بعد وساطة قامت بها جيبوتي برعاية الأمم المتحدة تمكنت الحكومة الصومالية وتحالف إعادة تحرير الصومال من التوصل الى اتفاق سلام . شارك في التوقيع على الاتفاق ممثلا عن الحكومة رئيس الوزراء الصومالي نور حسن حسين، وعن التحالف رئيس البرلمان الصومالي السابق شريف حسن شيخ.
وينص الاتفاق على ايقاف الأعمال العسكرية بين الطرفين لمدة 90يوما قابلة للتمديد مع خروج القوات الأثيوبية في غضون 120 يوما، على أن تقوم الأمم المتحدة خلال هذه المدة بنشر قوات دولية، تتألف من دول صديقة، وتستثني من ذلك الدول المجاورة. وقد صرح الرئيس الصومالي عبد الله يوسف بشأن هذه النقطة أن خروج القوات الاثيوبية مرهون بانتشار قوة سلام دولية .
وقد جاء هذا الاتفاق بعد دعوة أطلقها الرئيس الصومالي ( يوم الاثنين 5 مايو الماضي ) في لقاء له مع وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير، وهو مايشير الى وجود ضغوط غربية فاعلة، تتمثل في دور فرنسي معلن وموافقة أميركية ضمنية . لذا لم يخل اختيار جيبوتي مكانا للتفاوض من هذا المعنى، فهي تتمتع بعلاقات وطيدة مع باريس وواشنطن، كما انها ظلت بعيدة عن التورط العسكري المباشر مع أي من أطراف الصراع في الصومال.
وقد ساهمت تلك الأجواء في سرعة التقاء الفرقاء على مائدة التفاوض، بعد أسبوع واحد من الدعوة اليها، حيث دارت المباحثات وسط صعوبات جمة، منها :
* اصرار الطرفين الصوماليين على عدم التفاوض المباشر.
* اجراء المفاوضات دون أجندة واضحة بشأن الاحتلال الأثيوبي الذي يعد النقطة الخلافية الرئيسية.
* بدء المفاوضات وسط تشويش متعمد من أطراف اقليمية، وبالتحديد أريتريا واثيوبيا، فمثلا تعمد السفير الأثيوبي في جيبوتي فرض نفسه على المحادثات، وهو يعلم انه غير مرحب به، مما دفع وفد التحالف بقيادة شيخ شريف أحمد إلى الانسحاب.
كما قامت أريتريا منذ تسرب أنباء المفاوضات باستفزاز جيبوتي، وكأنها تعاقبها على استضافة المحادثات، اذ سارعت باحتلال منطقة (رأس الدميرة) الحدودية المتنازع عليها. ودخلت في اشتباكات عسكرية معها، أسفرت عن عشرات القتلى والجرحى من الطرفين. ويدل ذلك على أن مايجري يتم من دون رغبة أديس أبابا وأسمرة.
وتطرح تلك المصالحة التي جرت على طريقة ال(تيك إواي) عدة تساؤلات حول دوافع الإقدام على هذه الخطوة وتداعيات ذلك على الصعيدين الصومالي والدولي.
أولا- على الصعيد الصومالي:
(1) تعرض الفرقاء الصوماليين لضغوط دولية، وتردد ان التحالف تلقى تهديدات أميركية. وهذا ما دعا رئيسه شيخ شريف أحمد الى محاولة اظهار اعتداله .
(2) تأكد الطرفين من عدم القدرة على اقصاء الآخر عسكريا وسياسيا. فالتحالف تمكن من استنزاف الحكومة والقوات الأثيوبية عسكريا وأثبت سيطرته على كثير من المناطق وأسس بها وجودا اداريا وقانونيا. وفي المقابل لم تستطع القوات الحكومية أو الأثيوبية بسط سيطرتها الأمنية والادارية على البلاد.
(3) رغبة الحكومة في استعادة بعض شرعيتها المنعدمة منذ تورطها في دعوة اثيوبيا لاحتلال البلاد.
(4) توجه الصومال نحو الفوضى الشاملة في ظل عودة أمراء الحرب و شيوع عمليات السلب والنهب و القتل والاغتصاب وانتشار المجاعة بما يهدد مستقبل الحكومة ذاتها، خاصة بعد تحول العمليات العسكرية با تجاه استهداف شخوص الحكومة، مثلما حدث مع رئيس الدولة نفسه ومن ثم صارت هناك مصلحة ذاتية لشخوص الحكومة في البحث عن صيغ للتهدئة.
ثانيا - على الصعيد الدولي:
(1) رغبة الحكومة والقوى الدولية في احداث انشقاق داخل صفوف الفصائل الصومالية المقاتلة، بعدما أثبتت قوتها الميدانية. وقد نجحت تلك المساعي إلى حد ما . ففي الوقت الذي وجهت فيه الحكومة دعوة التفاوض الى التحالف، رفضت مفاوضة (حركة شباب المجاهدين ) احد اهم الفصائل المقاتلة.
فالحكومة تتهمها بمحاولة اغتيال الرئيس الصومالي. كما تتهمها أيضا الولايات المتحدة بالارتباط بتنظيم القاعدة وأدرجتها على قوائم الارهاب. وفي ذات الوقت الذي نشطت فيه دعوة المفاوضات قامت المقاتلات الاميركية بقصف جوي على منزل القائد العسكري لحركة شباب المجاهدين، ما أسفر عن مقتله وعدد من مرافقيه. وكانت (حركة شباب المجاهدين ) جزءا من تنظيم المحاكم الاسلامية، وانشقت عليها بعد سقوط البلاد في قبضة الاحتلال الأثيوبي. أما التحالف فتشكل فيما بعد من عدة قوى وتنظيمات، وتعتبر المحاكم عماده الأساسي.
(2) استفادة الولايات المتحدة من التجربة العراقية في محاربة القاعدة بقوات الصحوة، وربما تحاول تكرار ذات السيناريو في الصومال باستقطاب التحالف أو بعض منه للقيام بذات المهمة . ولكن من المبكر الجزم بذلك، نظرا لاختلاف الظروف والشخوص، لكن هذه الهواجس غير مستبعدة.
(3) اكتشاف الأميركيين أن الاحتلال الأثيوبي قوّى من وجود الاسلاميين الصوماليين بين افراد الشعب الذي ينظر اليهم باعتبارهم حملة راية الجهاد ضد المحتل، كما أن الصومال أصبح بؤرة لاجتذاب العناصر الجهادية الخارجية.
(4) ارتكاب القوات الأثيوبية العديد من الجرائم والمجازر بحق المدنيين الصوماليين ما أحرج القوى والمؤسسات الدولية، اذ وصلت الجرائم الأثيوبية الى حد احراق المنازل و اقتحام المساجد وقتل المصلين، ما فسر شعبيا على ان ما يجري هو حرب صليبية أثيوبية أميركية غربية ضد الاسلام الذي يدين به الصوماليون .
(5) شيوع القرصنة الدولية في المحيط الهندي وخليج عدن، انطلاقا من الصومال في ظل ازدياد حالات الانفلات الامني، ما أثر على سلامة الملاحة الدولية ومصالح قوى كبرى مثلما حدث مع فرنسا التي تم اختطاف احدى سفنها . ولعل هذا ما حفز باريس للتحرك نحو المصالحة الصومالية. وقد أثارت عمليات القرصنة المخاوف من احتمال ضلوع تنظيم القاعدة فيها.
ومن هذه الدوافع يمكن تبين مستقبل هذه المصالحة، ومدى قدرتها على الصمود في وجه الازمات المتوقعة على ضوء الرفض الداخلي والإقليمي. ففي الداخل أعلن حسن طاهر عويس رئيس مجلس شورى المحاكم الإسلامية والرجل القوي فيه رفضه للاتفاق.
لأنه لم ينص صراحة على موعد محدد لانسحاب القوات الأثيوبية، بل اعتبر الاتفاق هدية صومالية إلى الولايات المتحدة، وتم بضغوط منها. ويتخذ عويس من أريتريا مقرا له. وفي نفس السياق ترددت أنباء عن حدوث تململ داخل الجناح العسكري للتحالف من جراء الاتفاق، و لكن لم يتضح بعد حجم هذا التململ أو انعكاساته.
كما أعلنت (حركة شباب المجاهدين ) رفضها للاتفاق واتهمت الموقعين عليه بأنهم فعلوا ذلك خوفا من إدراجهم على قوائم الإرهاب الأميركية، وأعلنت الاستمرار في قتال الأثيوبيين والأميركيين وتوعدتهم بالويلات. وكشفت الحركة بأنها كانت وراء محاولة اغتيال الرئيس الصومالي مؤخرا (القدس العربي 14يونيو الجاري) . في اشارة الى انها لا تخشى القوائم الاميركية للإرهاب، وان استهداف شخوص الحكم هو جزء من استراتيجيتها القتالية .
أما على المستوى الإقليمي، فمن المرجح أن القوى الدولية المؤثرة في الصومال قررت مراجعة سياساتها بشأن الأزمة، من غير اعتبار للقوى الاقليمية. وهذا يفسر مسارعة كل من أريتريا وأثيوبيا إلى محاولة إفساد المصالحة. ومن أجل تحقيق هذا الهدف تحركت الدولتان.
وبالنسبة لأريتريا تحركت في اتجاهين:
الأول : تشجيع القوى الصومالية الرافضة للاتفاق، ومن ذلك ما صدر عن حسن طاهر عويس الذي يحظى بدعم أريتريا السياسي والعسكري في قتاله ضد القوات الأثيوبية، هو أيضا مناهض عنيد للنفوذ الأميركي منذ ان كان رئيسا لتنظيم الاتحاد الاسلامي الذي اندمج فيما بعد مع المحاكم . ويمثل عويس جناحا قويا داخل التحالف والمحاكم. و تعتبره واشنطن من أشد المقربين إلى القاعدة - رغم نفيه ذلك - وتراه سببا في فشل كل محاولات التقارب بينها وبين المحاكم.
الثاني : افتعال أزمة الحدود مع جيبوتي، لإشعال بؤرة صراع جديدة تفشل بها المصالحة وتشغل بها القوى والمؤسسات الدولية. مما استدعى من مجلس الامن دعوة الدولتين، وخاصة اريتريا الى ضبط النفس، كما نددت الجامعة العربية بالاعتداء الأرتيري، وسط خشية من تطور هذه الأزمة لما هو أسوأ.
أما بالنسبة لأثيوبيا، فلم تصدر ما ينم عن ارتياحها للاتفاق، بل يتردد أنها مارست ضغوطات على الحكومة الصومالية لعدم تقديم أية وعود ملزمة لانسحاب قواتها وتعليق الامر على شرط استقدام قوات أممية . وهذا مطلب مطروح في مجلس الأمن منذ ما قبل المصالحة ولم يجد بعد الحماس الدولي الكافي ومن ثم لا يعرف مدى إمكانية الاستجابة له بعد المصالحة الأخيرة .
وأمام تلك التعقيدات الداخلية والإقليمية ليس هناك من ضمانات حقيقية لنجاح الاتفاق، فالصومال ساحة مفتوحة أمام الجميع لتصفية الحسابات الإقليمية. وبحسب تقرير صادر عن الأمم المتحدة قبل أكثر من عام يتبين أن هناك إحدى عشرة دولة تدعم الفرقاء الصوماليين عسكريا وماليا. ومن ثم فإن نجاح الاتفاق أيضا مرهون برضى هذه الدول. وهو مايعني أن هذه المصالحة تتحرك على حافة الحرب.
ولذا فمن المرجح أن يؤول الاتفاق إلى الفشل بنفس السرعة التي أنجز بها، خاصة في ظل عدم حسم مشكلة الانسحاب الاثيوبي. لكن شيخ شريف أحمد صرح أنه حصل على ضمانات كافية من الأمم المتحدة ومجلس الأمن بانسحاب القوات الاثيوبية في أربعة أشهر حسب نصوص الاتفاقية، ودعا الشعب الصومالي إلى دعمها، مطالبا الأطراف التي #لم تشارك بالمؤتمر بالصبر وعدم التسرع .
واعترف ضمنيا بوجود ضغوط دولية، موضحا انه سعى الى تجنيب المقاومة الصومالية تهمة الإرهاب العالمي. وتعهد شيخ شريف بمواصلة القتال ضد القوات الاثيوبية إذا لم تخرج #في المدة المتفق عليها - (الجزيرة نت-السبت 14 يونيو ). وذلك في محاولة للحفاظ على رفقاء السلاح الرافضين للاتفاق.
وهكذا فإن المستقبل الصومالي مفتوح على احتمالات متعددة، فليس من المستبعد أن يكون ما جرى مجرد اختبار نوايا، وان الصومال مقبل فعلا على بعض التهدئة - على الأقل - من جانب التحالف، ولكن هذا لايمنع ايضا من التوجه - بدرجة أكبر - نحو مزيد من الفوضى والاقتتال. وأن كل ما جرى كان مجرد مناورة من الطرفين المتصالحين لتفادي الضغوط الدولية، وهذا هو التصور الأقرب الى الواقع.
إضاءة
ظهرت حركة شباب المجاهدين في نهايات العام الماضي، كواحدة من أقوى التنظيمات الصومالية المسلحة ذات الوجود العسكري، كانت الحركة جزءاً من اتحاد المحاكم الإسلامية ثم انشقت عنه، وعندما تشكل تحالف إعادة تحرير الصومال بزعامة شيخ شريف أحمد اعتبرت الحركة أن التحالف انحرف عن صحيح الدين، لضمه عناصر اعتبرتها علمانية. ويتزعم الحركة أبو زبير مختار الذي تولى القيادة، بعد اعتقال قائدها السابق ونقله إلى غوانتانامو.
ومنذ الانشقاق عن المحاكم خاضت الحركة معارك شرسة ضد قوات الاحتلال الأثيوبي و الحكومة الانتقالية، واستطاعت السيطرة على كثير من المناطق. وطرحت نفسها نداً قوياً للتحالف في الساحة الصومالية. وتستهدف معظم الغارات الجوية الأميركية على الصومال المواقع العسكرية والقيادية لشباب المجاهدين.
أحمد الكناني