحقت بجامعة (جايدهول) البريطانية ونالت فيها البكالوريوس في تصميم المجوهرات. فكانت بداية ساعدتها على رفع سقف الثقة بالنفس والاعتماد على الذات، كما أنها اكتشفت ذاتها بعد نحو عام ونصف من الدراسة، حيث توصلت إلى أفكارها التي أرادت التعبير عنها وبذلك حققت حلمها وحلم والدها درويش القبيسي العالم والمعلم الذي عمل في اليونسكو 15 عاما فكان مثلها ومشجعها الذي اخذ بيدها... خلاصة القول ان الفن كتقليد كان يعني محاولة محاكاة المرئيات في العالم الخارجي والنقل الأمين لتفاصيلها. وحيث ان الفنان في الأصل إنسان لديه مشاعر ووجدان وردود أفعال ومواقف متباينة فقد أصبح يعتمد على ذاتيته واعتبرها أساساً جديداً ومنهلاً صادقاً في التعبير والإبداع في الفن التشكيلي. وبعد أن كانت اللوحة هي لقطة واقعية أصبحت فكرة انطباعية. وبعد أن كانت رؤية بصرية أصبحت رؤية وجدانية.
الحياة الشخصية.... ليس بالضرورة ان يكون الإنسان ناجحا في كل مناحي الحياة وليس هذا بعيب بل تكون الحياة احيانا اسرع من احلامنا وتطلعاتنا. عزة ابنة العقد الثالث، التي تعشق السفر والتزلج على الثلج وطلعات البر تقول سأفكر في الزواج عندما اجد نفسي قد حققت طموحي الذي عشت من اجله حتى لو كان على حساب حياتي الخاصة، ومع ذلك فهي تقدر حياة الأسرة ومثلها الأعلى في ذلك والدها ووالدتها اللذان ترى فيهما قمة الإعجاز في التفاني وحب الآخر وانشاء اسرة ناجحة.... اعمالها مرآة لمجتمع الإمارات، فجذبت الأنظار العالمية إليها من خلال مشاركتها في عدد من المعارض الدولية. ويميز اعمالها استنادها في تصاميمها إلى مواد من البيئة المحلية من أحجار كريمة، ومعادن، وعطور، وغيرها، وإنجازها بطريقة يدوية 100%.
اصبحت أول إماراتية تصل للعالمية في هذا المجال، حين ذُكِرت أعمالها ضمن الكتاب السنوي لدار (كارك) العالمية للمجوهرات لعام 2007. صممت على النجاح، وحققته، وكانت العواصم الأوروبية اول من تلقفها تقديرا منهم لفنها، وبعد ذلك احتضنت الدولة ابنتها ومشى على منوالها بعد ذلك الخليج والدول العربية. وكانت البداية عام 2002 فكانت الأولى محليا وعربيا في تصميم وتصنيع المجوهرات. في البداية واجهت عدم تفهم لعملها من الناس، كون الإمارات مجتمعا ذكوريا والحريم لهن البيت او بعض المهن الأخرى، هذا قبل ان تتغير النظرة وتصبح ابنة الإمارات وزيرة ومديرة وشرطية وتخوض كافة المجالات العملية جنبا الى جنب مع الرجل.
بالإضافة إلى ما واجهته عندما بدأت في مشروعي لافتتاح ورشتي بعد تخرجي في 2002، ما كان هناك آلية بسيطة للحصول على الترخيص والتسجيل، ما أدى إلى ضياع مبالغ كبيرة دون فائدة، وتأخر معرضي الأول حتى عام 2004.
الرحلات وإثبات الذات
من السويد الى بريطانيا فأميركا، ثالوث الرحلة الصعبة لإنسانة تبحث عن ذاتها. تقول: في يناير 2007 عرضت العود، واستغرب الجميع من استخدام هذا النوع من الخشب الباهظ السعر، حيث كان مجرد (خشب) بالنسبة لهم، ولكن عندما بدأت أشرح لهم الفكرة وأهمية العود بالنسبة لنا كخليجيين، بدأت الصورة تتضح، وكانوا يعتبروه في البداية شيئا مبهما، ولاحظت من سفرياتي ومشاركاتي بالخارج عدم تقدير كاف للفن عندنا من مختلف أوجهه، ويرجع ذلك في كثير من الأحيان إلى عدم وجود أناس قادرين على عرض الفن بالصورة الصحيحة.
مجموعات خالدة
تقول القبيسي: ماضي أي أنسان هو حاضره ولا يمكن أن ينفك عن هذا الإرث الثقيل وكأنه ينذر نفسه ليكون الحارس الأشوس لبوابته الخشبية التي تخفي وراءها من الأسرار تعكف مايعجز عقل عن تحمله، إلا انني اصريت ان أكون ناقلة لهذا الإرث الثقيل فجاءت مجموعاتي تحاكي الألم والدموع والابتسامات وسنين العوز.
«دموع الملائكة» قطعة تمثل كائنات قادرة على التعبير والإفصاح لا توقفها السنون عند حد، ترسم الماضي بخطوط المستقبل، تبكي وتفرح وتطير كفراشة. كلها حالات تمثلها وتتلبسها عندما تكون في مخاض القطعة، فقطعة «الخطر» البيضاوية المصنوعة من الذهب الأصفر، تعبر لحظة قاسية لرجل باع نفسه للبحر واهواله من اجل لقمة العيش، فكان يغوص باحثا عن اللؤلؤ ولكن يمكن ان تكون حياته مقابل هذه الحبة . وتعتبر اكثر المجموعات مبيعا هي الحياة بريق العود ودموع الملائكة، واحب المجموعات اليها الأبدية وهي الأغلى سعرا.
التحف والسبح
لن اقول جلست والخوف بعينيها تترقب فنجانا مقلوب، بل وشعاع من عزيمة واصرار وتخيل لرجل الإمارات المميز، فكان له نصيب عندها، فبادرت الى صناعة السبح التي لا مثيل لها في العالم نتيجة لنوع الحجر الكرين والنقاوة، فهي تليق بمن يستعملها. بعد ذلك اتجهت الى التحف لعلمها بالذوق الرفيع لأهل الإمارات وما يحبون اقتناءه فكانت تحفها ايضا تحاكي الطبيعة والبيئة الحريصة على ان تكون خالية من المنغصات حتى ولو وقفت في وجه اعتى الدول التي شوهت البيئة نتيجة التطور والمصانع، فجاءت تحفتها التنمية المستدامة التي ستصنع منها مجوهرات للبس وستكون لها خطوطها الفنية، كإدخال الحرف العربي لتكون هويتها، وكنز الصحراء التي استخدمت فيها حجارة زهرة الصحراء، والغاية منها المحافظة على هذا الحجر وعدم دوسه او فقدانه، واستخدمت فيها الريش لتنوع الحياة كريش الصقر والحبارى والكروان.
التوسع محلياً
وحاليا تعكف على اصدار كتاب عن الأعمال والمجموعات وطريقة صناعتها. وصلت إلى مرحلة اريد فيها الإقلال من نشاطاتي فقد عملت كفاية ولابد من تحديد المصير والوقوف امام الأهداف التي أصل بها عالميا، واكثر ما يهمها هو الإكثار من اللقاءات مع الطلبة. فهي محاضرة في مجموعة من المدارس والجامعات وورش العمل لتدريس هذا الفن وتعليم الطلبة المحافظة على البيئة من خلال الأدوات البسيطة التي تستعملها في صقل حجرها او صناعة قطعتها.
فرادة عصرها
سحر الزارعي، مدرسة مادة الإنجليزي ومصورة وفنانة تشكيلية تقول: تربطني بعزة صداقة لا استطيع تخيل حدودها، فهي ظاهرة بحد ذاتها، مسكونة بكل ماهو قديم حتى انني استطيع ان القبها بالقديمة المتجددة، عملها يدل على حرفية عالية لم نر مثله في اشهر بيوتات الموضة. فهي حالة لوحدها تحتاج الى التوقف عندها ودراستها. ويكفيها فخرا انها الإماراتية الأولى في صناعة المجوهرا ت التي تعمل بيدها.
ابنة كل العصور
سلوى الشيباني، رسامة تقول: أكثر ما يخيف المرء ان يؤخذ رأيه في صديق لأنه بهذه الحالة يتكلم عن نفسه دون رتوش. فالحديث عن عزة يجعلني اعد للمئة قبل النطق بأية كلمة، لأنها مدرسة جامعة لكل الخصال الفضيلة والحميمة، وكذلك المثابرة والنجاح وما نشاهده من تصاميم يعكس هذه النفسية المتصالحة مع ذاتها الى ابعد حدود الكون. فهي ناقل بأمانة لإرث عريق لآباء واجداد عاشوا حياة التعب، فنقلت حياتهم بأنفس الأحجار اكراما لذكراهم، وللحقيقة تبقى عزة الرقم واحد، اي الرقم الصعب.
إضاءة
في إنجاز جديد للمواهب الفنية الإماراتية التي تجمع بين التراث والمعاصرة في أشكالها المختلفة، قررت (دار كارك) العالمية ضم تصميمين لأقراط إماراتية إلى كتابها المعنون (500 قرط) الصادر مؤخراً لعام 2007.
يجمع الكتاب بين طياته نماذج متنوعة من مختلف أنحاء العالم لأفضل وأرقى التصاميم للأقراط التي صنعت يدوياً، وكان من ضمن المجموعة المختارة قرطان من تصميم الفنانة الإماراتية مصممة المجوهرات عزة القبيسي. يذكر أن القرطين اللذين استقطبا الاهتمام هما من مجموعتي عزة (بريق العود) و(مجموعة الحياة).
وتصاميم المجموعة الأولى مستوحاة من العود التقليدي ومكانته التراثية في حياة سكان الإمارات، وهو فريد من نوعه يتفوق على الأحجار الكريمة في نواحٍ متعددة بالنسبة لعزة القبيسي.
أما مجموعة الحياة فتصاميمها مستوحاة من الماء، وفيها تعبير عن الحياة، حيث تمثل الدوائر الناحية البصرية للحب، وتضيف حركة القطع حياة عليها وتعكس التغييرات الكائنة في الحياة اليومية.
عبد المنعم الشديدي