يقارن البعض بين الظروف التي تولى فيها بوتين رئاسة روسيا عام 2000 والظروف الحالية التي يتولى فيها ميدفيديف الرئاسة. لا شك أنه لا وجه للمقارنة بين روسيا المنهارة تماما في كافة المجالات عام 2000، وروسيا الآن بعد ثماني سنوات من حكم بوتين وما تحقق فيها من إنجازات خارقة وصفتها مجلة التايم الأمريكية.

وهي تمنح بوتين شخصية العام 2007 بأنها أشبه بالمعجزات، ولكن هل هذا يعني أن مهمة الرئيس الجديد ميدفيديف ستكون أسهل من سلفه بوتين؟

الإجابة على هذا السؤال ليست بالسهولة التي يتصورها البعض، وهو ما أوضحه الرئيس السابق بوتين في كلمته أمام البرلمان الروسي عند توليه رئاسة الوزارة، فقد قال بوتين «لقد حققنا إنجازات كبيرة.. لكن أمامنا مهام أصعب وأكثر تعقيدا مما حققناه».

أمام ميدفيديف تحديات ومصاعب لا تقل عن تلك التي واجهها بوتين عند مجيئه للحكم عام 2000، لقد عمل بوتين في ظل حالة انهيار تام للدولة بجميع مؤسساتها، وواجه تحديات كثيرة صعبة ومعقدة في الداخل، ولكنه لم يواجه تحديات فعلية وجادة من الخارج بحكم الظروف التي مر بها العالم في السنوات القليلة الماضية وانشغال الغرب بالحرب على الإرهاب.

أما الآن فقد تنبه الغرب والعالم كله للصعود الروسي المفاجئ والسريع، الأمر الذي يعني أن روسيا ستواجه تحديات خارجية كبيرة وربما مشابهة لتلك التي سبق أن واجهها الاتحاد السوفييتي في زمن الحرب الباردة، الأمر الذي يُصّعب من مهمة ميدفيديف ويجعله في وضع لا يحسد عليه.

إنجازات بوتين وشعبيته الكبيرة قللت من حجم الرئيس الجديد في الكرملين، ولكن هذا لا يبرر التشكيك في قدرات وكفاءات الرئيس الجديد، فقد جمع ميدفيديف من الخبرات والكفاءات ما هو أكثر بكثير مما كان لدى بوتين عند توليه الرئاسة عام 2000 ولديه أيضا ما يميزه عن بوتين خاصة في المجال الاقتصادي.

وقد ورث ميدفيديف عن بوتين قضايا اقتصادية معقدة وصعبة ومن أهمها اعتماد روسيا بشكل كبير على اقتصاد الخامات بسبب الطفرة الكبيرة في أسعار الطاقة من النفط والغاز، والتي تحولت روسيا معها إلى مصدر للخامات للدول الأخرى وإهمالها لبرامج التصنيع في مجال الصناعات التحويلية للطاقة، وهو أمر غاية في الخطورة في ظل أسواق الطاقة المتذبذبة والتي تتداخل فيها العوامل السياسية وحتى الإستراتيجيات العسكرية حيث الحروب الآن تدار من أجل مصادر الطاقة.

مشكلة أخرى تواجهها روسيا ولم يحقق فيها الرئيس بوتين نجاحا يذكر، وهي المشكلة الديمغرافية التي يصفها البعض بالكارثة القومية، حيث التناقص الحاد والمستمر في تعداد السكان مع النقص في المواليد، الأمر الذي يهدد بنقص حاد في الأيدي العاملة،.

ويبدو أن البرنامج الذي طرحه الرئيس بوتين عام 2007 بمنح المولود الثاني في الأسرة مكافأة مادية أيا كان حجمها لم يؤد لنتائج ملموسة، والمشكلة تحتاج لخطط تنمية وتحسين لمستوى معيشة الأسرة الروسية وتوفير السكن الملائم للأسرة ذات العدد الكبير من الأبناء.

وهذه مهمة صعبة ملقاة على عاتق الرئيس الجديد ميدفيديف، فإذا كان بوتين قد نجح في إعادة الثروات للدولة من النخبة الأوليجاركية وعصابات المافيا فإن على ميدفيديف تقع مسؤولية توزيع هذه الثروات على الشعب لتسير التنمية الاجتماعية بموازاة التنمية الاقتصادية.

كما أن هناك مشكلة جذب الاستثمارات الأجنبية للاقتصاد الروسي والتي لم يحقق فيها بوتين نجاحا ملحوظا ويعتقد الكثيرون أنه اختار ميدفيديف خصيصا لحلها.

حيث أن غلبة الطابع الأمني والعسكري على نظام وشخصية بوتين ومطاردته للنخبة المسيطرة على الاقتصاد ولغة بوتين الحادة مع الغرب وشراسته في حسم قضية الشيشان جعلت المستثمرين الأجانب يتخوفون من الخوض في السوق الروسية، بينما الواجهة الليبرالية والهادئة للرئيس ميدفيديف قد تساعد على طمأنة المستثمرين وجذبهم للاقتصاد الروسي.

دبي ـ «البيان»