قبل أربعة عقود، وقف المناضل الأميركي الأسود مارتن لوثر كينغ راعي الحقوق المدنية في الستينات، يطلق خطبته التاريخية التي دوت في أنحاء أميركا والعالم. قال فيها» لديّ حلم أنه في يوم من الأيام ستنهض هذه الأمّة لتعيش معنى عقيدتها الحقيقي: أنّ كل الرجال خُلِقُوا متساوين.. لديّ حلم أنه في يوم من الأيام سيكون أبناء العبيد وأبناء ملاك العبيد السابقين قادرين على الجلوس معا على مائدة إخاء.. لديّ حلم أنّ أطفالي سوف يعيشون في يوم من الأيام في دولة لن تعاملهم بلون جلدهم لكنّ بمحتويات شخصيّتهم«.
حلم لوثر كينغ ذلك الرجل الذي ناضل بشرف من اجل حقوق السود، صار حقيقة بعد أربعين عاما من رحيله. بل وتجاوز حلمه الخطوط التي ظن البيض أنها حمراء لا يجوز للسود تجاوزها. ألا وهي الحلم في أن يأتي يوم يتقدم فيه رجل أسود للترشح لرئاسة أميركا. فها هو باراك أوباما، أول أسود ينال ثقة جماهير الحزب الديمقراطي الأميركي، ويتفوق على منافسته »البيضاء« هيلاري كلينتون ويصبح مرشحا لمنافسة الجمهوري جون ماكين سليل المحافظين الذي ينظر اليه عقلاء أميركا المتشدقون إلى التغيير على أنه يخوض الانتخابات لفترة رئاسية ثالثة نيابة عن جورج بوش.
باراك.. خاض معركة ضارية استمرت 150 يوما. وبات عليه أن يتجاوز ما تبقى من خطوط تفصل الحلم عن الواقع ويصبح أول رئيس أسود في تاريخ الولايات المتحدة. ولا يمكن أن نغفل عن أن صفوة الحزب الديمقراطي، أي كبار المندوبين الذين لم تكن مواقفهم واضحة وظنت هيلاري أنهم في صفها، هم الذين فضلوا أوباما عليها دون أن يخشوا غضبها وبالتالي قضوا على حلمها في أن تكون أول امرأة تنال ترشيح الحزب لمعركة الرئاسة.
وبعيدا عن اللون.. فان سر تفوق أوباما (47 عاما) على هيلاري (60 عاما)، مرجعه في المقام الأول، أنه يتمتع بجاذبية وبحضور قوي دفع كثيرين إلى تشبيهه بالرئيس الراحل جون كينيدي، خاصة أن صيحته الانتخابية هي »التغيير« في الثقافة السياسية و»توحيد البلاد«. أوباما هو بالفعل يقف الآن على بوابة التاريخ. ولكي يعبر البوابة يتعين عليه ـ كما تنصحه صحيفة الجارديان البريطانية ـ أن يقوم بخمس خطوات، هي:
- إعادة تعريف نفسه وما الذي يريد أن يفعله.
- تحديد من هو منافسه جون ماكين.
- التصالح مع عائلة كلينتون وأنصارهم الذين سيحتاجهم.
- توحيد الحزب الديمقراطي خلف قيادته والتركيز على كسب ود الأعضاء من الطبقة العاملة والمسنين على وجه الخصوص .
- الثبات بقوة والصمود في وجه ما سيلاقيه ويسمعه.
ولكن.. يبقى عند البعض حجر عثرة في طريق أوباما لعبور بوابة التاريخ. ألا وهو مسألة «العرق» أو اللون، التي تعد عاملا مؤثرا في الانتخابات كما اتضح ذلك في انتخابات سابقة. فهناك ما تسمى بظاهرة »برادلي« التي سلطت عليها الأضواء بعد هزيمة رئيس بلدية لوس انجليس السابق توم برادلي ـ ذي الأصول الأفريقية ـ في انتخابات 1982 على منصب حاكم كاليفورنيا. كان متقدما في استطلاعلات الرأي، وقالت الغالبية انهم لا يجدون مشكلة في ان يكون
الحاكم من السود، ولكن عند فرز الأصوات، تبين أنهم كذابون. فهل تتكرر ظاهرة »برادلي« مرة أخرى؟ لقد مر على الظاهرة أكثر من ربع القرن، تغيرت خلالها مفاهيم ومواقف في المجتمع الأميركي الذي بات في معظمه يرفض العنصرية، ويرفض أفكار المحافظين الذين أتوا ببوش وجلبوا على أميركا العار بما فعلوه في العراق وأفغانستان وغوانتانامو.
إضاءة
أوباما.. ابن لأب كيني وأم بيضاء من كنساس. درس القانون في جامعة هارفارد. ثم عاد إلى شيكاغو للعمل محاميا في مكتب التقى فيه المحامية ميشال التي أصبحت زوجته و»صخرة« حياته كما يلقبها. وقد رزقا بابنتين ماليا (تسع سنوات) وساشا (سبع سنوات). وفشل اوباما في شغل مقعد في مجلس النواب في 2000 لكنه انتخب عضوا في مجلس الشيوخ في عام 2004 وأصبح السناتور الاسود الوحيد في الكونغرس. يؤكد خصوصا على ارث بطلين هما مارتن لوثر كينغ والرئيس الراحل جون كينيدي.
حسن صابر