لا تفارق الابتسامة ثغره أبداً، لتكشف لنا عن بساطته وتواضعه، أحب الناس واقترب منهم فبادلوه الحب والثقة، تلك هي صفات عضو المجلس الوطني »حسين الشعفار«، رئيس مجلس إدارة شركة الإمارات الدولية لاستشارات التأمين، الذي قابلناه في مكتبه المطل على أحد أكثر شوارع دبي حركة، حيث اقتربنا منه كثيرا ليحدثنا عن حياته وطفولته التي قضاها في أحضان والده والشيخ راشد بن سعيد رحمهما الله.

يبدأ حسين حكايته منذ أن وطأت أقدامه أرض فريجة في جميرا الرابعة، فيقول: »ولدت في فريج جميرا الرابعة عام 1968، ولعبت في ساحاتها الداخلية مع أبناء جيلي، صفي الأول درسته في مدرسة آل مكتوم، وحصلت فيه على المركز الأول، وأذكر حينها أن والدي اصطحبني معه إلى الشيخ راشد بن سعيد، ليطلعه على شهادتي وقد فرح بها كثيرا وأهداني دراجة بثلاث عجلات تقديراً منه لهذه النتيجة.

وكان ذلك في بيته بمنطقة »خران« في رأس الخيمة، التي كنت أذهب إليها مع والدي في نهاية كل أسبوع حيث نقضي العطلة برفقة الشيخ راشد، حينها كنا نخرج من دبي الساعة الرابعة صباحا لنصل رأس الخيمة الساعة السابعة، في الصف الثاني انتقلت إلى مدرسة أم سقيم وفيها أتممت المرحلة الابتدائية.

وأذكر أنها كانت تطل على البحر وكنا نذهب إليها مشياً على الأقدام، وكانت معروفة باحتفالات نهاية العام وإجازة الربيع وغيرها، حيث كان أهالي الفريج يجتمعون فيها عند كل احتفال، وهو ما قرب العائلات من بعضها البعض. ثم انتقلت إلى مدرسة جمال عبد الناصر لاستكمال بقية المراحل وفيها أنهيت الثانوية.

عشت في بيئة اجتماعية آمنة، كان فيها أهالي الفريج يتصرفون كعائلة واحدة الكل فيها مسؤول عن الآخر، وكل أب يعتبر أبناء الفريج أبناءه، لا يفرق بين أحد منهم، ويمتلك الصلاحية لتأديب أي مخطئ، الأمر ذاته ينطبق على اساتذتنا الذين كانوا من الشام ومصر والعراق وتونس، فقد كانوا يخافون علينا ويحبوننا كثيرا.

وكثيرة هي الألعاب التي كنا نتقنها جميعا، أبرزها كانت كرة القدم والطائرة، والعنبر التي تشبه الكريكيت حالياً، والكوك (الاستغماية)، وأذكر أننا كنا نخاف من رجل يسمى »الماس« وكان قويا وعريض المنكبين، فقد كان والد ومربي الجميع، وما زال فضله على أبناء الفريج حتى اللحظة.

في تلك الأعوام كانت بيوت دبي لا تزال بسيطة، وكان بعضها مصنوعا من سعف النخيل »العرش« ولم يكن فيها كهرباء، ولم تكن المناطق قريبة من بعضها البعض كما هو الحال الآن، بل تفصلها الصحراء، وكانت السيارات قليلة جدا وأذكر انها كانت تمر على شارع الجميرا كل 30 دقيقة تقريبا. وعموما كانت المنطقة هادئة جدا، لا تسمع فيها سوى هدير البحر.

بدأ والدي حياته مقاولاً بناء، حيث كان يقوم ببناء الملاحق والغرف وغيرها، بعد ذلك تشارك مع خليفة النابودة في تجارة السيارات، حيث كانوا يشترون السيارات من الجيش الألماني والبريطاني ويعيدون بيعها في دبي، وكان والدي صديقا ومرافقا للشيخ راشد بن سعيد وكثيرا ما سافرا معا.

وهو من الجيل الذي ساهم في بناء دبي، فقد شهد بناء نفق الشندغة وميناء جبل علي وميناء راشد وتطور شارع الضيافة وهو من وضع حجر الأساس لاحد مساجد السطوة في ذلك الوقت، وبالتأكيد مكانة والدي في المجتمع وقربه من الشيخ راشد ضاعفت من مسؤوليتنا أمام الجميع، وألزمتنا بالسير على خطاه.

رفقتي لوالدي أثناء زياراته المتكررة للشيخ راشد علمتني الكثير، وتمكنت خلالها من الاحتكاك بالجيل القديم والتعلم منهم، ولم أكن غريبا عن مجلسهم وطالما استمعت لهم عندما كانوا يتداولون في امور المجتمع ويناقشون قضاياه فقد كانوا بمثابة فريق واحد، واذكر عندما كان الشيخ راشد يجلس على الارض لا يبقى احد واقفا حتى الحراس، وكان رحمه الله مستمعا جيدا ومتواضعا إلى ابعد الحدود وكان مجلسه مفتوحا امام الجميع، وهذه هي صفة القائد.

بعد تخرجي من الثانوية التحقت بجامعة العين ودرست فيها لفصل واحد فقط، ومن ثم قررت في العام 1997 السفر إلى بريطانيا لدراسة العلوم الإدارية والسياسية في جامعة »ساوث ايسترن«، وكانت هذه فرصة جيدة للتعلم ومجالا لتعزيز الثقة بالنفس والاعتماد على الذات وتوسيع المدارك المعرفية، وطرق التعامل مع حضارة وثقافة الآخرين.

وأيقنت وأنا الذي زرت عديدا من الدول في أوروبا وشرق آسيا وكوريا وسنغافورة وماليزيا وتايلاند وأميركا والهند وباكستان وغيرها، انه يجب على الإنسان ان يكون محترما أينما حل، ليكسب ثقة الجميع من حوله، والأمر الوحيد الذي لم يعجبني في بريطانيا هو عدم وجود ترابط اسري مثلنا، وهذا يعني اننا نمتلك ثروة كبيرة في هذا الأمر.

بعد التخرج، عدت مرة أخرى إلى دبي لأبدأ حياتي العملية مع والدي واخوتي في التجارة، وبعد فترة وجيزة شعرت بأنه يجب علي التركيز في مجال واحد فقط، وبعد تفكير اهتديت إلى قطاع التأمين الذي يعد شريانا مهما في الاقتصاد، واكتشفت انه شبه خال من المواطنين وعلى إثر ذلك قررت العمل فيه وبالفعل توظفت في شركة الخزنة للتأمين وتدربت فيها، حتى وصلت إلى منصب مساعد مدير دبي والإمارات الشمالية وشغلته لمدة ثلاث سنوات تقريبا، وتمكنت خلال هذه السنوات من اكتشاف هذا العالم وما فيه من خبايا.

بعد ذلك عدت إلى المجموعة (الشعفار) مرة أخرى وأسست شركة الإمارات الدولية لاستشارات التأمين، وحاليا تعتبر ثالث أكبر شركة في هذا القطاع على مستوى الإمارات، وكوني واحدا من المواطنين القلائل في هذا القطاع، قام الفريق ضاحي خلفان، المدير العام لشرطة دبي، بترشيحي لعضوية مجلس الشرطة الاستشاري الذي أسس منذ خمس سنوات تقريبا، وهو يجمع قائد الشرطة مع أشخاص عاديين في المجتمع، لمناقشة أوضاع الإمارة وما يجب ان يتوفر فيها وغيرها من الأمور.

وقبل عام ونصف تقريبا، صدر مرسوم يقضي بتعييني عضوا في لجنة إيجارات دبي، التي تنظر في جميع القضايا ما بين المؤجرين والمستأجرين في دبي وتحاول حل الإشكاليات بينهم، وكانت هذه اللجنة قد تأسست قبل نحو 25 عاما، وسبق لوالدي ان تولي منصب رئاستها في إحدى الفترات، وحاليا تضم 18 عضوا.

دخولي للمجلس الوطني لم يكن عبثا وطالما تمنيته، ورغم معارضة البعض لهذه الخطوة إلا أنني كنت مصرا على هذه الخطوة، فقد كنت أريد أن أكون حلقة وصل بين المجتمع والحكومة، وان أوصل صوت أولئك الذين لا صوت لهم، وعلى هذا بنيت برنامجي الانتخابي الذي تحدثت فيه عن المناطق النائية وما تحتاجه من خدمات صحية وتعليمية وبنية تحتية.

بالإضافة إلى التركيبة السكانية والعمل على دمج ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع. ورغم انني لم أعط وعودا لأحد إلا أنني تمكنت من الحصول على ثقة الناس، وهذا بلا شك نتيجة السمعة الطيبة والمعاملة ومعاشرة الآخرين في أفراحهم وأحزانهم، التي عودنا عليها والدنا.

وبعد نجاحي ودخولي المجلس استخلصت الكثير من العبر، وأهمها ان كل فرد في المجتمع يحتاج للآخر، فإذا لم يكن محبوبا وقريبا منهم ومحل ثقتهم، سيتخلون عنه عندما يحتاجهم، لأن الناس لا ينسون شيئا أبداً، خاصة واننا نعيش في مجتمع بسيط الكل فيه يعرف الآخر.

وبعيدا عن ذكريات حسين واقترابا من رأي أصدقائه الذين أشادوا به كثيرا، فمن جهته قال صديقه الدكتور جمال المري، نائب القائد العام لشرطة دبي: »اعرف حسين الشعفار منذ أيام الدراسة، وتربطني معه علاقة صداقة قديمه.

وبالنسبة لي هو الأخ الذي لم تلده أمي، ومهما قلت فيه ستبقى شهادتي مجروحة، وعموما فهو صاحب شخصية منفتحة ومرحة، يحرص دائما على ان يكون في الوضع الايجابي بالنسبة للآخرين، وهو من الشخصيات المرغوبة والمحبوبة اجتماعيا، إلى جانب انه شخص عملي ومنتج«.

أما صديقه محمد الحسيني، مدير مكتب سمو الشيخ مكتوم بن محمد بن راشد سابقا، فقال: »لا يحتاج حسين إلى شهادة أحد، فهو رجل ملتزم بكل شيء سواء بالمواعيد أو الوعود ويحرص دائما على ان يكون متواجدا في كل مناسبة سواء رسمية أو غير ذلك، فهو إنسان اجتماعي إلى ابعد الحدود، لا يرد طلب احد، وهو إنسان مؤدب يفيض منه التواضع والهدوء، يتقبل النقد من الجميع ولا يقف موقف المدافع، ولا يمكن استفزازه بسهولة، وبتقديري انه يستحق عضوية المجلس الوطني لما يتمتع به من كفاءة«.

إضاءة

يتشكل المجلس الوطني الاتحادي، من أربعين عضوا من مختلف إمارات الدولة، ومدة العضوية فيه سنتان ميلاديتان تبدأ من أول اجتماع له، وهو إحدى السلطات الاتحادية الخمس المنصوص عليها في الدستور، وعقد أول اجتماع له في 13 فبراير 1972م، في حين صدرت اول لائحة داخلية له في 1972، وعدلت في 1977.

وانضم إلى الاتحاد البرلماني العربي في العام 1975م، وبعدها بعامين انضم إلى الاتحاد البرلماني الدولي، ومر المجلس خلال الفترة الممتدة بين 12/ 2/ 1972 و17/ 2/ 2005 بـ 13 فصلا تشريعيا، ضمت 33 دورة عادية و4 غير عادية، عقد خلالها المجلس 411 جلسة وناقش فيها 441 مشروع قانون.

غسان خروب