استكمالاً لما بدأناه الأسبوع الماضي حول قراءة رجاء النقاش لرواية نجيب محفوظ »أولاد حارتنا« وإشارتنا إلى اختلافنا معه بشأن توصيف الرواية، نضيف أنه على المستوى الثاني الخاص بتلقي الرواية من قبل القارئ فإنها ـ في رأينا ـ ينبغي أن تقرأ على مستوى يتجاوز بكثير المعنى المباشر لسطورها وكلماتها، وهو ما نتفق فيه مع ما ذهب إليه النقاش.
غير أن ذلك لا ينفي إمكانية تعدد القراءات ونوعيات التلقي لها على النحو الذي قد يذهب فيه الكثيرون مذاهب شتى، ولا حرج في ذلك، فالبعض قد يتلقاها على أنها تمثل نيلاً من الدين، فيما سيرى فيها آخرون رؤية تتجاوز هذا المستوى من التفكير، وهذا أمر طبيعي، ولنا المثل فيما أشار إليه النقاش نفسه بشأن موقف الأديب العالمي تولستوي من شكسبير وقراءة أعماله الأدبية قراءة دينية وصلت إلى حد لعنه. فإذا كانت هذه قراءة لتولستوي وهو من هو في مجال الأدب، فكيف بالقارئ العادي الذي يقرأ الرواية على سبيل المتعة.
نصل هنا إلى المستوى الثالث وهو مقصد المؤلف، وهو يدخل في إطار المسكوت عنه في إطار حديث محفوظ نفسه وكذا النقاش، وإذا كان هذا طبيعياً من محفوظ إزاء مثوله أمام محقق قضائي، فإنه قد يبدو غريباً من النقاش. ورغم أن الفكرة الرئيسية التي تعبر عما يود المؤلف قوله كانت غريبة وجديدة على فكرنا وأدبنا العربي، إلا أنها تعد إلى حد ما صدى للفكر الغربي.
وقد قدمت في القرن الماضي، على يد الفيلسوف الألماني نيتشه من خلال مقولته بشأن »موت الإله« والتي يراها البعض مثلت انعطافاً كاملاً وجديداً في الثقافة الغربية وأنها مثلت تدميراً للثقافة القديمة. وهو نفس المنحى الذي تركه موت الجبلاوي على يد عرفة في حياة الحارة. وعبر عنها فيما بعد مفكرون عرب منهم هشام جعيط حين راح يؤكد أن الأديان لا تتماشي مع التقدم العلمي.
ما يعزز هذا التفسير إشارة النقاش إلى ظروف تأليف »أولاد حارتنا« على لسان محفوظ، فقد كان يعيش حالة أشبه ما تكون بـ »حالة ضياع« لدرجة تصور معها ـ محفوظ نفسه ـ أن الأديب في شخصه »مات«. ووسط هذه الحالة راح يتأمل في الدين والتصوف والفلسفة، وهو دارس لها، وانعكست هذه الأجواء على نحو ملحوظ في الفصل الأخير الخاص بـ »عرفة«.. حالة من فقدان التوازن ما بين عالمين عالم الإيمان وعالم غير الإيمان، ليس شرطاً أن يكون تعبيراً عن تفكير المؤلف الإيماني.
فمن الخطأ حسب الدكتور أحمد كمال أبو المجد في معرض شهادته أن نقرأ الرواية على أنها كتاب، إننا نعيش لحظة قلقة في الفصل الأخير على النحو الذي من الصعب الحسم فيه بشيء، وهو ما يعكس موهبة محفوظ كما ذكرنا سابقاً. وإن كان المؤلف في معرض تفسيره أشار إلى أنه إنما أراد أن يؤكد على التبشير بضرورة التحام العلم بالدين، فإذا كان الدين أنقذ البشرية من المظالم، فإن العلم قادر على أن يرتقي بها بشرط ألا يحيد عن مبادئ الدين. وهي رؤية بغض النظر عن الاختلاف حول تفسير مقصد صاحبها، إلا أنه اختلاف ينبغي ألا يتجاوز حدود الفكر.
ما نخلص إليه في النهاية أن الرواية حتى وإن أسئ تفسيرها وهو أمر يبقى محل أخذ وعطاء ، لم يساء توصيفها من قبل من أكدوا أن شخصياتها مستمدة من قصص الأنبياء، وأنه على هذه الخلفية ينبغي بذل الجهد لجهة توسيع نطاق التسامح وأفق النظرة الدينية لدينا كمسلمين، وليس على خلفية الإنكار التام، فذلك مما قد يورد الشكوك لدى الأشخاص العاديين.
يبقى الإشارة إلى أن النقاش ربما انطلق في موقفه المدافع عن الرواية على طول الخط من خوف على محفوظ، فكان التصور أن الإقرار بطابع الرواية على حقيقة الفهم الذي ساد لها، قد يزيد من مساحة الخطر على حياته في مجتمع تنامت فيه فئة تؤمن بأن الفكر لا يحارب بالفكر وإنما بالسلاح، وهو مبرر حال صحته لا يبرر تقديم شهادة للتاريخ على هذا النحو بشأن رواية هزت حياتنا الثقافية.