وسط التطورات المتلاحقة على صعيد النظام الدولي يتشكك الكثيرون بشأن مستقبل الأوضاع في العديد من الدول التي تتجه بعض وحداتها أو أجزائها إلى الانفصال وهو ما يهدد باتساع مساحة عدم الاستقرار ويطرح مستقبل الدولة القومية على المحك.
وفي ذلك أشارت تقارير دولية إلى توقعات بأن تبرز إلى الوجود خلال القرن الحالي العديد من الدول التي قد يصل تعدادها إلى 60 دولة. في هذا الموضوع نقدم إطلالة نرصد من خلالها بعض الحالات التي تشكل تطورا على هذا الصعيد ويمكن أن تؤشر لما قد يقع خلال الفترة المقبلة.
ففي عام 1983 أعلن قيام جمهورية مستقلة في الشطر الشمالي التركي من جزيرة قبرص. وفي سنة 2004 خلال انتساب قبرص إلى الاتحاد الأوروبي أجري في شطري الجزيرة استفتاء حول مسألة توحيد البلاد على أساس الفيدرالية فرفض الجزء اليوناني من قبرص، بأكثرية الأصوات مشروع الدولة القبرصية الواحدة. فيما اعترفت تركيا بجمهورية قبرص الشمالية التركية وصارت الأخيرة تمارس التجارة المشروعة مع الدول الأجنبية من خلال أنقرة.
وقد انعكس هذا التطور في أن أصبح موقف تركيا من شمال قبرص، يعتبر من أسباب عوائق انتسابها إلى الاتحاد الأوروبي. وعلى نحو مشابه كانت تطورات الموقف في كوسوفو، والتي خضعت لإدارة الأمم المتحدة وما اعتبر احتلالا دوليا.
وفي عام 1999 انتزعت كوسوفو في الواقع من يوغوسلافيا بدخول القوات الدولية وفرض إدارة خارجية عليها ولا يستبعد أن تحل مسألة الاعتراف الدولي بكوسوفو كدولة ذات سيادة في القريب العاجل. ومن قبرص وكوسوفو إلى كردستان العراق، حيث منطقة الحكم الذاتي هناك، فقد ظلت قائمة كدولة مستقلة في الواقع، في شمال العراق من 1991 إلى عام 2003.
وبعد الإطاحة بنظام صدام حسين، أعيدت كردستان الحرة إلى العراق على أساس الحكم الذاتي. وفي سريلانكا توجد دولة التاميل الأم التي أعلنت استقلالها دون أن يعترف بها أحد، وهي في حالة حرب متجددة بين الحين والآخر مع الحكومة المركزية في سريلانكا.
وفي مالدوفيا هناك جمهورية »بريدنيستروفيه« التي تكاد تكون دولة مستقلة لها نظامها السياسي والاجتماعي المتميز إلا أن المجتمع الدولي، لم يعترف بها قانونيا حتى الآن. كذلك هناك جمهورية كاراباخ الجبلية: دولة في حدود دولة أخرى، هي أذربيجان وقد أعلنت استقلالها 1991 وتكاد تكون دولة ذات سيادة، إلا أنها لم تحظى بالاعتراف قانونيا من أية دولة أخرى.
وفي إطار الكومنولث الروسي هناك جمهورية أبخازيا التي أعلنت استقلالها سنة 1992. وفي نفس العام، نشأت جمهورية أوسيتيا الجنوبية، وكلتاهما في حدود جورجيا المعترف بها لكنهما تسعيان من 15 عاماً إلى الاعتراف الرسمي بسيادتهما دون جدوى. هذه الدول أعلنت عن وجودها كدولة مستقلة من جانب واحد، وهي لا تتمتع بالاعتراف بها من قبل الدول الأخرى.
وإن كانت هناك حالات أخرى جرى الاعتراف بها وتتمثل في الكوريتين الشمالية والجنوبية واللتين اعترف بهما، وكذلك الألمانيتان الشرقية والغربية رغم أنه لوقت طويل لم يكن معترفا بألمانيا الشرقية. إن أي دولة غير معترف بها تسعى للحصول على هذا الاعتراف، حيث يوفر لها هذا الأمر مكانة قانونية وإمكانية التواصل مع المجتمع الدولي، على النحو الذي يعزز مصالحها الاقتصادية بشكل خاص، في ضوء وجود تصنيفات استثمارية معينة معترف بها، أي ما هي البلدان التي يمكن الاستثمار فيها، أو عدم الاستثمار.
ومن الطبيعي أن الدول غير المعترف بها تحتل المراكز الأخيرة في هذه التصنيفات، وأي مستثمر دولي سيفكر كثيراً وطويلاً قبل أن يتخذ قراره بالاستثمار في مثل هذه الدول، لذلك فأكثرية الدول غير المعترف بها ليس فقط لا تنتمي إلى مجموعة الدول الأغنى في العالم، بل إنها تعتبر من الدول الأكثر فقرا.
دبي ـ (البيان)