بعد أن يئست (خولة) من إيجاد وسيلة تطمئن بها شقيقتها المفجوعة بفقدان زوجها، خاصة بعد البحث عنه في كل الأماكن التي تضم الأحياء والأموات معا ، واختفاء كل اثر له ، لم يكن أمامها - حسب اعتقادها - غير أن تركن العقل والمنطق جانبا، وتستمع إلى نصيحة زميلتها في العمل بزيارة المشايخ وقارئات الطالع للحصول على أمل يشيع الاطمئنان في نفس شقيقتها .. بهذه الطريقة .
بات بعض العراقيين يعالجون مشاكلهم الجديدة، بعد الغزو الأميركي، وهم حين يعجزون عن العثور على المفقودين من أحبتهم في المعتقلات الأميركية والعراقية ومعاهد الطب العدلي، لن يجدوا وسيلة تطفئ نيران نفوسهم المستعرة، أفضل من الإمساك بخيط أمل جديد، حتى لو كان كاذبا.
يقول الحاج أبو إيهاب انه لم يفقد الأمل في عودة ابنه رغم اختطافه منذ أكثر من عامين، ويعترف أن مجرد طرقه باب المنجمين ربما يفقده شرعية حجته إلى بيت الله الحرام، لكنه ولده الوحيد، ولايريد أن يصدق غيابه من البيت بشكل نهائي.
أما فاضل محمود - موظف - فيعزو نجاح مهنة العرّافة والبحث في الكرات السحرية والمرايا ومحاورة الجان، وحتى قراءة الفنجان أو الكف، إلى ذكاء محترفي تلك المهن، وموهبتهم في استلال المعلومات من بين إجابات زبائنهم أو الحديث عن ظروف يعيشها اغلب العراقيين حاليا، والاعتماد على التخمينات.
البحث عن ابن الحلال
وفي جانب آخر .. لم يكن ينقص المحامية (هند) إلا ابن الحلال .. إذن.. كل شيء ينقصها !! ، هكذا ترى والدتها وقريباتها وصديقاتها، فلن تكتمل صورتها الحلوة إلا بالنصف الآخر .. وأمام كلمة من هذه ونصيحة من تلك وإلحاح من الجميع، وافقت على مرافقة بعض زميلاتها (المحاميات) إلى بيت امرأة تقرأ الطالع، لتعرف مايخبئه لها المستقبل، وهل سيبعد عنها شبح العنوسة الرهيب، ام سيظل لصيقا بها كظلها، حتى يغزو الشيب شعرها.
جلست متذمرة أمام المرأة الواثقة من قدرتها الغيبية، وهي غير مقتنعة بكل هذه التمثيلية الساخرة، لكنها محاصرة ببعض الصديقات المؤمنات بكل كلمة تقولها المرأة.. وإذن، فلابد من الصمت وانتظار دورها. فجأة، دخلت شابة جميلة إلى الحجرة، حيث تجلس ام الخيرة مع زبوناتها، وشرعت تبكي وتلطم خديها مخاطبة المرأة التي عقد لسانها الانفعال: أمي.. لقد غدر بي زوجي.. سرق مصوغاتي وتزوج بأخرى وهرب إلى بلد آخر.. ألم تقولي لي إننا سنعيش معا في سعادة وننجب أطفالا ذكورا ؟.
كادت أن تفلت من (هند) ضحكة حبستها بصعوبة مراعاة للموقف المأساوي، لكنها لم تتمكن من البقاء مع زميلاتها لتكمل التمثيلية الساخرة، فخرجت من منزل (العرّافة) التي عجزت عن معرفة مستقبل الشابة المسكينة، فكيف ستعرف ابن الحلال الذي تبحث عنه المحامية هند ؟!...
وان كانت (هند) اكتشفت الخدعة وضحكت منها، فهناك نساء عديدات من المتعلمات وغير المتعلمات لايتنازلن عن إيمانهن بما تقوله (أم الخيرة)، ويدفعن لها كل المال الذي تطلبه مقابل (فك السحر)، أو حل عقدة العانس.. وهو ما تطلق عليه العراقيات (حل الجبسة).
مخادعو (فتح الفال)
الدكتور محمد علي نجم أستاذ مساعد في علم الاجتماع يصف (فتّاحي الفال) بالمخادعين، لاستغلالهم سذاجة النساء وتعلقهن بالأمور الغيبية، وبحثهن المستمر عن حلول لمشاكلهن الاجتماعية، إضافة إلى توريط بعضهن بعلاقات غير مشروعة، في حالة بحثهن عن الإنجاب وسواه.
ويشير نجم إلى تضاؤل تلك المهنة في سنوات السبعينات، وازدهارها في سنوات الثمانينات بسبب ظروف الحرب وفقدان العديد من الجنود وعدم ورود أسمائهم في قوائم الأسرى أو القتلى، وعودتها في سنوات التسعينات (خلال الحصار) بملامح جديدة.. ومن ثم رواجها وانتشارها بعد الاحتلال.
تقول (ام ستار) من حي الجهاد ببغداد، ان منزلها تعرض للسرقة خلال الفوضى التي عمت منطقتهم قبل انتشار عناصر الشرطة بشكل واسع ، وعند القبض مصادفة على احد السارقين بعد أشهر من الحادثة، اعترف بانتمائه إلى عصابة شكلها أبناء جارتهم (العرافة العجوز)، بالاشتراك مع والدتهم التي كانت تزودهم بالمعلومات بعد أن تدفع زبائنها بطريقتها الذكية إلى الاعتراف بما يملكونه من مبالغ كبيرة.
أو إيهام زبوناتها بمعرفة أماكن إخفاء مصوغاتهن الذهبية، والطريف في الأمر أنها كانت تصف لمن يقصدها ممن سرقت منازلهم ملامح تقريبية للسارقين، وكيفية سطوهم على المنزل، والأساليب التي استخدموها لترويع أهله، وماهية الأشياء التي سرقوها، فيصدقها الزبائن، وقد تزيد جرعة تصديقهم لها بإرشاد احدهم إلى مكان مسروقاته بعد أن تتفق مع أبنائها على ذلك ..!
الفضائيات والشعوذة
وتعترض (زهراء) على وصف جميع العرّافين بالدجل، فهي مؤمنة تماما بقدرة (أم الخيرة) على التنبؤ بكل ما يحدث لها، وقدرتها على مساعدتها في حل مشاكلها، فهي التي أعادت إليها زوجها بعد زواجه بأخرى، وهي التي تبلغها عادة بمن يكيد لها من جاراتها وأقاربها، كما انها أجادت إطلاق تنبؤات صادقة بشأن المفقودين في الحرب العراقية - الإيرانية، وحتى هذه اللحظة.
ويتهم جميل العزاوي أستاذ جامعي القنوات الفضائية بالترويج للشعوذة، بعرضها برامج عديدة تدعو إلى الاعتقاد بالغيبيات، ويتابعها ويراسلها مشاهدون من كل أنحاء العالم، ليس فقط من الجهلة وإنصاف المتعلمين، بل من أصحاب المكانة العلمية والثقافية والاجتماعية.
ويواصل اتهامه قائلا: ان العرافة ألقت بجذورها في عمق النفوس العراقية واستولت عليها، وبات سوق الخرافة مكتظا بالزبائن المحاصرين بظروف اجتماعية وسياسية قاهرة قادتهم إلى البحث عن حلول لمتاعبهم في فناجين القهوة المقلوبة وفي خطوط الكف وبين أوراق القرآن الكريم.
إضاءة
يمنح العزاوي العراقيين العذر لسلوكهم هذه السبل في ظل غياب التوعية الدينية والتثقيف الحقيقي وضعف الوعي، وقبل كل ذلك، تعرضهم إلى ظروف بالغة الصعوبة بفقدان أحبتهم وضياع حقوقهم وأملاكهم وتهجيرهم من منازلهم وتحملهم نتيجة لذلك إفرازات تلك الظروف من زيادة نسبة العنوسة والخلافات الزوجية وتعدد الزوجات والطلاق والبطالة وتلك الأمور مجتمعة أفضل مادة أولية يصنع منها محترفو العرافة الأوهام التي تسكّن آلام العراقيين وتمنحهم آمالا مؤقتة.
بغداد - (البيان)