من جديد.. عاد الاقتتال بين الجيش السوداني والجيش الشعبي التابع للحركة الشعبية لتحرير السودان، ما أدى إلى مقتل حوالي 22 جنديا من الجيش السوداني وتشريد ما يقرب من 50 ألف شخص على الأقل، ليضع الصراع بين الشمال والجنوب السوداني في بؤرة الأحداث ودائرة الضوء بعد أن كان قد توارى بعض الشيء في أعقاب توقيع اتفاق السلام بين الجانبين وبروز أزمة دارفور على الساحة.. لتجدد الاشتباكات خلال الأيام الأخيرة في مدينة آبيي بين الجيش السوداني وجيش الحركة الشعبية من جديد النزاع بين الشمال والجنوب.
وتأتي الاشتباكات الجديدة بعد ثلاث سنوات من الهدوء وفي أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة التي قامت بها حركة العدل والمساواة للسيطرة على مقاليد الأمور في العاصمة السودانية الخرطوم، وهو ما يضع الكثير من علامات الاستفهام حول تلك التطورات الأخيرة على الساحة السودانية. يؤكد الدكتور إبراهيم نصر الدين الأستاذ بمعهد الدراسات الإفريقية بجامعة القاهرة أن الاشتباكات الأخيرة بين الجيش السوداني وجيش الحركة الشعبية تلقي بظلال كثيفة على مستقبل السلام القائم منذ توقيع اتفاق نيفاشا للسلام بين الجانبين في عام 2005.
يهدد بنهاية شهر العسل القائم بين الجانبين محذرا من تدخل أطراف خارجية لتأجيج الصراع من جديد بين الجنوب والشمال خاصة وأن الاشتباكات جاءت بعد أيام قليلة من المحاولة الفاشلة التي قامت بها حركة العدل والمساواة في دارفور ومحاولتها نقل الصراع من دارفور إلى العاصمة السودانية والسيطرة على مقاليد الحكم عسكريا واتهام الخرطوم الصريح والمباشر لتشاد وجهات أجنبية أخرى بالوقوف وراء المحاولة الفاشلة.
آبيي.. قضية شائكة
وأشار نصر الدين إلى أن اتفاق نيفاشا الذي أبرم عام 2005 وأنهى أكثر من 20 عاما من الحرب الأهلية التي قتل فيها مليونا شخص ومنح وضع الحكم شبه الذاتي للجنوب فشل في حسم تبعية منطقة آبيي لأي من الشمال والجنوب باعتبارها من أكثر القضايا الشائكة، وأصر الطرفان على أحقيته بها ولذلك تقرر أن تتولى وحدات خاصة مشتركة من الجنود الشماليين والجنوبيين حراسة بلدة آبيي.
ولفت نصر الدين إلى أن أهمية منطقة آبيي تنبع من كونها أكثر المناطق الغنية بالنفط ولذلك فهي مرشحة دائما لتكون أحد نطاق التوتر التي تهدد بتجدد الصراع بين شمال السودان وجنوبه ما لم يتم حسم موقفها والاتفاق على ترسيم حدودها وحسم تبعيتها واستمر تجاهل اتفاق السلام الشامل الذي وقع بين الجانبين عام 2005، ما يهدد بتجدد الخلاف بين شريكي السلام «حزب المؤتمر الوطني الحاكم والحركة الشعبية لتحرير السودان».
ومن جانبه.. أكد نائب السفير السوداني بالقاهرة إدريس سليمان على خطورة الوضع في الجنوب السوداني وأن النظام الحاكم في السودان لا يألو جهدا في السيطرة على الأوضاع في أنحاء السودان والتقريب بين الفرقاء السودانيين والقيام بكل ما يضمن خيار الوحدة في الاستفتاء المقرر في 2011 سواء بالنسبة للجنوب أو بالنسبة لآبيي وإذا ما كانت ستبقى تحت سلطة الشمال أو ضمها إلى الجنوب مع منحها ما يشبه الحكم الذاتي بالإضافة إلى مصير الجنوب ببقائه ضمن السودان وعدم انفصاله عنه.
وحذر مما وصفه بتردي الأوضاع الأمنية الناجم عن استمرار التحرشات التي يقوم بها جنود الجيش الشعبي بقبائل «المسيرية» العربية، نافيا أن تكون هذه القبائل مدعومة أو مدفوعة من قبل الجيش السوداني، مؤكدا أن الجيش التزم مرات عديدة بضبط النفس أمام الاستفزازات التي يقوم بها أفراد الجيش الشعبي وأن الجيش السوداني وجد نفسه مضطرا للتدخل للسيطرة على الأوضاع بعد أن قام الجيش الشعبي باعتقال أحد الجنود وقتل جندي أخر بالجيش السوداني وقام بالاشتباك مع قبائل «المسيرية».
ونفى سليمان اتهامات ادوارد لينو القيادي في الحركة الشعبية لحزب المؤتمر الوطني الحاكم في السودان بدعم «المسيرية» بهدف إشعال المواجهات في هذه المنطقة وتحميله الجيش السوداني المسؤولية عن تردي الوضع في المنطقة واتهم الحركة الشعبية بالتمادي في خرق بنود اتفاق آبيي ومحاولة فرض الأمر الواقع وصناعة واقع جديد على الأرض وتغيير طبيعة منطقة آبيي لضمان السيطرة عليها طمعا في ثرواتها النفطية.
تدخل الجامعة العربية
وشدد مدير إدارة إفريقيا بالجامعة العربية السفير سمير حسني على خطورة الوضع في الجنوب في منطقة آبيي المتنازع عليها وأهمية العمل على عدم استمرار تردي الأوضاع أكثر حفاظا على استمرار العملية السلمية القائمة بين الشمال والجنوب في السودان بهدف تشجيع الأطراف والفصائل السودانية الأخرى للاندماج في العملية السلمية الأمر الذي من شأنه أن يكون له انعكاسات خطيرة على مستقبل السلام في السودان وعلاقات السودان بدول الجوار.
وأكد حسني أن جامعة الدول العربية تبذل جهودا كبيرة واتصالات حثيثة مع عدد من شركاء السلام في الشأن السوداني سواء الاتحاد الإفريقي أو الإيجاد أو الأمم المتحدة وغيرهم من شركاء السلام لنزع فتيل الأزمة وإعادة الفرقاء لطاولة السلام، مشددا على أن جامعة الدول العربية تبذل مساعي دؤوبة للحفاظ على خيار الوحدة في السودان ودعم جهود التنمية في أنحاء السودان ومساعدة الحكومة السودانية في التغلب على مشاكلها السياسية والاقتصادية وتحقيق العدالة في اقتسام الثروة والسلطة.
ولم يستبعد السفير سمير حسني قيامه بزيارة السودان والالتقاء بعدد من المسؤولين الحكوميين وقيادات الحركة الشعبية والمشاركة في أي جهود للسلام في السودان، مضيفا: ان جامعة الدول العربية تدين أي محاولة للخروج على الشريعة أو الانقلاب على اتفاق السلام القائم كما أنها تؤكد تشديدها على موقفها الداعم لوحدة السودان وتحقيق السلام والتنمية في ربوعه. وأشار حسني إلى أن الدول العربية على استعداد تام للمشاركة بفاعلية في الحفاظ على استتباب الأمن وترسيخ السلام في أنحاء السودان.