حسنا فعلت مجلة «دبي الثقافية» بتخصيص عدد من سلسلة كتبها غير الدورية لمقالات الكاتب الكبير رجاء النقاش، والذي يعد ـ رحمه الله ـ بكل المعاني قيمة فكرية كبرى في حياتنا الثقافية العربية.
والكتاب يعد تحفة ثقافية ينبغي أن يحتفي ويحتفظ بها المرء لما تزوده به من سياحة فكرية عالية المستوى على مرحلة زمنية ثرية على مستويات عديدة، فضلا عن أنه يوفر لنا ما يمكن اعتباره رؤية بانورامية عن القضايا التي كانت تشغل اهتمامات كاتبنا الكبير في مراحل مختلفة من حياته والأحداث التي كان طرفا فيها.
غير أن الملمح الأساسي على مجموعة المقالات ـ الكتاب ـ الأهمية المحورية التي يمثلها نجيب محفوظ بشكل عام ورواية «أولاد حارتنا» بشكل خاص حيث يحتل حديث النقاش عنهما خمس مقالات منها أربع مقالات للرواية من بين إجمالي 22 مقالة يتضمنها الكتاب.
ما يلفت النظر في تناول النقاش لهذه القضية هو الدفاع المستميت عن محفوظ و«أولاد حارتنا»، على النحو الذي يبدو معه وكأنه من دراويش محفوظ، ويغيّب عن نفسه، إلى حد ما، الملكة النقدية عالية المستوى التي ساهم من خلالها في تقديم العديد من رموز حياتنا الأدبية للقارئ.
موضع الإشكال هنا هو إنكار النقاش لما يمكن القول أنه «المعلوم من الرواية بالضرورة»، بغض النظر عن الهدف من هذا الإنكار سواء كان نبيلا أم لم يكن كذلك. لا نناقش هنا حرية الإبداع من عدمها، فهذا الأمر قد نعرض له في مرة مقبلة، غير أن ما نناقشه هنا هو قراءة النقاش للرواية على نحو يناقض ما نراه القراءة الطبيعية لها.
ويتحدد الخلاف بشكل عام، على نحو ما هو معروف لمن تابعوا الجدل حول هذه القضية، في الانقسام بشأنها إلى فريقين الأول يرى أنها تمثل خروجا على الدين وإساءة لأنبياء الله، وفريق آخر، ومنهم النقاش، ينفي هذه القراءة جملة وتفصيلا.
وهنا نؤكد على أنه يمكن الخروج من القراءة المنطقية للرواية، دون أن يحمل ذلك أي اتهامات تنال من عقيدة صاحبها الذي أصبح في ذمة الله، بأن شخصية الجبلاوي ترمز إلى الله سبحانه وتعالى وأن أدهم هو أدم وجبل هو موسى ورفاعة هو المسيح وقاسم هو النبي محمد صلى الله عليه وسلم..
غير أننا في معرض محاولة فض الاشتباك الحاصل حول رواية «أولاد حارتنا» التي يرى النقاش بحق أنها تمثل الأزمة الكبرى في تاريخ الثقافة العربية في القرن العشرين ، نشير إلى أن هذه الرواية تحديدا يجب قراءتها على مستويات ثلاث: الأول مستوى التوصيف والثاني مستوى تلقي القارئ والثالث مقصد الراوي أو الأديب. وخلافنا مع النقاش هو حول المستويين الأول والثالث. فعلى صعيد التوصيف، تعرض الرواية لمسيرة البشرية من خلال قصة الخلق وقصص الأنبياء وصولا إلى فكرة فلسفية بشأن مصير الإنسان في بحثه عن السعادة والعدالة.
وقد نجح محفوظ بفعل عبقريته الأدبية في تقديمها في قالب مزج فيه الخيال بالقصص الديني بشكل لا يمكن معه ضبطه «متلبسا» وإن كان صعب عليه تجنب ضبطه في وضع يثير الشبهات. ومن هنا يبدو غريبا أن يقول النقاش في معرض مناقشته لإحدى هذه القراءات، أنها قراءة غير أدبية تحاول استنطاق كلمات الرواية وسطورها ما ليس فيها.
كما يبدو غريبا إشارة النقاش إلى خطورة التعامل مع الرواية على هذا النحو ـ الديني ـ رغم أنها قائمة على الخيال. مصدر الغرابة، أن القراءة المتأنية تؤكد أن الخيال ليس وحده هو المصدر الوحيد لـ «أولاد حارتنا»، وأنها إنما تقوم على ثلاثة مصادر أساسية هي خبرة الكاتب الحياتية وخياله كأديب، والأهم هو القصص الديني.
بل إن المؤلف ذاته ـ محفوظ ـ لا ينفي البعد الديني لها رغم تحفظه عن الاستفاضة بشأن تحديد طبيعة شخصياتها على النحو الذي فهمه بها الكثيرون. ولكن ماذا عن المستويين الآخرين، ولماذا ذهب النقاش في قراءته للرواية هذا المذهب، هذا ما نتناوله في مقال مقبل إن شاء الله.