رب ضارة نافعة، هذا ما يمكن به وصف الحالة العراقية الآن، اذ أدت الاتفاقية الأمنية التي تضغط واشنطن هذه الأيام لانتزاعها، إلى توحد الفرقاء العراقيين، حيث اجتمعوا على رفض هذه الاتفاقية. وعلى النقيض، فبينما وحدت الاتفاقية العراقيين، فإنها وضعت الاحتلال الأميركي في مأزق قانوني، اذ جردته - نسبيا - من قوة الأمر الواقع التي يفرضها على العراق منذ سقوط بغداد عام2003.
واليوم صار استمرار الاحتلال الأميركي مرهوناً بقرار العراقيين، وان لم يفهم الأميركيون ذلك فان المستقبل مفتوح على مقاومة شاملة لهم، مسنودة بمواقف المرجعيات الدينية. فما تسرب من بنود الاتفاقية يكشف أن الأميركيين أرادوا تحويل العراق من دولة ذات حضارة وتاريخ إلى دولة موز بلا أرض ولا سيادة، وبلا شعب ولا حكومة. كما أن الاتفاقية تحول العراقيين إلى تجمعات لاجئين داخل وطنهم.
وتتضمن الاتفاقية، التي تطلق عليها الولايات المتحدة اسم ( وضع القوات)، العديد من النقاط المجحفة بحق العراق، حسبما تسرب عن مصادر عراقية رفيعة المستوى خلال الأسابيع الماضية، مثل:
(1) إقامة الولايات المتحدة لأربعمئة قاعدة عسكرية دائمة في أنحاء العراق، لا تخضع مطلقا لسلطة الحكومة العراقية. مما يعطي للولايات المتحدة حق شن الحرب على أي دولة، انطلاقا من هذه القواعد دون الرجوع إلى الجانب العراقي. وبالتبعية لا يوجد ما يمنع واشنطن من إعطاء إسرائيل إمكانية استخدام هذه القواعد.
(2) منح حصانة من المساءلة والملاحقات القضائية للقوات الأميركية، وللعاملين في الشركات الأمنية المتعاونة مع الاحتلال، أي منح المرتزقة من قوات ( بلاك ووتر) وغيرها حق القتل دون عقاب، رغم ثبوت ارتكاب هؤلاء المرتزقة لجرائم حرب.
(3) حق الولايات المتحدة في الاحتفاظ بالسيطرة على الأجواء العراقية حتى ارتفاع 29 ألف قدم. ويعني ذلك عمليا أن العراق سيخضع بأكمله لمنطقة حظر طيران أوسع مما كان عليه أيام النظام السابق.
(4) حق الولايات المتحدة في الحصول على تسهيلات مفتوحة في الأراضي والمياه العراقية، وهي تسهيلات قد تستخدم في العدوان على أي دولة عربية أو غير عربية كإيران أو الصين أو روسيا مستقبلا، أي ان أميركا تضع العراق في بؤرة الصراعات والحروب العالمية القادمة.
(5) عدم التزام الولايات المتحدة بحماية العراق من أي اعتداء خارجي أو داخلي، ما لم تقتنع بنوعية هذا الاعتداء، ومن ثم فإن هذا البند يحتوي تنصلا أميركيا من الواجبات القانونية المقررة في اتفاقية جنيف لدولة الاحتلال تجاه الدولة المحتلة، على صعيد الواجبات الحمائية من التهديدات.
(6) احتفاظ الولايات المتحدة بحق اعتقال او سجن اي عراقي يعتقد الجانب الأميركي انه يشكل خطرا أمنيا عليه، وذلك وفق المفهوم الأميركي للإرهاب. ما يعني إلغاء الشرطة والقضاء العراقيين، وتعريض حياة العراقيين للانتهاك على طريقة أبو غريب وغوانتانامو لعدة عقود قادمة.
(7) عدم التزام الجانب الأميركي بأية تعهدات تجاه اعمار العراق، وعدم تحمله أية تعويضات تنجم عن الأضرار التي يلحقها الاحتلال الأميركي بالعراق أو بالعراقيين.
هذه الاتفاقية في جوهرها نموذج حي للرؤية الشرق أوسطية الأميركية للمنطقة العربية عموما وللعراق خاصة، فهي تصادر إرادة العراق كلية وتكبله بالتزامات دون أن ترتب على الجانب الأميركي أية مسؤوليات من أي نوع، كما تجره إلى الدخول ضمنيا إلى حلف عسكري أسوأ مما هو متبع مع دول الحلف الأطلسي، فالاتفاقية تعود بالعراق زمنيا إلى مخطط حلف بغداد في الستينات. وهذا أيضا ما كانت أميركا تخططه للبنان، وفشلت فيه.
كما أن هذه الاتفاقية تنتزع العراق من التزاماته العربية حاضرا ومستقبلا، فهي تجرده من قراره السياسي والعسكري بما يحظر عليه ضمنيا القيام بأي عمل عربي مشترك، بل إنها تخرج العراق كلية من المعادلة العربية.وتجعله رأس رمح أميركي في الخصر العربي والإسلامي.
لكل هذه البنود الخطرة توحد العراقيون سنة وشيعة، في الحكم وخارجه لرفض الاتفاقية. وما عزز الرفض الرسمي والشعبي هو رفض المراجع الدينية للاتفاقية ببنودها الحالية وفي مقدمتهم علي السيستاني الذي دعا إلى عدم تمرير الاتفاقية من دون عرضها على استفتاء عام على الشعب العراقي، بل انه أبلغ رئيس الحكومة نوري المالكي والزعماء السياسيين برفض الاتفاقية في نصوصها الحالية.
كما أعلن ممثله في كربلاء أحمد الصافي: «إن الاتفاقية ترهن الشعب العراقي وترهقه بالتزامات ومشاكل هو في غنى عنها». وقد التزمت أطراف الحكومة موقف المرجعية، حيث أعلن رئيس الحكومة ورئيس حزب الدعوة الحاكم نوري المالكي التزامه بسيادة العراق، والأخذ برأي الشعب في أي اتفاقية تبرم مع أطراف أجنبية. وخلال زيارته لطهران (الأحد الماضي) ألمح إلى رفضه لنصوص الاتفاقية، وأشار إلى أن العراق لن يسمح بأن يستخدم لإلحاق الضرر بإيران.
كما أعلن عبد العزيز الحكيم رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية والشريك القوي في الحكومة إلى إعلان رفضه مؤكدا «مواقفنا كانت ومازالت لا تخالف مواقف المرجعية الرشيدة في النجف»- (الحياة 31 مايو). كذلك أعلن طارق الهاشمي نائب رئيس الدولة ورئيس الحزب الإسلامي «أن العراق لن يقبل بأية اتفاقية تمس سيادته».
وفي خارج الحكومة أعلن التيار الصدري رفضه التام للاتفاقية، ونظم أنصاره تظاهرات واسعة شملت بغداد ومدن الجنوب. وإمعاناً في الضغط على الحكومة لمنع تمرير الاتفاقية، يجري الصدريون مباحثات للانضمام إلى تكتل برلماني جديد تحت اسم (التجمع البرلماني الوطني) مع رئيس مجلس الحكم السابق ورئيس حزب الدعوة السابق إبراهيم الجعفري.
وسوف يشكل هذا التجمع قوة مناوئة للاتفاقية، حيث يضم التكتل الجديد ست قوى سياسية. وهو ما يعني ان الساحة السياسية العراقية مقبلة على مزيد من التطورات. وستلعب فيها المواقف من الاتفاقية الأمنية دورا حيويا في إعادة رسم الخريطة الحالية.
ووسط هذا التكاتف الرسمي والشعبي يلعب الأكراد بممثليهم البرلمانيين والرسميين في الحكومة دور حصان طروادة الأميركي، ففي أكثر من مناسبة رحب هوشيار زيباري وزير الخارجية العراقي، ضمنا بالاتفاقية تحت زعم أن العمليات العسكرية مازالت مستمرة، وأن قدرات الأمن العراقي لا تستطيع التعامل مع هذه العمليات بمفردها، وأنها تحتاج إلى الوجود الأميركي، بل انه أكد وجود تقدم كبير في المفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة لانجاز الاتفاقية.
وهو ما جعل على الدباغ المتحدث الرسمي باسم الحكومة العراقية يتدخل مرارا لتكذيب زيباري كلما جاء على ذكر الاتفاقية. وقد التزمت تصريحات الرئيس جلال الطالباني أيضا روح التهدئة والتقليل من أهمية الخلاف مع الولايات المتحدة بشأن الاتفاقية. وهذا أيضاً ما فعله مؤخراً النائب الكردي محمود عثمان عندما صرح «الاثنين الماضي» بأن واشنطن تراجعت عن كثير من مطالبها السابقة بشأن الاتفاقية.
وفي واشنطن تتلهف الإدارة الأميركية الحالية إلى انجاز هذه الاتفاقية في أسرع وقت، سعيا لتقنين أوضاع قواتها في العراق، حيث سينتهي تفويض مجلس الأمن لوجود هذه القوات بنهاية العام الجاري، ومن ثم تعد هذه الاتفاقية لواشنطن بمثابة (قبلة إنعاش).
ومن اجل انجاز الاتفاقية تمارس واشنطن ضغوطها بقوة، بالتهديد بإبقاء العراق تحت نص البند السابع لمجلس الأمن، وهو ما يعني إرهاق العراق بالديون المستحقة عليه كتعويضات للكويت عن الغزو أيام حكم صدام حسين. وتقدر التعويضات بنحو عشرين مليار دولار. وامعانا في هذه الضغوط تحتجز واشنطن نحو خمسين مليار دولار مستحقة للعراق تحت هذه المبررات. وهو ما يعطل قدرة الحكومة على تحسين الأحوال المعيشية للعراقيين.
ولم تكتف واشنطن بتلك الورقة في إطار الضغوط، إنما لجأت إلى أحياء ورقة كركوك، والحديث مجددا عن حسم وضعها وفقا للمادة 140 من الدستور، فعلت أصوات كردية مؤخرا تدعو إلى ضمها إلى كردستان، بل ان المرونة التي حاول البعض منهم إبداءها تجاه وجود العرب ودورهم تم التراجع عنها فورا. وهو ما يشير إلى صفقة أميركية كردية لتمرير الاتفاقية الأمنية مقابل كركوك.
أما ثالث ميادين الضغوط من جانب الاحتلال الأميركي، فهو العودة المحتملة إلى التلاعب بالملف الأمني عن طريق نشر الفوضى والتفجيرات التي تطال الجميع، في أي مكان بلا استثناء. وقد بدأت بعض بوادر ذلك يوم (الأحد الماضي) ضد قوات الأمن في الموصل، لإظهار عجز الحكومة عن ضبط الأمن، ولإظهار حاجة العراق لاستمرار القوات الأميركية.
وليس من المستبعد لن تتم هذه التفجيرات بالتعاون بين قوات الاحتلال الأميركي وبعض الأطراف الكردية المتشددة، التي تحاول استغلال الظرف المتأزم بين العراق والولايات المتحدة وتجييره لحسابها. وتتحسب القوى العراقية لكل هذه الأزمات المتوقعة فتطالب بإدراج إلغاء البند السابع ضمن شروط التباحث حول الاتفاقية، كما تدعو لإعادة النظر في بنودها بما يمنع تأييدها أو استمرارها لأمد طويل، وتدعو لتأجير القواعد الأميركية وإخضاعها لسلطة الحكومة، وعدم المساس بالسيادة العراقية بحرا وجوا وأرضا.
كما تدعو بعض الأطراف العراقية إلى دراسة التجارب التركية واليابانية والكورية والتايوانية والألمانية في مجال تأجير القواعد العسكرية للولايات المتحدة والإشراف عليها. والاستفادة من هذه التجارب في إدارة المفاوضات مع واشنطن بشأن الاتفاقية.
وغير بعيدة عن كل هذه التطورات تقف طهران متحفزة ، بل وممسكة بكثير من خيوط اللعبة من وراء الستار حينا وأمامه حينا آخر، فقد دعا المرشد الأعلى للجمهورية الايرانية علي خامنئي الحكومة العراقية إلى عدم تمرير الاتفاقية. فطهران تخشى أن تساعد هذه الاتفاقية الولايات المتحدة أو إسرائيل على شن عدوان ضدها انطلاقا من العراق. فدول الجوار العراقي المتضررة من الاتفاقية لن تسمح للاحتلال الأميركي بالاستقرار مستريحا في العراق، بينما أراضيها مهددة على مرمى حجر.
إضاءة
في حالة فشل الولايات المتحدة في انتزاع الموافقة العراقية على الاتفاقية الأمنية، فمن المتوقع ان تعاود استخدام مجلس الأمن من أجل التمديد لبقاء قواتها في العراق. مع العلم ان قرارات مجلس الأمن الصادرة بشأن احتلال العراق لا تمنح الولايات المتحدة أياً من الصلاحيات التي تحاول انتزاعها في إطار الاتفاقية الأمنية. فالقرارات الأممية الصادرة لا تنكر مثلا على العراقيين حق مقاومة الاحتلال، ولا تسمح له بقتلهم ولا اعتقالهم بلا مبرر قانوني، لكن الاتفاقية الجديدة التي تلهث وراءها واشنطن تجرم كل أشكال المقاومة وتصفها بالإرهاب وتبيح لها تصفية واعتقال كل من تشتبه به دون أية ضمانات قانونية.
أحمد الكناني