روبرت موغابي.. سجل حافل بالأحداث التي لم تطو صفحاتها بعد. رغم الإجماع على دكتاتوريته وحكمه المطلق الذي جعل البعض يقول انه لن يترك الحكم إلا بالموت. لايمكن انكار تاريخ هذا الرجل الذي قاد دولة، كانت يوما ما في قبضة أقلية بيضاء ونظام عنصري انفصل واستقل عن بريطانيا عام 1965 وكان يرأسه اشهر الطغاة العنصريين في الستينات هو ايان سميث. وكانت زيمبابوي في ذلك الوقت يعرفها العالم باسم روديسيا الجنوبية ( الشمالية هي الآن زامبيا).
صنع موغابي تاريخه الوطني كبطل ثوري خاض حرب عصابات في السبعينات من أجل تحرير شعبه من حكم الأقلية البيضاء. في 1964 اعتقلته السلطات البريطانية مع رفاق نضاله جوشوا نكومو وإيدسون زفوبجو وظلوا في السجن قرابة عشر سنوات، وكان حريصا خلال فترة المعاناة من حكم البيض على أن يدرس القانون.
وفي عام 1974 اطلق سراحه، وترك موجابي بلاده إلى موزمبيق، اذ قاد جيش تحرير زيمبابوي بدعم صيني، وواصل نضاله الى أن تولى رئاسة أول حكومة لبلاده بعد الاستقلال في مارس 1980. وربما لذلك يصعب على زعماء افريقيا انتقاده احتراما لتاريخه الوطني. ولكن لايمكن اغفال مثالبه وأخطائه الجسام في الحكم ، لأنه من الصعب الدفاع عنها أو تبريرها.
فموغابي ذلك التمساح الأسود العجوز، على حد وصف الكاتب البريطاني جان راث، تكمن مشكلته كما يقول المعلق البريطاني المعتدل جوزيف ونتر، في أنه منذ استقلال زيمبابوي تحرك معظم العالم إلى الأمام لكنه ظل كما هو. فالقوى الاشتراكية في حزبه (زانو بي اف) مازالت تقاتل الرأسمالية وما تسميه قوى الاستعمار.
ومعارضو نظامه، يقولون، طبقا لما بثته شبكة بي بي سي، انه أظهرعدم فهم لإدارة الاقتصاد الحديث، وكان تركيزه فقط على كيفية اقتسام الكعكة مع الجميع بدلا من جعلها تنمو وتكبر. سوء ادارته لاقتصاد زيمبابوي الذي كان قويا في زمن حكم البيض، جعل التضخم السنوي يصل الى 100 ألف في المئة.
وبسبب تمسكه بفكره الجامد، تدهور الاقتصاد الذي كان الأكثر تنوعا في افريقيا. مع العلم، أن موجابي يحمل ثماني شهادات جامعية بين البكالوريوس والماجستير والدكتوراه منها شهادات نالها من بريطانيا وجنوب افريقيا، ومن بينها تخصصات في الاقتصاد والتربية. بل وحصل على العديد من الدرجات الجامعية الفخرية من عدة جامعات عالمية. أي أنه من المفترض بحكم تعدد دراساته وشهاداته الأكاديمية أن يكون منفتحا على العالم.
ولطول بقائه في الحكم، وصفته مجلة تايم الأميركية، بأنه استاذ فن البقاء في الحكم. بررت ذلك بقمعه للمعارضة وبالخدع الانتخابية. فقد اتهم بتزوير انتخابات عام 2000 البرلمانية، وانتخابات 2002 الرئاسية. كما أن الانتخابات الأخيرة لم تسلم من نفس الاتهام. ووصفها منتقدوه في الداخل والخارج، بأنها هي القشة التي قصمت ظهر البعير أو المسمار الأخير في نعش حكمه.
ولكن رغم كل ما يقال عنه، فإنه يحسب لموغابي، أنه منذ توليه الحكم عام 1980 وحتى منتصف التسعينات، ظلت زيمبابوي، باعتراف بي بي سي، أحد الاقتصادات القوية في إفريقيا وسلة الغذاء لمنطقة الجنوب الإفريقي. كما أنه حقق لبلاده أعلى نسبة تعليم في افريقيا والتي تبلغ 90% من السكان.
أوضاع زيمبابوي الآن ليست على مايرام، الى درجة أن وزيرة التنمية الألمانية هايدي ماريا فيتسوريك قالت تعليقا على حضور موجابي قمة الغذاء في روما الأسبوع الماضي: مما يدعو للسخرية أن يتجرأ شخص قاد بلاده إلى الخراب وشعبه إلى الجوع على الظهور في مثل هذا المؤتمر.
إضاءة
عندما أصيبت سالي زوجة موجابي الأولى بمرض السرطان وقبل أن تموت عام 1992، تزوج الرئيس العجوز، 84 عاماً، من سكرتيرته جريس الأصغر منه بأربعين عاماً. وكان يبلغ الثالثة والسبعين من العمر عندما أنجبت طفله الثالث شاتونجا من الزوجة الثانية التي كانت وقتها في العشرينات من عمرها. وتقول جريس، التي تصغر موجابي بأربعين عاماً، إن زوجها مفعم دائماً بالحيوية والنشاط، يستيقظ الساعة الرابعة فجراً ليواظب على ممارسة الرياضة.
حسن صابر