ليس هناك بين العراقيين من لا يدرك أن الاتفاقية المقترحة مع الولايات المتحدة »مذلّة ومهينة«، وفي نفس الوقت يكاد يكون هناك شعور عام، بأن هذه الاتفاقية ستمرر، وأن ذلك لن يستغرق وقتا طويلا، وان معظم السياسيين الذين يطرحون اعتراضات عليها، إنما يفعلون ذلك »للمزايدات« السياسية لا أكثر، لعلمهم، وعلم الجميع، أن العراق بلد محتل، وان الطرف العراقي المفاوض »منقوص السيادة«.. ومرتبط استراتيجياً مع قوة الاحتلال، ما يعني أن المفاوضات تجري »من طرف واحد«، وان الهدف منها الخروج بصيغة لا تثير الكثير من السخط واللغط، حول الادعاء بالسيادة العراقية.

يقول احد مستشاري رئيس الوزراء نوري المالكي، أن الولايات المتحدة تتعمد عرقلة تسليح الجيش العراقي بشكل جيد، لكي تبقى لها اليد الطولى في الملف الأمني العراقي، ويبقى العراق بحاجة مستمرة إلى الوجود العسكري الأميركي، وهذا قول صحيح، إلا انه كلام شخص لا علاقة له بالأمور العسكرية، وربما بالسياسية، لأن بناء الجيش ليس بالآليات والأسلحة والعتاد التي يمتلكها، وإنما بـ »الهدف« أولا، ومن ثم بالبناء الاستراتيجي، الذي لا يأتي دفعة واحدة، ومن خلال مجندين لا يمتلكون الخبرة ولا ما يطلق عليه »الولاء للوطن«، وليس للميليشيا أو الحزب السياسي أو الانتماء الطائفي.

الاحتفاظ بكل الأوراق

وحسب العميد المتقاعد صالح الحسني، فإن الحديث في هذا الموضوع يدفعنا إلى القول ان قوة الاحتلال بيدها كل الأوراق، لأن الأسلحة المتطورة تحتاج إلى عقليات متطورة، وكثيرة، وهذه نادرة في »الجيش الجديد«، إضافة إلى ما هو معروف من أن أسلحة الجيش كثيرا ما تتسرب إلى الميليشيات، أو تستولي عليها جماعات مسلحة أخرى، ولعل ابسط مثال على ذلك إعلان الحكومة أنها قامت في الفترة الأخيرة فقط بتسريح أو اعتقال 7500 من ضباط ومنتسبي الجيش والشرطة، بسبب تقاعسهم أو تورطهم مع الميليشيات.

ويضيف الحسني: يجب عدم الاستهانة بهذه المعلومة، لأن مثل هذا العدد من »المفسدين« لو وجد في أية قوات أمنية في العالم، بما فيها القوات الأميركية، لاعتبرت تلك القوات في حكم المنتهية، ناهيك عن أن هذا العدد هو جزء يسير من أمثالهم الذين مازالوا في الأجهزة الأمنية وقياداتها، وهنا لابد من التأكيد على أن إدارة الاحتلال تعلم مسبقا بكل ذلك، وهي التي ارادته وشجعت عليه بعض الذين تصوروا أنهم »يستغفلون« الاحتلال، لتقول لهم عند أي حديث يتعلق بنوع من الاستقلالية »هذا هو زرعكم!«.

ويتابع العسكري المتقاعد: أما عن الرقابة الأميركية على التسليح، فلا احد يجرؤ الآن على التحدث عنها، بعد فضيحة صفقة الأسلحة مع صربيا، والغريب فيها أن بعض الساسة العراقيين الذين يتباكون من اجل إخراج العراق من عقوبات الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة، يعلمون جيدا أن بإمكان الولايات المتحدة، المسيطرة على مجلس الأمن.

فعل ذلك بسهولة، إن هي أرادت، ومع ذلك حاول مسؤولون عراقيون »التحايل« على هذا الفصل، بعقد الصفقة الصربية، بقيمة 830 مليون دولار، بينما لا يزيد سعرها ـ حسب التقديرات الأميركية ـ على 300 مليون دولار، وقد تكون الإدارة الأميركية هي التي دفعت باتجاه عقد هذه الصفقة، كورقة رسمية بيدها تثبت فساد وعدم أهلية القوات العراقية للاعتماد على نفسها.

عراق بلا جيش

وتحدث المحلل السياسي مظفر اسعد الطالب عن »الهدف« من بناء قوات عسكرية قوية، كما يطالب بعض السياسيين ـ إعلامياً ـ قائلا: عندما أمرت الإدارة الأميركية بحل الجيش العراقي لم يكن ذلك اعتباطيا، لأنها خططت لأن يكون العراق »بلا جيش«، ولأنها خططت أيضا لمثل الاتفاقية المطروحة الآن، فما حاجة العراق إلى جيش ما دامت الولايات المتحدة هي التي تضمن الحدود..؟، وما حاجة العراق إلى جيش ما دام ممنوعا من خوض الحروب!؟.

أما عن صد الاعتداءات الخارجية، فليس هناك خطر من إثيوبيا أو زيمبابوي!، وبالنسبة لدول الجوار، هناك احتمالان خلافيان فقط، مع تركيا،التي هي شريكة الولايات المتحدة في حلف الناتو، ما يجعل هذا الخطر مستبعدا، ومع إيران ما يجعل الجيش بتكويناته الحالية، أو بتكوينة الحكومة الحالية، ينحاز لصالح إيران أكثر من انحيازه لصالح العراق، أي أن »الهدف« من وجهة النظر الأميركية، هو عدم وجود جيش، كما هو مخطط في السابق، والاكتفاء ببعض حرس الحدود، ولكن.. إذا كان حال الجيش هكذا.. من يدافع عن الحكومة!؟.

ويرى الطالب: أن القوات الحكومية، ومعها قوات الاحتلال، لم تستطع مواجهة المقاومة العراقية، ولم تتمكن من تحقيق نجاحات تذكر لحد الآن، إلا بالمناورات السياسية، وفي حدود »التجميد« أو »التهدئة«، وان أي خروج لقوات الاحتلال سيعني خروج الحكومة معه، لذا فإن موقف الحكومة التفاوضي بشأن الاتفاقية ضعيف جدا.

وما تضعفه أكثر تلك الوثائق التي بحوزة الجانب الأميركي، والتي تؤكد تورط أطراف حكومية عليا مع الميليشيات، وإبلاغها بأي تحرك محتمل ضدها، الأمر الذي تجسد بالضربات الأميركية الجوية والمداهمات بدون إبلاغ الإطراف الحكومية مسبقا.. أي أن الجانب الأميركي لا يثق بإمكانية السيطرة الحكومية على الوضع الداخلي، ومن جانبها تخشى الحكومة أن تقع تحت سيطرة الميليشيات والضربات المسلحة الأخرى.

رؤية أخرى للاتفاقية

وتبقى هناك جهات أخرى ضد الاتفاقية مبدئيا، إلا أنها تنظر إلى الأمر من زاوية أخرى، وهي ان خروج القوات الأميركية يعني »السيطرة الإيرانية«، والعودة إلى حكم الميليشيات بشكل سافر، ما يعني اشتعال الحرب الطائفية من جديد، وبشكل اقوى.

وللزيادة في الإيضاح، إن الولايات المتحدة استطاعت إقناع بعض اطراف المقاومة »السنية« بأن الخطر الإيراني هو الأولى بالمواجهة، وان بالإمكان التنسيق لمواجهة هذا الخطر، كما سبق ان تم التنسيق والتعاون في أفغانستان ضد »الخطر السوفييتي«.

هنا تتفق الحكومة مع الأطراف الأخرى على الحماية الأميركية للحدود، وتريد الحكومة حمايتها لأنها الطرف الأضعف بين الميليشيات والجماعات المسلحة، وتريد الجهات المعارضة للاتفاقية وجودا أميركيا يحد من التدخل الإيراني، في وقت أعلنت المرجعية الدينية العليا في النجف أنها تترك تقدير الأمور للحكومة »بما لا يضر بمصالح الوطن«، الأمر الذي يجعل تهديدات التيار الصدري ضعيفة الجدوى، واستهلاكية، لأنه ـ أي التيار ـ رهن قراراته بإرادة المرجعية.

إضاءة

تبقى هناك جهات أخرى ضد الاتفاقية مبدئيا، إلا أنها تنظر إلى الأمر من زاوية أخرى، وهي ان خروج القوات الأميركية يعني »السيطرة الإيرانية«، والعودة إلى حكم الميليشيات بشكل سافر، ما يعني اشتعال الحرب الطائفية من جديد، وبشكل اقوى.

وللزيادة في الإيضاح، فإن الولايات المتحدة استطاعت إقناع بعض أطراف المقاومة »السنية« بأن الخطر الإيراني هو الأولى بالمواجهة، وأن بالإمكان التنسيق لمواجهة هذا الخطر، كما سبق أن تم التنسيق والتعاون في أفغانستان ضد «الخطر السوفييتي».

عراق أحمد