رغم توقعات عديدة بتمديد العمل بقانون الطوارئ في مصر، إلا أن إقدام الحكومة المصرية على ذلك بالفعل أثار حالة من الجدل حول حقيقة موقف الدولة في ضوء التأكيدات التي طرحتها من قبل بشأن وقف العمل به.

وكان الرئيس المصري حسني مبارك كان قد وعد خلال حملته الانتخابية أن ينتهي العمل بقانون الطوارئ في 2008 واستبداله بقانون آخر لمكافحة الإرهاب، وسط آمال وتوقعات بألا يتم مد العمل بالقانون بعد نهاية فترته الحالية، وعلى ذلك كان قرار التمديد مخيبا لكل الآمال. حول هذه الخطوة استطلعت «البيان» آراء مجموعة من الشخصيات المصرية بشأن أبعاد ذلك القرار ودلالاته.

من جهته يتبنى رئيس حزب التجمع المعارض الدكتور رفعت السعيد وجهة نظر تنتقد بحدة مد العمل بالقانون قائلا: إن مصر محاصرة بقوانين قمعية كفيلة بمواجهة كافة الجرائم، مشيرا إلى أن التعديلات التي أدخلت على القوانين الجنائية عام 1993 تضمنت كافة الجرائم التي نفذت في جميع أنحاء العالم.

وأضاف: ان النظام الحاكم لن يتخلى عن قانون الطوارئ أو النسخة المعدلة منه والمسماة بقانون الإرهاب. وعلل إصرار الحكومة على مد العمل بقانون الطوارئ ثم استبداله بقانون مكافحة الإرهاب بأن هذه القوانين هي التي تمكن النظام الحاكم من الاستمرار في احتكار السلطة والثروة وقطع الطريق على أي قوة سياسية في الارتقاء بمستوى هذا الشعب.

وأضاف السعيد أنه لا أمل في ديمقراطية حقيقية في ظل قانون الإرهاب أو تمديد حالة الطوارئ فالشعب المصري فاقد للأهلية في ظل هذه القوانين التي تعبر عن وجهة نظر النظام للشعب الذي يحكمه بأنه شعب غير رشيد كما عبر عن ذلك رئيس الحكومة الدكتور أحمد نظيف ثم قيل إنها «ذلة لسان».

وأكد أن النظام لن يتخلى عن العمل بالطوارئ أو نسخته المعدلة فهو نظام أدمن احتكار السلطة والثروة ويتمنى استمرار الوضع الحالي وبالتالي فلن يسمح لأي ديمقراطية في مصر لأنه يعلم أنه غير مرغوب فيه، موضحا أن حالة الغموض الحالية حول قانون الإرهاب هي لعبة من النظام وحكومته حتى لا تتاح فرصة للشعب بالاعتراض أو إبداء الرأي.

وطالب رئيس حزب التجمع المعارض الأحزاب المصرية بالدفاع عن وجودها لأنها ستبقى في ظل قانون الإرهاب كما هي في ظل قانون الطوارئ خيال مآته ولا وجود لها في الشارع المصري.

وأكد نائب رئيس حزب الوفد المعارض الدكتور محمد سرحان أن النخبة الحاكمة في مصر التي تحكم البلاد لا ترى أن لأهل هذه البلد حقا في معرفة ماذا يحدث أو ماذا سيحدث اليوم أو غدا أو بعد غد أو كيف يحكمون، مضيفا أن أهل الحكم أنفسهم لم يكونوا قد حسموا أمرهم حتى وقت قريب حول ما إذا كانوا سيقدمون العمل بقانون الطوارئ أم يستبدلونه بقانون الإرهاب.

وأشار سرحان إلى أن النظام الحاكم وجد نفسه مطالبا بأن يختار ما بين أمرين أحلاهما مر، فمد الطوارئ مشكلة لأنهم كانوا قد قطعوا عهدا على أنفسهم بألا يمدوا الطوارئ بعد 30 مايو الجاري وأيضا وضع قانون للإرهاب سيسيء لنظام الحكم لأنه سيكون أقسى وأفظع وأكثر استبدادا من قانون الطوارئ.

وقال سرحان: إذا كانت القوى السياسية من كافة الأطياف قد عارضت قانون الطوارئ وخاضت ضده معارك استمرت 27 عاما فإن كل القوى مطالبة الآن بإعادة تنظيم صفوفها وتكثيف معارضتها ضد قانون الإرهاب لأن الأخير سيكون أخطر بكثير جدا من الطوارئ وليس هذا فقط بل سيكون محصنا من الطعن بعدم الدستورية لأنه من القوانين المكملة للدستور وهذه كارثة الكوارث.

ومن جانبه أكد الأمين العام للمنظمة المصرية لحقوق الإنسان حافظ أبوسعدة ضرورة عدم الربط بين إنهاء حالة الطوارئ وبين إصدار قانون جديد للإرهاب لأن حالة الطوارئ من المفترض أن تنتهي أواخر الشهر الحالي وفقا للبرنامج الانتخابي للرئيس حسني مبارك بصرف النظر عن وجود قانون جديد من عدمه، ولذلك فإن مد العمل بالقانون يعتبر أمرا مثيرا للدهشة.

وقال إن التشريع المصري ليس في حاجة لقانون جديد للإرهاب لأن القانون موجود بالفعل وهو قانون مكافحة الإرهاب رقم 97 والصادر عام 1992، مشيرا إلى أن الحكومة حين جددت العمل بقانون الطوارئ منذ سنتين ونصف السنة تعللت وقتها بأن إلغاء حالة الطوارئ قبل صدور قانون الإرهاب سيخلفه حالة من الفراغ التشريعي.

وأضاف انه بالرغم من تأكيد رئيس الوزراء أن قانون الطوارئ لن يستخدم إلا في مواجهة الإرهاب والمخدرات وليس في مواجهة الحركات السياسية والنقابات والأحزاب إلا أنه استخدم بالفعل ضد النشطاء السياسيين بسبب الاجتماعات العامة والمظاهرات والتجمهر واعتبرتها الحكومة ضمن الجرائم التي تحال إلى محاكم أمن الدولة.

واستدل أبو سعدة على ذلك أيضا بقرار وزارة الداخلية باعتبار الجماعات الاحتجاجية التي تخرج دون ترخيص مخالفة للقانون وهو ما يخالف الدستور المصري الذي يكفل للمواطنين حق التظاهر السلمي والتعبير عن آرائهم وهو يخالف كافة المواثيق الدولية المعنية بحقوق الإنسان التي أكدت حق المواطنين في التجمع السلمي والاعتصام.

وأكد أبوسعدة أن قانون الطوارئ تجاوز كل الحدود وأثر سلبا على روح البنية التشريعية المصرية التي أطاحت بالعديد من الحقوق والحريات التي كفلها الدستور المصري والمواثيق الدولية المعنية بحقوق الإنسان.

وأضاف أن الأحزاب والقوى السياسية لابد أن تعيد بناء نفسها لأن أمامها فرصة تاريخية لتحقيق الديمقراطية إذا استطاعت حل مشاكلها الداخلية وتكاتفت مع قوى المجتمع المدني والمثقفين والجمعيات الأهلية واتفقوا على تكثيف جهودهم للضغط على الحكومة من أجل المطالب الديمقراطية.

وعن دور المنظمة المصرية لحقوق الإنسان في مواجهة قانون الطوارئ وقانون الإرهاب، قال أبوسعدة ان المنظمة أصدرت بيانا طالبت فيه بعدم تجديد قانون الطوارئ وأوضحت رأيها برفض إقرار قانون الإرهاب ولكنه أكد أن دور المنظمات المدنية وحده لا يكفي للضغط على الحكومة ولابد من تدخل الأحزاب والقوى السياسية للضغط على الحكومة.

وأضاف أن هذا القانون يحتوي على عقوبات مشددة لجريمة الإرهاب ولديه الصلاحيات الكافية للقائمين على السلطة والنيابة العامة لاعتقال المنتمين والمشاركين في الأعمال الإرهابية.

ويشدد مدير المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة ناصر أمين على أن من أبرز الدلالات على حالة القهر التي يعيشها المواطن المصري انه مخير بين السيئ والأسوأ وعليه أن يختار بين الأمرين اللذين لا ثالث لهما وكلاهما (مر) إما طوارئ أو قانون الإرهاب على الرغم من عدم حاجتنا لمثل هذه القوانين فلا يمكن أن تكون الحالات الاستثنائية التي تنفذ فيها الطوارئ لفترة محددة مستمرة طوال العمر وعندما يتم إلغاؤها تستبدل بقانون للإرهاب كلنا نعلم أنه سيكون أسوأ من الطوارئ.

وعلى الجانب الآخر، يؤكد وكيل جهاز مباحث أمن الدولة الأسبق والخبير الأمني اللواء فؤاد علام أن مد العمل بقانون الطوارئ يشكل ضرورة قانونية لحين إقرار قانون مكافحة الإرهاب لأن وقف العمل بقانون الطوارئ قبل إقرار القانون الجديد يخلق خللا قانونيا خاصا بالمعتقلين بموجب قانون الطوارئ إذ إنه في هذه الحالة يصبح الاعتقال غير مبرر وبغير سند قانوني وهو من شأنه أن يضع النظام أمام مأزق سياسي وقانوني ما يتطلب عمليا مد العمل بقانون الطوارئ لحين الانتهاء من إقرار البديل بما يضمن حفظ الأمن والنظام.

إضاءة

الأحزاب والقوى السياسية لابد أن تعيد بناء نفسها لأن أمامها فرصة تاريخية لتحقيق الديمقراطية إذا استطاعت حل مشاكلها الداخلية وتكاتفت مع قوى المجتمع المدني والمثقفين والجمعيات الأهلية واتفقوا على تكثيف جهودهم للضغط على الحكومة من أجل المطالب الديمقراطية.