تعلّق ليبيا أمالاً وطموحات كبيرة خلال المرحلة المقبلة على الدور المهم والحيوي الذى يمكن أن يلعبه قطاع السياحة في تنويع مصادر الدخل القومي من خلال وضع الخطط التي ترمي إلى تطوير المناطق السياحية، ولذلك تحولت الأنظار في الآونة الأخيرة إلى صناعة السياحة لتكون واحدة من أهم موارد الدخل القومي فأنشأت لها لجنة شعبية عامة متخصصة في القطاع السياحي، بعد ذلك، شهدت الجماهيرية الليبية انتعاشا سياحيا ملحوظا بفضل مخططات التنمية لهذا القطاع.

ولا يأتي ذلك من فراغ فقد مثلت ليبيا حلقة ربط بين افريقيا وأوروبا عبر المراحل المختلفة من التاريخ، ولذا كانت الحضارات القديمة والحديثة، مستريحة إلى قاعدتها وعمقها العربي شرقا وغربا ومجالها الحيوي الإفريقي جنوبا.

وتدل شواهد ورسوم نحتت في الصخور على آثار للإنسان في ليبيا موغلة في القدم تعود إلى ما قبل تدوين التاريخ، قرب مدينة غات الجبلية في أقصى الجنوب الغربي من ليبيا.

صحراء.. لكن خصيبة

قد توحي كلمة الصحراء بقسوة الطبيعة والجفاف والحرارة الشديدة، غير أن الصحراء الليبية ذات خصائص نادرة بين الصحارى، ففي باطنها الماء العذب وعلى أديمها الممتد تنتشر الواحات، وتتخللها إلى جانب الكثبان الرملية سلاسل من الجبال والمرتفعات والهضاب وسهول ممتدة مكسوة بالأعشاب والنباتات الخضراء الطالعة من بين الرمل والحصى، كل ذلك في فضاء فسيح من السكون والهدوء الباعث على التأمل والسكينة حيث سياحة أخرى تختلف عن سياحة الترحال والمغامرة والاستكشاف، إنها رياضة الفكر والتأمل وسياحة الروح.

الصحراء الليبية، ليست مساحة خاوية من الأرض، إذ ان بها مدنا عريقة، وواحات حية، لطالما كانت ملتقى للوافدين من كل العالم، للمشاركة في مهرجانات الفرح التي تقام فيها بشكل دائم.

ومن أهم المدن الصحراوية، مدينة سبها، وهي مدينة صحراوية داخلية تقع على الطريق الآتية من طرابلس باتجاه الجنوب وقد كانت عاصمة فزان القديمة ومحطة لطريق القوافل، وفيها مطار وجامعة وطنية وتشتهر بمصنوعاتها التقليدية وبإنتاج التمور، ولها تاريخ عريق، ومن آثارها قلاع وقنوات ونظم للري ترجع إلى ما يزيد على عشرة قرون.

ومن المدن العريقة الأخرى، مدينة غدامس، وهي واحة ليبية تبعد عن طرابلس نحو 600 كم، وهي عبارة عن منطقة خضراء وسط الصحراء، تنقسم إلى ثلاثة أقسام: المدينة العتيقة حيث السور وعدد من الجوامع القديمة، وغابة النخيل، ثم المدينة الحديثة بمنشآتها وشوارعها ومبانيها العصرية.

وفي غدامس طيف من الثقافات والتراث الشعبي الأصيل، فهناك الطوارق بلباسهم المميز، وهناك طرازها العمراني الشعبي الجميل وفنونها الشعبية المكتنزة بتراث الصحراء وغابات نخيلها الظليلة.

في أقصى الجنوب، تقع مدينة غات، وهي تبعد عن غدامس 620 كم، فيها قلعة شيدها العثمانيون وهدمها الإيطاليون ثم أعيد بناؤها، وهي اليوم من المزارات الأثرية.

المواقع الإسلامية

# تزخر مناطق الجماهيرية بالآثار الإسلامية، إذ يمكن رؤية هذه الآثار في أكثر من بقعة واتجاه، ومن أهم المدن الأثرية التي تحتوي على آثار اسلامية مميزة، مدينة زويلة، وهي مدينة صحراوية تقع في منطقة فزان إلى الجنوب الشرقي من سبها في واحة من النخيل، وكانت تقع قديما على طريق القوافل التجارية، حيث شكلت أحد مراكز التجارة مع افريقيا، فيها معالم وآثار إسلامية تعود إلى أيام الفاطميين.

وعندما فتح عمرو بن العاص برقة بعث عقبة بن نافع حتى بلغ زويلة، وفيها سُكّت الدنانير الذهبية أيام ازدهارها خلال الحكم الفاطمي، وبعد زواله ارتبطت المدينة بحكم المرابطين والموحدين والحفصيين، وعثر فيها على دينار ذهبي إسلامي سُكّ فيها أيام المعز لدين الله الفاطمي عام 412ه، وماتزال فيها قلعتها التاريخية وجامعها العتيق وبعض المقابر يقال إنها تضم رفات عدد من الصحابة أيام الفتح الإسلامي.

طرابلس حاضرة الشمال الإفريقي

# عاصمة ليبيا، أسسها الفينيقيون في القرن السادس قبل الميلاد، وهي حاضرة متوسطية بمعنى الكلمة، يتجاور البحر الأزرق فيها مع كروم الفاكهة وحدائق النخيل والزيتون والبرتقال، وتتجلى فيها معالم الحداثة والمدنية المعاصرة في آن معا إلى جانب شواهد التاريخ القديم.

وتوفر مرافقها العمرانية من شوارع فسيحة وفنادق ومنتجعات وأسواق قديمة وحديثة كل المتع التي يرنو إليها السائح وكل الخدمات التي تجعل من زيارته لها فرصة عمر مشحونة بالذكريات الجميلة يحملها معه زاخرة بنفائس أسواقها ومنتجاتها وحرفها الشعبية التقليدية من منسوجات ومفارش وحليّ ذهبية وفضية ونحاسيات وجلديات وفخاريات مزخرفة.. كل ذلك إضافة إلى بحرها الصافي وشمسها المشرقة وما تمثله من متنفس للترويح ورياضة الجسد والنفس من خلال الرياضات البحرية والألعاب المائية والسباحة.

ومن معالم طرابلس متاحف تحوي الكثير من الآثار ومفتوحة أمام الراغبين في إطلالة سياحية تاريخية على طرابلس، وأهمها المتحف الجماهيري، وهي كمعظم المدن على حوض المتوسط شهدت تعاقب الحضارات منذ الفينيقيين إلى الرومان وحتى الفتح العربي الإسلامي، إلى أن امتد إليها نفوذ العثمانيين.

سلطان الإسلامية

تقع على مسافة قصيرة إلى الشرق من مدينة سرت، وهي موقع إسلامي مهم ويرجع تاريخها إلى ما قبل القرن الرابع للهجرة، وفيها بقايا مسجد فاطمي، وكانت محطة مهمة على طريق القوافل بين برقة وطرابلس.

كما تعد مدينة صبراتة التاريخية تقع على بعد 67 كم غرب العاصمة الليبية طرابلس، على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وسط وشاح اخضر تلتقي عنده نهايات سهل جفارة الفاصل بين حواف الجبل الغربي ومياه المتوسط شديدة الزرقة، وعلى بعد كيلو متر واحد من شوارع المدينة وعماراتها وحركتها الدائبة، تجثم بجلال وسكينة آثار صبراتة الفينيقية الرومانية بجدرانها الدهرية الفخمة، ومدافنها البونيقية، وأعمدتها المرمرية، ومسرحها الفخم المرمم، وممراتها المرصوفة، متحدية عاديات الزمن، وشاهدة على ما عرفته المنطقة من حضارات ودول، وعصور ومواسم.

فالأضرحة الفينيقية تتحاور وتتجاور مع الآثار الرومانية الهائلة. ويشي موقع المدينة الساحر والاستراتيجي بمدى حنكة وشاعرية مؤسسيها الفينيقيين.

يشار إلى أن الهيئة العامة للسياحة والصناعات التقليدية أنشئت بقرار اللجنة الشعبية العامة رقم 87 لسنة 2007، وينص هذا القرار على أن «تكون للهيئة الشخصية الاعتبارية والذمة المالية المستقلة وتتبع اللجنة الشعبية العامة».

وتختص الهيئة بتنفيذ الخطط والبرامج المقررة فى مجال النشاطات السياحية المختلفة، كما تتولى تنمية الصناعات التقليدية والعمل على حماية وصيانة وترميم المدن التاريخية والاهتمام بالمنتزهات الوطنية واقتراح السياسات والتشريعات اللازمة لذلك، ووضع الخطط والبرامج اللازمة لتنميتها وتطويرها لزيادة مواردها دعما للاقتصاد الوطني.

إضاءة

تتمثل أهم موارد الجذب السياحي في الآثار القديمة حيث يحتضن الساحل الليبي أجمل الآثار القديمة في العالم والتي تتركز بصورة بارزة في كل من المنطقتين الشرقية والغربية من هذا الساحل. هذا فضلاً عن التراث الثقافي. ويعتز السكان الليبيون اعتزازا كبيرا بثقافتهم التي تعد من الثقافات الغنية جدا والمتنوعة، فضلا عن الثقافة التي لها علاقة بالنواحي التاريخية، بما في ذلك الأنماط والأشكال المعمارية والعمرانية والمتاحف. وهناك العديد من العناصر الثقافية الأخرى التي تعتبر ذات جاذبية خاصة بالنسبة للسياح كالحرف والمشغولات اليدوية.

طرابلس ـ سعيد فرحات