نشرت صحيفة زميلة تصدر بالإنجليزية تقريرا مؤخراً نقلا عن خدمة «نيويورك تايمز» يثير العديد من التساؤلات يأتي على رأسها التساؤل حول من يسلك الطريق الصحيح في التعاطي مع ظاهرة «التشدد الإسلامي».. نحن أم الغرب؟ يقول التقرير إن مليكة ـ أو أم عبيدة ـ وهي سيدة مسلمة في بلجيكا وأرملة سابقة لأحد أتباع بن لادن الذي قتل القائد الأفغاني أحمد شاه مسعود المعارض لطالبان قبيل أحداث سبتمبر، تشن حملة عبر الإنترنت تدعو من خلالها إلى الجهاد.

ومليكة تعلن صراحة أنها تعتبر نفسها «مقاتلة» ضمن تنظيم القاعدة. ورغم تأكيدها أنها لا تنشر شيئا يتعلق بصنع القنابل مثلا وعدم اعتزامها حمل السلاح بنفسها فإنها تدعو الرجال للقتال، والنساء أن يلتحقن بالجهاد. إنها ترى الكتابة سلاحها، باعتبارها «القنبلة» التي يمكن لها حملها. وهي معروفة ومسجلة لدى الاستخبارات الأوروبية. وقد تزوجت رجلا آخر فيما بعد وقبض عليها في سويسرا بتهمة إدارة مواقع إلكترونية للقاعدة وموضوعة تحت المراقبة بدعوى إمكانية مشاركتها في أعمال إرهابية.

من نماذج ما كتبته لغربيين على «النت»: «إن فيتنام لاتمثل شيئا مقارنة بما سترونه في العراق وأفغانستان. اطلبوا من أمهاتكم وزوجاتكم أن تعد لكم أكفانكم». فيما راحت تشد من أزر إخوانها بالقول: «إنني أرى النصر باديا في الأفق».

ورغم أنها تعيش تحت المراقبة المستمرة، فإن مليكة الآن تمارس مهام «جهادها» من المنزل، وتتقاضى أكثر من 1100 دولار شهريا مستفيدة من قانون دعم المتعطلين عن العمل. مسؤول أمني بلجيكي راح يؤكد في معرض الحديث عن حالتها أنها فيما تتمتع بالحماية البلجيكية فإنها في الوقت ذاته تمثل تهديدا محتملا. ومن نماذج هذه الحماية تأمين الإفراج عنها وعودتها من أفغانستان لبلجيكا إثر احتجازها من قبل أنصار مسعود في عملية زوجها المشار إليها.

مليكة المغربية التي تبلغ من العمر 48 عاما لا تستطيع القراءة بالعربية وجاء التزامها الذي تطور إلى التشدد ـ حسب التقرير ـ بعد قراءات عن القرآن بالفرنسية، وهي لا تتوانى عن أن تعلن رغبتها في النزول إلى أرض المعارك لتخوض قتالا إلى جانب المجاهدين الشيشان، لكنهم أكدوا حاجتهم فقط إلى رجال مدربين جيدا، وهي ترى في طالبان نموذجا للحكومة الإسلامية وان التقارير التي تبث عن إساءة معاملتها للمرأة غير صحيحة. مشكلة السلطات البلجيكية الآن ليست في مليكة ولكن في زوجها التونسي الذي يجوب العالم في «رحلة».. من نوع آخر ولكن من أجل الجهاد أيضا!

هل التقرير دعائي؟ الحالة أبعد من ذلك، والموضوع قصة صحافية بامتياز وتستحق المتابعة. ماذا لو كانت مليكة المسلمة تقوم بعملها ذاك من بلد عربي أو إسلامي سواء كان لديه قانون طوارئ أم لا؟ لا شك أنها لم تكن لترى النور ومصيرها غياهب السجون والمعتقلات وكانت ستتلقى من لطمات أكثر مما تتلقاه في بلجيكا من دولارات. هل التساهل الغربي مع مليكة على هذا النحو أمر جيد أم هو «أس البلاء» أم أن الأسلوب الواجب هو القمع الذي يمارس في عالمنا العربي والإسلامي؟ للأسف، فإن التجارب تشير إلى تفوقنا على الغرب في هذا المضمار فقط!

هل القضية تؤشر لجحود من المسلمين تجاه التسامح الذي يلقوه في الغرب؟ من الصعب التعميم ولكن السؤال يظل قائما. لماذا تلجأ مليكة ـ التي لا تعرف العربية وذات التربية الغربية إلى ما لجأت إليه.. اعتناق النسخة المتشددة من الإسلام؟. الأقرب للتفسير أن ذلك تعبير عن استفحال أزمة الهوية لدى كثير من المسلمين في الغرب، كما أنه شيء طبيعي ووارد في كل الأديان.

لماذا تبدو كراهية الغرب عالية في نبرتها ودعوتها لما تصفه بالجهاد؟ أمر يتجاوز نطاق الإجابات الكبسولة، ويتعلق بقضايا عديدة ويمثل مسؤولية مشتركة بين العالمين الإسلامي والغربي وإن كان الأخير يتحمل الجانب الأكبر منها.. وتلك قضية أخرى.

mostafa1962@yahoo.com