كثير من المعلومات التي تتردد عبر الإعلام لا تنشر أو تبث من أجل عيون الحقيقة، بل لتوجيه الرأي العام أو تغيير قناعاته وفق مصالح صانع القرار، أو وفق مصالح القوي المسيطرة، فمثلا قد يتحالف الإعلام أو بعض منه لتلطيخ سمعة شخص ما لا يستلطفه نظام ما، وقد يتم تلميع شخص ما وتقديمه للرأي العام كبطل، وهو- في الحقيقة - لا يستحق حرفا واحدا مما يكتب عنه.
ومثلما يحدث هذا نحو الأفراد يحدث بين الدول بشكل أعنف . فالقوى الكبرى تحرص على ابتزاز خصومها الدوليين، من خلال أدواتها الإعلامية الفتاكة، وتشيطنهم وفق مصالحها. ولعل ما جرى مع العراق بشأن أسلحة الدمار الشامل، وما يجري الآن ضد سوريا وإيران خير دليل.
الآن تقوم الولايات المتحدة بعملية شيطنة ممنهجة ومنظمة ضد سوريا. وهذا أمر مفهوم من وجهة المصالح الأميركية، لكن غير المفهوم هو وجود حالة انسياق عربي وراء هذه الأكاذيب، وكأن بعض الدول العربية تتناسى أن سوريا مثل إيران مجرد حلقة ضمن حلقات أوسع، في استراتيجية أميركية تستهدف المنطقة بأكملها، فمثلا كانت بعض الدول العربية على علم مسبق بالضربة العسكرية الإسرائيلية ضد سوريا في سبتمبر الماضي، ولم تتحرك لتحذيرها. وعندما تمت الضربة كانت ردود الفعل العربية باهتة.
واليوم لاتزال بعض الدول العربية معتصمة بالسلبية، فلم تتضامن بجدية مع سوريا في الاتهام الموجه إليها أميركيا بشأن المفاعل النووي المزعوم. ولم تتحرك لمساندتها عمليا عندما قررت الوكالة الدولية للطاقة النووية إرسال لجنة تحقيق، فمثلا كان من الممكن أن تصر على المشاركة في صياغة مهمة اللجنة المكلفة ببحث الملف المزعوم، وأن تصر على المشاركة في اختيار أسماء وجنسيات الخبراء المكلفين ببحث هذا الملف، بل كان عليها أن تصر على مشاركة خبراء عرب، حرصا على نزاهة عمل اللجنة، وعدم تسييس مهمتها.
ليس فقط من أجل حماية سوريا، وإنما من أجل حماية المشروعات النووية العربية المزمع إنشاؤها، فكما هو معلن فإن معظم الدول العربية مقبلة على إقامة مشروعات نووية سلمية. ومن الممكن أن تتعرض مستقبلا لما تتعرض له سوريا اليوم. فالمواقع والمصالح الدولية تتبدل وتتغير.
وإذا نجحت الولايات المتحدة في تلبيس سوريا تهمة المفاعل المزعوم، مثلما نجحت في إيهام العالم بشأن أسلحة العراق قبل الغزو، فإن سوريا لن تصبح وحدها في خطر، بل كافة المشروعات النووية العربية. وقد يكتب لهذه المشروعات ألا ترى النور مهما كانت سلميتها .
فالخط الثابت للسياسة الأميركية وللغرب عموما هو حرمان العرب من أي تقدم علمي على الصعيد النووي، في مقابل ضمان التفوق النوعي الإسرائيلي، رغم أن المشروع النووي الإسرائيلي يتسم بطابع عسكري، وتديره رؤى عنصرية مدمرة ضد العرب.
وإذا كانت المحاولات العربية السابقة لإخضاع المشروع الإسرائيلي للرقابة الدولية راحت هباء، فلا مانع من إعادة الكرة والقيام بحملة مضادة تستهدف النووي الإسرائيلي، على ضوء ما كشفه مؤخراً الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر بشأن امتلاك إسرائيل لمائة وخمسين قنبلة نووية . وهذا التحرك مهم في هذه المرحلة لمساندة سوريا بهدف إفساد اللعبة الأميركية ضدها، وحتى لا تستخدم الكذبة النووية لإضعاف موقفها في المفاوضات الجارية مع إسرائيل.
لأن ذلك يعني وضع سوريا بين ابتزازين: أحدهما لجنة التحقيق الدولية في مقتل رفيق الحريري، والثانية لجنة التحقيق ( النووية). يجب أن تكون الأوراق العربية في جيب سوريا ـ مهما كانت الخلافات البينية ـ وليس في جيب أميركا، لأنه إن استمر الأمر هكذا فسوف تنتقل الأوراق العربية إلى جيب إسرائيل بالتبعية.
ولذا فإن المعتدلين العرب مطالبون الآن بإعادة النظر في بعض التحالفات مع أميركا ، لأن بعض التحالفات شكلت في وقت ما ضد محور الممانعة ومنه سوريا. واستمرار هذه التحالفات يعني أن البعض قرر فعلا بيع سوريا مثلما بيعت العراق. وبعد أن تم البيع يجلس هؤلاء الآن ليبكوا عروبة العراق المهدورة، ويشغلون شعوبهم بمعارك دون كيشوتية، يلونون فيها السياسة والاقتصاد والإعلام، وأحياناً الدين بلون المصالح الأميركية والإسرائيلية.