المتعارف عليه ضمنا أن التلوين هو نوع من الفن، لكن التلوين ـ في جوهره ـ هو تغيير الواقع المجرد، فحينما يضع الفنان لونا معينا على أرضية مجردة، فإنه يغيرها إلى ما يراه إبداعا، وهو في الحقيقة يطمس المجرد لصالح انحيازه الخاص.
هذا التلوين في مضمونه العام يتحكم في كثير من مناحي الحياة. و ينطبق أكثر على الإعلام كأحد أدوات السياسة، حيث يتم تلوين كثير من المعلومات وتضخيمها أو نزع الدسم عنها، وكله حسب الطلب، و لا يستثنى من ذلك أيضا ما هو معلوم باليقين والضرورة.
ويكون حجم التلوين وقوته على قدر قوة الملون، لأن الدول العظمى لاتكتفي بوضع ألوانها، وإنما تحاول أن تفرضها على الآخرين. و تسعى إلى ذلك بكل السبل، ومنها شراء ذمم أفراد ومجموعات ليساهموا بدورهم في فرض ما تريده.
ومن أجل هذا الغرض بالضبط أنشأت الولايات المتحدة الأميركية مكتب التضليل الإعلامي التابع لوزارة الدفاع (البنتاغون)، فمهمة هذا المكتب تلوين المعلومات، لتتوافق مع ماتراه. فهو ينشر الأخبار ويدبج المقالات، من أجل الترويج للآراء الأميركية في العالم، خاصة في المناطق المستهدفة. وتأتي المنطقة العربية على رأس ماتستهدفه السياسة الأميركية.
ومنذ نحو عام تسربت أنباء عن دور هذا المكتب في العراق، إذ ثبت قيامه بنشر أخبار كاذبة وملفقة عن بعض الأحداث، وغير من واقع الحقيقة في كثير من الأحيان، لكن الأخطر أن ضباط البنتاغون قاموا ـ من خلال المكتب ـ بكتابة بعض المقالات التي قدمت على طريقة الوجبات الجاهزة إلى صحافيين عرب واميركيين، لينشروها بأسمائهم مقابل مبالغ مالية، وقد فعلوا.
هذه الفضيحة كشفتها آنذاك أوساط سياسية وإعلامية أميركية، لكن تم التغاضي عن الأمر، فالمهم هو المصالح العليا. وبنفس الطريقة مر الأمر على الأوساط السياسية والإعلامية العربية . رغم أن كثيرا من هذه الأوساط تعرضت للتشكيك في مصداقيتها. والأخطر في هذا السكوت هو أن هذا الطابور الخامس ينمو ويترعرع.
هذا الطابور الخامس يقوم بالترويج الفكري و العقائدي لسياسات الولايات المتحدة، كما يقوم أيضا بالدفاع عن جرائمها، لذا هو بحق جزء من أدواتها وقواتها، وان كان أفراده يلبسون الملابس المدنية، وان كانوا يحملون أسماء عربية، لأن ولاءهم الحقيقي يبدأ وينتهي في واشنطن. فهي عندهم صاحبة الأمر والنهي، و صاحبة اليد العليا.
والخطر الحقيقي الذي يأتي من هؤلاء، ليس فقط ولاءهم للخارج أو انحيازهم له، وإنما تعمدهم تخريب الوطن عبر النيل من القيم والعادات والتقاليد و الدين، فهم لا يستثنون الثابت أو المعلوم، فكل شيء عندهم قابل للتلوين والتحريف.
وهذه السياسات صفة ملازمة لكل القوى التي تسعى لحماية مصالحها. فقد عانت منها ـ على يد واشنطن ـ دول أميركا اللاتينية في الستينات والسبعينات، كما قيل الكثير عن دور النظام العراقي السابق و غيره في شراء نخب عربية وغربية.
والمؤرق أن وثيقة تنظيم البث الفضائي العربي، التي أقرت مؤخرا، تمارس نفس سياسات التلوين، فهي تتعامل مع الأمن القومي العربي من منظور أمن الحكومات فقط وليس من المنظور الشامل.
وتبعا لذلك فليس غريبا أن نشهد مستقبلا تضييقا على حرية التعبير في العالم العربي، حتى على حساب الهامش المحدود المتاح في بعض الدول. وهذا التوجه سوف يجعل الصوت الوطني أضعف الحلقات.
إن الوثيقة لا تعالج المشكلات الحقيقية للإعلام، ومنها الاختراقات الخارجية وإنما تساعد عليها. لأن تقييد الحريات يضعف من دور الصوت الوطني المخلص في التصدي لها، في الوقت الذي لا تكف فيه القوى الخارجية عن ممارسة ضغوطها على الحكومات لحماية طابورها الخامس. ومن ثم فإن العالم العربي في ظل هذه الوثيقة ـ وعلى عكس ما يزعم البعض ـ مرشح لمزيد من الاختراقات، ما يعني أننا مقبلون على مرحلة ستكون الغلبة فيها للتفكير باللونين الأزرق والأحمر على حساب بقية الألوان.