اجتمع مؤخراً ممثلو 60 دولة من الاتحاد الأوروبي وأميركا اللاتينية في العاصمة البيروفية ليما للمشاركة في القمة الخامسة لهم، حيث طرحت قضايا عديدة على جدول الأعمال كان من أبرزها معالجة المشاكل المتعلقة بتغير المناخ والأسعار العالية للمواد الغذائية والفقر. وركز المجتمعون في بيانهم الختامي على التعاون من أجل علاج تلك المشاكل وعلى أهمية تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين دول الاتحاد الأوروبي وبلدان أميركا اللاتينية.
فهل هذا يعني أن الاتحاد الأوروبي دخل منافساً للولايات المتحدة على دورها في أميركا اللاتينية؟ هل يمكن لدول أميركا اللاتينية الاستفادة من التباين في السياسات الخارجية بين أوروبا والولايات المتحدة؟ هل حكم على اقتصادات أميركا اللاتينية أن تمتص من قبل منطقة التجارة الحرة في الأميركتين؟ هل يمكن لأوروبا أن تكون ثقلاً موازناً للنفوذ الأميركي في المنطقة؟ وهل يمكن لأميركا اللاتينية أن تصبح شريكاً استراتيجياً للاتحاد الأوروبي؟
للإجابة عن هذه الأسئلة لا بد من الحديث عن الخلفية التاريخية للعلاقات بين الولايات المتحدة ودول أميركا اللاتينية. سعت الولايات المتحدة من خلال السياسة التي انتهجتها إزاء أميركا اللاتينية إلى تحقيق هدفين رئيسيين: استبعاد الخصوم من خارج القارة أو القوى المعادية من نصف الكرة الأرضية الغربي (مبدأ مونرو) وتأمين وجود اقتصادي- سياسي مهيمن في المنطقة.
ولقد أرست واشنطن تفوقها في أميركا اللاتينية بعد الحرب الإسبانية - الأميركية في 1898 التي نجم عنها استقلال كوبا رسمياً وبقاؤها فعلياً كمحمية أميركية وتحويل منطقة الكاريبي إلى «بحيرة أميركية» وهو ما استبعد عملياً القوى الأوروبية من نصف الكرة الغربي.
وخلال الحرب الباردة، ظلت الفكرة السائدة لدى الولايات المتحدة تتمحور حول الحق الطبيعي لواشنطن بفرض سيطرتها على المنطقة مع تجاهل دورها الأخلاقي في حل مشاكل تلك المنطقة، حيث لم تكن تهتم بها إلا عند نشوب الأزمات أو عندما كانت تشعر بأن مصالحها الأمنية في خطر مثلما حدث إبان أزمة الصواريخ الكوبية في عام 1962.
وبعد تشكيل الحكومة الثورية برئاسة فيدل كاسترو في كوبا في يناير 1959، أعلنت الحكومة الأميركية أنها لن تحتمل «كوبا ثانية» في أميركا اللاتينية. وكان هذا الإعلان هو المبرر لعمليات التدخل العسكري في سانتو دومينغو في 1965 وغرينادا في 1983 والعمل السري والحصار الاقتصادي لحكومة الليندي في تشيلي في الفترة من 1970- 1973.
ومع انتهاء الحرب الباردة وخروج الولايات المتحدة منها منتصرة، تعززت مكانة واشنطن في أميركا اللاتينية وباتت مطلقة اليدين للتدخل فيها من دون أن يقيدها شيء سوى الثمن الدبلوماسي الذي قد تضطر إلى دفعه في المؤسسات الدولية كالأمم المتحدة. وكان العائق المهم أمام تطور علاقة شراكة ناضجة بين الولايات المتحدة وأميركا اللاتينية هو النهج المتعالي الذي يتعامل به صناع السياسة الأميركية مع دول المنطقة.
حيث ينظر إلى شعوب ونخب بلدان أميركا اللاتينية على أنهم «اتكاليون» و «عاجزون» و «طفوليون». وهذه النظرة هي التي شوهت صورة الولايات المتحدة لدى شعوب أميركا اللاتينية، وجعلتها تتطلع إلى علاقة تقوم على الندية والاحترام المتبادل.
بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، دفع الميل الأميركي إلى التصرف الأحادي في القضايا الدولية، كما حصل في قرار غزو العراق في 2003، الاتحاد الأوروبي وبعض دول أميركا اللاتينية مثل البرازيل والأرجنتين وفنزويلا إلى إعادة التفكير في محورية الولايات المتحدة في الأولويات الخاصة بسياستها الخارجية، وهو ما زاد من المجال الدبلوماسي لتشكيل رابطة من نوع ما بين الاتحاد الأوروبي ودول الميركوسور.
فهل يمكن أن يصبح الاتحاد الأوروبي وأميركا اللاتينية شريكين استراتيجيين على الرغم من ميل الولايات المتحدة إلى ممارسة هيمنتها في مجال نفوذها التقليدي؟ الإجابة عن هذا السؤال تتطلب النظر إلى تاريخ العلاقات بين أوروبا وأميركا اللاتينية. تشترك أميركا اللاتينية مع أوروبا في العناصر الرئيسية للثقافة الغربية.
غير أنه خلال الحرب الباردة، لم تعط الدول الأعضاء في المجموعة الأوروبية أولوية قصوى لأميركا اللاتينية في سياساتها الخارجية. وكانت أوروبا الغربية حليفاً قوياً للولايات المتحدة في حلف الناتو ضد الشيوعية ولم تحاول أن توسع نطاق نفوذها الاستراتيجي ليصل إلى أميركا اللاتينية، معترفة بذلك بالنفوذ العسكري والاقتصادي الأميركي في المنطقة.
وفي أواخر الخمسينات من القرن الماضي، أعادت دول أوروبا الغربية، التي تعافت من آثار الحرب العالمية الثانية، بعض العلاقات التجارية مع أميركا اللاتينية. غير أن المعونات الاقتصادية الخارجية للمجموعة الأوروبية كانت موجهة بالأساس للمستعمرات الفرنسية والبلجيكية والبريطانية السابقة في أفريقيا والكاريبي والباسيفيك.
بدأت الصلة الأوروبية بأميركا اللاتينية في ستينات القرن الماضي عندما بدأت القوى المتوسطة في أميركا اللاتينية وهي البرازيل والمكسيك والأرجنتين وفنزويلا في تطوير سياسات خارجية أكثر استقلالية. وخلال تلك الفترة تجاوزت المجموعة الأوروبية الولايات المتحدة كجهة مانحة للمعونات الاقتصادية إلى دول أميركا اللاتينية.
وفي ذلك السياق، كان الخيار الأوروبي يضاهي الخيار الأميركي على الأقل بالنظر إلى الصعوبات قصيرة الأجل التي عانت منها الولايات المتحدة على الصعيدين المحلي والدولي. لكن حقائق الحرب الباردة وضعت قيوداً كبيرة على قدرة دول المجموعة الأوروبية على العودة الكاملة لنصف الكرة الغربي. فالقضايا الأمنية هيمنت على علاقات أميركا اللاتينية بدول الشمال.
ظلت العلاقات الاقتصادية بين أوروبا وأميركا اللاتينية تعاني من الركود النسبي خلال الفترة من الحرب العالمية الثانية وحتى سبعينات القرن الماضي، بل وأصبحت أقل شأناً في سنوات الثمانينيات.
وبحلول عام 1995، اشترت أوروبا 23% من صادرات أميركا اللاتينية وقدمت النسبة نفسها من وارداتها، ولكن أميركا اللاتينية لم تستحوذ إلا على أقل من 2% من الصادرات الأوروبية و2% من وارداتها.
وتركز الاهتمام الاقتصادي الأوروبي بالجزء الجنوبي من القارة وبخاصة الاستثمار الألماني والعلاقات التجارية مع البرازيل والأرجنتين. وكانت نقطة التحول في علاقات أوروبا مع أميركا اللاتينية في أزمة أميركا الوسطى التي عصفت بالمنطقة في أواسط الثمانينات من القرن الماضي عندما لعبت المجموعة الأوروبية دوراً فاعلاً في تسوية الحروب الأهلية في المنطقة. ومن دون أن تعرض تحالفها مع واشنطن للخطر، استطاعت المجموعة الأوروبية أن ترسي وجوداً دبلوماسياً في منطقة كانت غائبة عنها بشكل واضح.
وبدأ التقارب الفعلي بين المجموعة الأوروبية وأميركا اللاتينية في منتصف الثمانينات كحوار سياسي غير رسمي مع «مجموعة ريو»، وكان قائماً على أساس المصلحة المشتركة في حل أزمة أميركا الوسطى. ومع نهاية الحرب الباردة في 1989- 1990، أصبح الاتحاد الأوروبي منخرطاً بشكل منظم مع أميركا اللاتينية.
هناك بالفعل فرصة لإقامة علاقة شراكة اقتصادية وثيقة بين الاتحاد الأوروبي وأميركا اللاتينية من المؤكد أنه سيكون لها مضامين جيو استراتيجية مهمة في عصر العولمة الذي نعيش فيه. ولكن هذا لا يعني أن الخيار الأوروبي بات هو المفضل لدى دول أميركا اللاتينية، فالمراقبون يعتقدون أن دول أميركا اللاتينية تستخدم الخيار الأوروبي كورقة مساومة مع الولايات المتحدة من أجل الحصول على شروط تفاوضية أفضل.
ضرار عمير