كان من الممكن أن يشهد العالم حرباً نووية، ليس بسبب الصراع السياسي الساخن بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي (السابق) في زمن الحرب الباردة، وانما بسبب خطأ نووي يقع بدون قصد من جانب أحد الطرفين.
ولتجنب مثل هذا الخطأ أو سوء التقدير، أنشأت واشنطن وموسكو أول (هوت لاين - Hot Line) أو خط ساخن بينهما على أمل أن يتجنب البلدان ومعهما العالم وقوع حرب نووية لاتجلب سوى الدمار الشامل. واليوم يمر 45 عاما على هذا الخط الذي خفف من حدة المواجهة النووية بين الدولتين اللتين تقاسمتا القوة والنفوذ منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى انهيار الاتحاد السوفييتي في أعقاب سقوط حائط برلين في بداية التسعينات من القرن الماضي.
فكرة الخط الهاتفي، بدأت مع نهاية أخطر أزمة بين موسكو وواشنطن في بدايات الستينات. وبالتحديد في 15 أكتوبر 1962، عندما رصدت طائرات التجسس الأميركية منصات الصواريخ السوفييتية الباليستية في كوبا تحت ذريعة التصدي لواشنطن في حال غزوها الجزيرة الكوبية.
كان هذا العمل بمثابة تهديد مباشرلأمن الولايات المتحدة باعتبار أن الصواريخ على مقربة من الأراضي الأميركية التي لاتفصلها عن كوبا سوى 90 ميلا فقط. وفي ظل التهديدات الأميركية التي وجهت الى الكرملين، كاد العالم أن يشهد حربا نووية مدمرة.
إلا أن الاتحاد السوفييتي، خشية أن يكون سببا في اندلاع تلك الحرب، وافق على ازالة صواريخه من كوبا، مقابل تعهد أميركي بعدم غزو الجزيرة والتخلص من الصواريخ البالستية الأميركية المنصوبة في تركيا والتي كانت على مقربة من الأراضي السوفييتية. وتنفس العالم وقتها الصعداء ، خاصة وأن أول ما لجأ اليه الجانبان بعد انفراج أزمة الصواريخ، هو إنشاء خط هاتفي ساخن تم الاتفاق عليه في 20 يونيو 1963.
هذا الخط ، كان بداية فتح قنوات اتصال مباشرة بين القوتين الأعظم في ذلك الوقت. بل يمكن القول ان الخط الساخن، مهد الطريق إلى ماسمي في السبعينات بعصر الوفاق ثم التقارب بين الجانبين. الاتفاق على إنشاء (الهوت لاين) أعقبه في العام نفسه وبالتحديد في أغسطس 63، اتفاقية وقعت بين القوتين الكبيرتين وانضمت اليهما بريطانيا، وتقضي بالالتزام بالتوقف عن التجارب النووية.
ولم تنته فترة الستينات التي بدأت ساخنة للغاية وتخيم عليها أجواء حرب عالمية ثالثة، دون نزع فتيل المواجهة. فخلال النصف الثاني من عقد الستينات وقعت اتفاقيتان تتعلقان بالتسليح النووي:
الأولى- اتفاقية الفضاء الخارجي عام 67 وتمنع وضع أسلحة نووية في الفضاء الخارجي للأرض.
والثانية- اتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية في العام التالي 1968، وتضم الى جانب الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وبريطانيا، 83 دولة أُخرى.
الخطر النووي بدأ يتلاشى في اعقاب تلك الاتفاقيتين، خاصة وأن فترة السبعينات، شهدت المزيد من الاتفاقيات، أبرزها إتفاقية سالت الأُولى ( عام 1972) التي تقضي بتجميد الصواريخ العابرة للقارات لخمس سنوات. وشهد العالم ما سمي بعصر الوفاق بين موسكو وواشنطن الذي بدأ مع قمة موسكو في 22 مايو 1972، وقمة واشنطن في يونيو 1973.
وقتها قال هنري كيسنجر- الذي كان حينذاك مستشار الأمن القومي للرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون، ان هدف سياسة الوفاق هو دفع موسكو إلى التعامل باعتدال ومرونة في مناطق التوتر الإقليمي، وفي مقدمتها الشرق الأوسط وفيتنام.
وفي عقد الثمانينات، تعززت الاتصالات بين البيت الأبيض والكرملين، خاصة في عهد الرئيس الأميركي رونالد ريجان رغم أنه كان قد أطلق على الاتحاد السوفييتي (إمبراطورية الشر). وكانت أهم خطوة نحو تجنب المواجهة النووية بين الجانبين، هي توقيع اتفاقية لإنشاء مركز لتقليل الأخطار النووية عام 1987، ثم اتفاقهما في بداية عام 1988على تبادل الخبراء لزيارة مواقع الاختبارات النووية في البلدين.
وكان من الممكن أن يشهد العالم حربا نووية بطريق الخطأ في منتصف التسعينات رغم ان الاتحاد السوفييتي في تلك الفترة قد انهار وتحول الى 16 دولة مستقلة، ففي عام 1995، رصدت روسيا صاروخا نرويجيا لمراقبة الطقس، وظنت أنه صاروخ نووي أطلقه حلف شمال الأطلسي (الناتو).
واستعدت للرد على ذلك. واعترف الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسين انه استخدم لأول مرة الخط الساخن في حقيبته السوداء للاتصال بالجنرالات لبحث شن ضربة مضادة انتقامية. وبعدها تم الاتفاق على إنشاء نظام إنذار مبكر.
وفي نهاية عام 2000، وقعت الولايات المتحدة وروسيا اتفاقا يهدف إلى القضاء على المخاطر التي قد تنجم عن أي نزاع نووي بطريقة غير مقصودة واتفقت وزيرة الخارجية الأميركية آنذاك مادلين أولبرايت في بروكسل مع نظيرها الروسي إيجور إيفانوف على تبادل المعلومات الخاصة بالتجارب النووية وإطلاق الصواريخ.
وكان الهدف هو تعميق الثقة بين البلدين. ولكن، هل انتهى الخطر النووي الذي بدأ التصدي له ب(الهوت لاين) منذ 45 عاما؟ للأسف ، الخطر قائم ، مادامت دائرة التسلح النووي اتسعت بعد أن انضم، إلى جانب الروس والأميركيين أعضاء جدد إلى نادي الدمار!
إضاءة
كان طبيعيا أن تتفق الهند وباكستان على إنشاء (هوت لاين) أو خط ساخن لتنبيه كل جانب من المخاطر النووية المحتملة. الجاران النوويات حرصا على الحيلولة دون سوء الفهم. وكان الاتفاق في عام 2004، يقضي بأن يكون بين أرفع مسؤولي وزارتي الخارجية الهندية والباكستانية، بينما يتم رفع درجة الخط الساخن القائم بالفعل بين القادة العسكريين الكبار من البلدين، فضلا عن تخصيصه وتأمينه.
لقد كان هناك قلق ومخاوف من الجانبين من احتمال أن يخرج الموقف عن السيطرة إذا وقع حادث نووي. وتقول شبكة (بي بي سي) ان البلدين يتمتعان بقيادة محدودة وأنظمة سيطرة غير كافية، بينما لم يطور أي منهما التكنولوجيا اللازمة لاسترجاع صاروخ يحمل رأساً نووياً في حالة إطلاقه بطريق الخطأ.
حسن صابر