شكل استئناف المفاوضات بشكل غير مباشر بين سوريا وإسرائيل علامة فارقة في الميزان الاستراتيجي والجيوسياسي للمنطقة، فقد أشاعت هذه الأخبار أجواء من التفاؤل ترافقت مع عقد اتفاق الدوحة بين الفصائل اللبنانية المتناحرة، وهو ما مهد لانتخاب الرئيس اللبناني العماد ميشال سليمان قبل أيام قليلة.
ووسط الأجواء الداخلية غير المستقرة التي تعيشها إسرائيل، فإن هذه الخطوة تفرض التساؤل حول أبعادها ودلالاتها. «البيان» استطلعت آراء عدد من الخبراء حول رؤيتهم للمفاوضات السورية الإسرائيلية وفرص السلام في المنطقة على ضوء هذا التحول الاستراتيجي الكبير.د. سمير التقي مدير مركز الشرق للدراسات يقول: سوريا لم تتوقف عن الحديث عن خيار السلام طوال السنوات الماضية، وكانت تعلن عن أي خطوة تتم على هذا الصعيد. وقد بينت وجهة نظرها في السلام ومتطلبات السلام التي يمكن أن تؤدي إلى سلام عادل ودائم في المنطقة.
بالنسبة لهذه المفاوضات غير المباشرة. فقد أعلنت سوريا عنها بشكل تدريجي اعتباراً من صيف 2006، أي بعد حرب يوليو مباشرة. وأياً يكن سير المفاوضات فسوريا ثابتة على مبادئها المتعلقة بحقوقها الوطنية والتي جرى الاتفاق عليها باعتبار خط الرابع من يونيو هو الخط الذي ينبغي على إسرائيل أن تنسحب إليه لتحقيق السلام. وقد حصلت سوريا على إقرار إسرائيلي بهذا الموضوع.
واقع جديد
مازن بلال رئيس تحرير موقع سوريا الغد يقول بقي السلام يدور في الفلك الأميركي طالما أنها القوة الوحيد القادرة على الضغط باتجاه «إسرائيل» أو التعامل مع العرب الذين فقدوا أي حليف استراتيجي آخر... فما الذي يحدث اليوم حتى يصبح «الوسيط التركي» قادرا على التعامل مع هذه المسألة الحساسة؟؟ وبغض النظر إمكانية نجاح المفاوضات «السورية ـ الإسرائيلية» فإن الآلية التي سارت عليها تعبر عن واقع جديد في النظر إلى السلام سواء «أباركت» الولايات المتحدة هذا الموضوع أم قبلته بتحفظ.
عمليا فإن الصورة مختلطة اليوم، فدمشق أعلنت عن المفاوضات كواقع حاصل ودون أي تفاصيل، وربما كثرت الأسئلة حول النتائج المترتبة عن هذه المفاوضات وعلى الأخص بالنسبة للعلاقة السورية ـ الإيرانية. وفي المقابل فإن تصريحات أولمرت وردود الفعل حول «المباحثات» أظهرت أكثر من مسألة انقسام في مسألة السلام، وهذا الأمر يؤشر إلى عدة نقاط:
أولاً: لا شك ان هناك تحولات في «الرؤية الإسرائيلية» للمنطقة. وهذا التحولات مسؤولة عنها الولايات المتحدة التي قادت خلال خمس سنوات حربا مباشرة في العراق، وحربا بالوكالة في لبنان. والنتيجة الواضحة هو تبدل الموقع الاستراتيجي ل«إسرائيل» فالأزمات التي ظهرت في المنطقة لم تكن لصالح إسرائيل رغم أنها ظهرت في البداية لخدمة مصالحها.
ثانياً: بالنسبة ل«إسرائيل» بقي المستقبل غير واضح المعالم لأن التطورات السريعة وتواجد القوات الأميركية بشكل مباشر في المنطقة لم يحدث أي تحول في مسار «الصراع» بل ربما على العكس أعاده إلى مراحل سابقة سواء على الجانب الإسرائيلي أو العربي، فما تواجهه «إسرائيل» اليوم هو حالة اجتماعية رافضة حتى ولو كانت السياسة تسير بشكل معاكس.
ثالثاً: السلام مع سوريا بالنسبة لإسرائيل يمكن استخدامه تكتيكيا للضغط على الطرف المفاوض الفلسطيني تحديدا. لكن الأمر على ما يبدو يتجاوز هذه المسألة لأنه يعكس واقعا إسرائيليا بالدرجة الأولى تعرض لاهتزاز قوي في السنوات الخمس الماضية، وكان قبلها عاش انتفاضة قلبت المقاييس بالنسبة لمستقبل «إسرائيل».
ضرورة الراعي الأميركي
من الصعب تصور «سلام» بدون وجود الراعي الأميركي!!! هذا الأمر أصبح مصبوغا داخل أذهان المفاوضين، لكن صورة «إسرائيل» ربما تبدلت منذ عام 1990، عندما كانت تملك غطاء استراتيجيا وقوة رادعة في وقت كان التآكل يتسرب إلى مساحة النظام العربي... واليوم ربما لم يختلف الأمر ف«إسرائيل» مؤمنة استراتيجيا.
ولكن على ما يبدو هناك «شك» على الأقل في قدرة «الغطاء» الاستراتيجي في حمايتها، على الأخص بعد جملة الإخفاقات التي بدأت منذ عام 2000 وحتى اليوم.... فهذا الغطاء لم يمنعها من الانسحاب من لبنان، ولم يحد من ظهور الانتفاضة الثانية.... وفي النهاية فإن الجبهات المفتوحة اجتماعيا هي ما تقلق الاستراتيجيين الإسرائيليين وليس طبيعة الغطاء الاستراتيجي الأميركي.
معتصم حمادة باحث بقضايا الصراع العربي الاسرائيلي يشير إلى أنه إذا كانت إسرائيل جادة بموضوع السلام فلا ضرر من الاستفادة من هذه الجدية، خاصة أن سوريا حريصة على استعادة الجولان. أما إذا كانت إسرائيل تناور لأسباب داخلية مثلاً أو بسبب تعثر المسار الفلسطيني فسوريا حريصة على دفع الأمور حتى النهاية لكشف طبيعة المناورة الإسرائيلية وطبيعتها.
وفي كل الأحوال لا تتضرر سوريا من مبدأ التفاوض ولا يحرجها موضوع الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع الإسرائيليين وجهاً لوجه فلقد سبق أن فعلت ذلك في مدريد وفي واشنطن وفي شبردزتاون دون أن يدفعها ذلك إلى التخلي عن ثوابتها التفاوضية. وبالتالي فإن الكرة في الملعب الإسرائيلي وعلى إسرائيل برأي دمشق أن تسدد فاتورة السلام أي الانسحاب حتى خط الرابع من يونيو. وعلى قاعدة هذه الخطوة وعلى ضوء نتائجها العملية تصاغ العلاقات الإقليمية لدمشق.
شغل الفراغ الإقليمي
عز الدين سطاس باحث في القضايا الإستراتيجية يقول: لا يمكن النظر إلى ما جرى على صعيد الاعلان عن استئناف المباحثات غير المباشرة بين سوريا وإسرائيل بمعزل عن التبدل الاستراتيجي الذي حصل بعد حرب يوليو عام 2006. فإسرائيل التي لم تستطع تحقيق انتصار على حزب الله بل وأقرت لجنة التحقيق الإسرائيلية بهزيمة ما للجيش الإسرائيلي في المعركة بحاجة إلى البحث عن خيارات أخرى، خصوصاً ان وضعها الداخلي والإقليمي لا يمكنها من خوض حرب أخرى تبدو نتائجها ليست بأفضل حال من نتائج حرب يوليو.
ومن هذه الخيارات المفاوضات، وبما أن الوضع الفلسطيني معقد إلى درجة يستحيل معها الوصول إلى اتفاق في المدى المنظور فالملف السوري أسهل وأقل تعقيداً.
مع العلم أننا لا ينبغي أن نستبعد عدم جدية إسرائيل. فقد يكون الموضوع نوعاً من المناورة السياسية التي من الممكن أن تتوقف في مرحلة معينة. ولكن سوريا التي تضع جميع الخيارات على هذا الصعيد لا تريد تفويت الفرصة واستكشاف مدى جدية إسرائيل إلى آخر مدى ممكن.