تجلس الحاجة فاطمة كامل ـ المصابة بتشمع في الكبد ـ على أحد أسّرة قسم الباطنية في مستشفى البشير الحكومي متكئة على وسادة غُطيت بمغلف من النايلون لعدم توفر غطاء قطني في المستشفى.
ولكن معاناة الحاجة فاطمة ـ التي لا تسمح أوضاع أسرتها الاقتصادية بوضعها في مستشفى خاص لارتفاع تكاليفه ـ لا تتعلق بمشكلة الوسادة فحسب. فهي تعاني كثيرا في كل مرة تطلب فيها الممرضات «فجرس التنبيه معطل»، الأمر الذي يدفعها للمناداة بأعلى صوتها. تقول الحاجة فاطمة: «لا أحد يسمعني في أغلب الأوقات».
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد أيضا، فتقديم الوجبات الغذائية للمرضى ـ وفق الحاجة فاطمة ـ فيها الكثير من الاهانة كون الوجبة غالبا ما تقدم في صوانٍ يكون فيها الطعام مسكوبا فوق بعضه بعضا، وبصورة تفقد المريض رغبته في الأكل، إضافة إلى عدم وجود ملاعق حتى يضطر المريض للأكل بأصابع يده.
تقول العجوز إنها تراجع المستشفى منذ أكثر من عشر سنوات وهي تصارع الموت علّ الموت يرحمها من مراجعة المستشفيات الحكومية في بلد يشتهر بالسياحة العلاجية من الصعب تصديق أن مواطنيه يعانون من أوضاع علاجية صعبة.. هل يمكن الاستسلام للمثل القائل إن «باب النجار مخلّع».
زيارة ملكية
ما زال المواطن الأردني يتذكر الزيارة الملكية التي قام بها العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني متخفيا إلى مستشفى البشير للوقوف شخصيا على مواقع الخلل بهدف إلزام المسؤولين في القطاع الصحي تصويب أوضاع المستشفيات. ولكن هذه الزيارات باتت تاريخا ضعف استمرار تأثيرها لتحسين أوضاع مستشفى يؤمه كل فقراء العاصمة عمان وما حولها.
لن تزيد الكلمات التي يمكن أن يتحدث بها المسؤولون في وزارة الصحة عن هذه الأوضاع عن أربع كلمات هي «الأحوال المالية للوزارة صعبة» ولا يمكن ان تقدم الوزارة خدمات فندقية في مستشفياتها كما يريد البعض.
ولكن، هل من الخدمات الفندقية طلب المرضى أن يناموا على أسرة مريحة، وهل من هذه الخدمات توفير الحد الأدنى من النظافة، وهل من تلك الخدمات توفير كرسي غير مكسور ليجلس عليه المراجعون والمرضى في أقسام المستشفى؟
بنى مستشفى البشير ـ أكبر وأشهر المستشفيات الحكوميةـ في العاصمة الاردنية عمان عام 1954 ويضم كافة الاختصاصات الطبية، ويبلغ عدد الأسرة فيه 928 سريرا، بالإضافة إلى 1117 ممرضا وممرضة، و15 صيدليا يساعدهم 55 شخصا، ويقوم المستشفى بجهد كبير إذ يجري حوالي 21 ألف عملية سنويا، ويراجع الإسعاف والطوارئ يوميا ما يقارب 1200 مراجع خلال 24 ساعة، في حين يراجع المستشفى سنويا نحو مليون مواطن.
إن الانطباعات التي يمكن أن يخرج بها الزائر إلى مستشفى البشير تكمن في التالي: غياب واضح للرقابة على أعمال المستشفى فأسرة المرضى محطمة، ودورات المياه مكان للجراثيم والأوبئة والنظافة في أروقة المستشفى معدومة تماما أما المرضى فلا يوجد من يبكي على حالهم.
ويشكك البعض بعدم قدرة وزارة الصحة على معالجة الاختلالات التي تعاني منها المستشفيات الحكومية. ويقول هؤلاء: إن القطاع الطبي الحكومي الذي يشمل بشكل رئيسي المستشفيات التابعة لوزارة الصحة يتعرض منذ مدة لحملة قاسية، تصل إلى حد يشتبه فيه بأنها قد تكون منظمة من أجل الإمعان في الإساءة إليه، لدواعٍ ينطبق عليها المثل «وراء الأكمة ما وراءها» .
يخشى العديد من أعضاء مجلس نقابة الأطباء ان تكون المستشفيات الحكومية تشهد «حملة من المبررات» لتمهد الطريق أمام اقتحام أذرعة «الخصخصة»، لميدان الخدمات الصحية العامة ومراجعيها الذين يقدرون بالملايين.
نقص الكوادر الطبية
يقول الدكتور خالد الكلالدة عضو مجلس النقابة السابق: «في حال جرى ذلك فان الإرباح التي قد يجنيها البعض خيالية». وكانت نقابة الأطباء ـ المعنية بالخدمات الطبية في القطاعين العام والخاص حذرت من النقص الحاد في الكوادر الطبية الذي تعاني منه المستشفيات الحكومية وانخفاض مستوى الخدمات المقدمة فيها وعدم توفير الدورات التأهيلية للطواقم العلاجية بشكل كاف. وتساءلت «لماذا لا تعالج وزارة الصحة هذه الملفات العالقة حتى لا يبقى موضوع الخصخصة يؤرقنا جميعا!».
وقالت مصادر طبية في وزارة الصحة في تصريح لـ «البيان«: إن وزارة الصحة لا تقوم بتلبية احتياجات المستشفيات الحكومية من صيانة وأدوات خدمية، بالشكل المطلوب. واتهمت المصادر التي فضلت عدم الكشف عن هويتها «البعض في وزارة الصحة بأنهم يريدون الإبقاء على مثل هذه الأحوال السيئة على حالها في المستشفيات الحكومية.
ويلخص الدكتور الكلالدة الاختلالات التي تعاني منها المستشفيات الحكومية بالقول: «إنها في مشكلتين تواجهان هذه المستشفيات، هما: نقص الكوادر وفوضى الإدارة». وأضاف: ان هذه المستشفيات تعاني من الاكتظاظ وازدحام المراجعين وسط نقص شديد في الكوادر الطبية والأسرّة والخدمات، وهو ما يترتب عليه معظم حالات الشكوى والاختلالات التي تقع فيها.
ويتساءل البعض لماذا تجاهلت الحكومات المتعاقبة إيجاد الحلول الملائمة لمعالجة المشكلات الإدارية والمالية المزمنة التي يعاني منها القطاع الطبي الحكومي، إلى حد ترحيلها عبر سنوات طوال دون أية إجراءات فعالة، تؤمن احتياجات المستشفيات الحكومية من الأطباء والممرضين والأجهزة العلاجية.
مشاهد حية
لم يطق المواطن محمد حسين الجعفري الوقوف طويلا أمام قسم الأشعة في مستشفى البشير، فاستلقى على الأرض بعد أن تعب من البحث عن مكان يريح فيه جسمه المتعب في انتظار دوره للحصول على موعد لصورة أشعة. يقول الجعفري: لقد جئت في وقت مبكر إلى قسم الأمراض الصدرية كوني أعاني من مرض الديسك حيث تم تحويلي إلى قسم الأشعة وهاهي الساعات تمر وأنا في انتظار الحصول على موعد.
أما المريض حسن فنون الذي رصدته «البيان» جالسا في أحد ممرات قسم الباطنية، فإنه يجلس في الممر - وفق قوله «لأن السرير الذي ينام عليه قطعة من العذاب وليس سريرا في مستشفى».ويتابع: «إنه يضطر للجلوس على كرسي بلاستيكي طوال فترة النهار أما في الليل فانه يجبر نفسه على النوم على السرير الذي لا يصلح أن ينام عليه حتى حيوان بري». واشتكى مريض آخر من عدم نظافة أغطية الأسرة فقال: إن المسؤولين عن النظافة لا يقومون بتبديل الأغطية إلا إذا تلطخت بالدماء لافتا إلى عدم نظافة أروقة المستشفى ودورات مياهه.
أما مرافقو المرضى فكان لهم نصيب أيضا من الألم فهذه ابنة إحدى المريضات التي وضعت «فرشة» صغيرة على الأرض بجانب سرير والدتها جلبتها من البيت حتى تستطيع أن تنام بجانبها. تقول هذه الابنة التي فضلت عدم ذكر اسمها او تصوير وجهها إنها تنام عند والدتها كمرافقة بسبب نقص خدمة التمريض الموجود ولأن والدتها بحاجة إلى رعاية خاصة.
وقال مدير المستشفى الدكتور عبد الهادي بريزات إن السبب في قلة النظافة في الصيانة بالرغم من أن المستشفى يجري صيانة دورية ان أعداد المرضى والمرافقين كبير مما يجعل السيطرة على هذا الموضوع أمرا صعبا جدا. وفيما يتعلق بالمرافقين قال بريزات إن المستشفى لا يستوعب هؤلاء المرافقين وأن تقديم الخدمة الفندقية للمرضى بحاجة إلى إمكانيات مادية من الوزارة لا تقدر عليها.
عمان ـ لقمان اسكندر