شهد السودان مؤخرا حالة من السخونة العسكرية غير العادية، حيث وقعت معركتين عسكريتين: الأولى في أم درمان، والثانية في أبيي. وكان الفاصل بينهما عشرة أيام. بدا موقف الحكومة في الحالتين شديد التناقض، ففي الأولى فوجئت بما جرى، مما أصابها بصدمة عنيفة. أما في الثانية فقد كانت في حالة استعداد عسكري، استنفرت من أجلها كل إمكاناتها.
كانت الحكومة قد بدأت استنفار قواتها في أبيي ضد قوات الجيش الشعبي، الذراع العسكري لحركة تحرير جنوب السودان، الشريك الأساسي للمؤتمر الوطني في الحكومة. وذلك بعد اشتباكات دامية بين قبيلة المسيرية العربية وقبيلة الدينكا الجنوبية.
وتحظى المسيرية بدعم الحكومة، اما الدينكا فيساندها الجيش الشعبي. ولما فشلت الدينكا في إخضاع المسيرية، دخلت قوات من الجيش الشعبي المعركة، مما اضطر الجيش الحكومي إلى التدخل، وتمكن من إبعاد القوات الجنوبية عن المنطقة، في معارك شرسة أسفرت عن عشرات القتلى والجرحى، ونزوح نحو خمسين ألف مدني عن المنطقة.وخطورة ما جرى أنه كان المعركة الأعنف بين شريكي الحكم منذ توقيع اتفاق السلام في نيفاشا عام 2005.
وفي أم درمان قامت حركة العدل والمساواة - كبرى حركات التمرد التي تحارب الحكومة في دارفور - بهجوم مباغت أربك كل الأجهزة الحكومية- بما فيها الجيش- قبل أن تتمكن من إنقاذ الموقف. وتمثلت أهمية هذا الهجوم في انه يعد نقلة نوعية للصراع في دارفور، فبعد أن كانت المعارك تتم في الإقليم، صارت بهذا الهجوم تتم على مشارف العاصمة.
ومن خلال تطورات الأحداث في أم درمان يتبين أن هناك اختراقا عسكريا تم على المستويين الداخلي والخارجي، فبينما كان الجيش منشغلا بالاستعداد لمعارك أبيي، استغلت حركة العدل والمساواة حالة الفراغ التعبوي، وباغتت الحكومة. أما على المستوى الخارجي، فقد كشف وزير الدفاع السوداني الفريق عبد الرحمن محمد حسين أن قوى دولية قدمت الدعم لقوات العدل والمساواة عن طريق الأقمار الصناعية.
و مثل هذا الاختراق لم يحدث على جبهة ابيي التي استعدت لها الحكومة جيدا، لأن الخلاف بين المؤتمر الوطني الحاكم وشريكه في الحكم الحركة الشعبية كان قائما منذ أشهر على المستوى السياسي، ثم تطور الخلاف إلى مقدمات صدام عسكري منذ نهاية مارس الماضي، عندما عينت الحركة- من جانب واحد- إدارة للإقليم.
وبدأت هذه الإدارة في التحرش بالمسيرية، في محاولة للسيطرة على الأراضي والمراعي تمهيدا لتفريغ المنطقة والتحكم في منابع النفط، وهو ما اعتبرته الحكومة خروجا على اتفاق السلام الذي لم يحسم وضع ابيي. وقد اعتبر الرئيس عمر البشير ما جرى أمرا يمس سلطاته الدستورية، ولذا حدث تدخل الجيش.
هذه النتائج التي تمخضت عن معركتي ام درمان وأبيي تكشف أن أزمة السودان لا تزال عميقة رغم اتفاق نيفاشا، وأن هذه الأزمة ليست فقط من صنع حركات التمرد، بل هي أيضاً بنت مسلكيات حكومية مماثلة. فالحكومة - مثل خصومها - لا تزال متمسكة بنهجها القائم على تفضيل إدارة الصراعات الداخلية عبر الحلول العسكرية.
فمن مقدمات أزمة أم درمان ان الحكومة رفضت التجاوب مع دعوة حركة العدل والمساواة للتفاوض، في منتصف مارس الماضي، بينما رحبت فيه حركة تحرير جنوب السودان بهذه الدعوة. وفي الوقت ذاته ركزت الحكومة اهتمامها على حماية ابيي لأنها تحتوي على أغلب ثروة النفط، تمسكا منها بمصادر قوتها الاقتصادية، إذ تنتج ما يقارب من 75% من نفط البلاد.
وهذه المقدمات وما جاءت به من نتائج تشي بان اقتسام السلطة والثروة بين الأقاليم لايزال من رابع المستحيلات في السودان، مما يعني ان السودان لن يتخلص من أزماته الداخلية في الأمد المنظور، بل ان البلاد مرشحة لمزيد من الأزمات الداخلية والخارجية.
وقد برهنت التطورات الجديدة ان الهجوم على أم درمان ثم الحسم الذي تحقق ضد قوات حركة العدل والمساواة، لعبت فيه قوى إقليمية دورا مساندا مثل مصر، كما لعبت قوى أخرى دورا مضادا كتشاد وربما فرنسا. ففور حدوث الهجوم، سارعت مصر بإرسال جسر جوي محمل بالأسلحة والعتاد إلى الخرطوم.
ويعتبر التحرك المصري تحولا في التعامل مع الأزمات السودانية، بما يعني أن مصر قررت التخلى عن دور المحايد أو الوسيط في هذه اللحظة المفصلية المهمة للسودان ولأمن مصر القومي. بدليل ان هذا الإجراء العسكري، جاء متزامنا مع إجراء أمني وسياسي، تمثل في اعتقال ثلاثة من قيادات حركة العدل والمساواة منهم مدير مكتب الحركة بالقاهرة، أي ان القاهرة قررت التضييق على العدل والمساواة، ربما لعزلها إقليمياً ودوليا،أو للضغط عليها للقبول بصيغ سياسية جديدة.
ومن المحتمل أن تكون هناك تحالفات دولية جديدة تنشأ بشأن دارفور تلعب فيها مصر دورا محوريا. وليس مستبعدا أن يكون هذا ما استشعرته الحركة فشنت هجومها العسكري لإفساد هذه التحالفات. وبحسبة الربح والخسارة، فان الحركة الشعبية لتحرير السودان كانت الطرف الرابح. فهي لم تتورط عسكريا في معارك أم درمان، وبذلك لم تغضب العدل والمساواة (التي أعلنت مرارا أنها ترحب بالتحالف بينهما).
ولم تغضب الحكومة، بل جاملتها بعرض وضع كل إمكاناتها العسكرية تحت تصرفها، فامتدح الرئيس البشير لها هذا الموقف. وفي نفس الوقت استطاعت الوصول إلى تهدئة مع الحكومة في أبيي بعد أن احترقت أصابعهما معا في المعارك. حيث أكدت الحركة أنها تبذل قصارى جهدها لمنع اندلاع الحرب، داعية في الوقت ذاته إلى تشكيل قوة عسكرية مشتركة أو قوة سلام دولية في المنطقة المتنازع عليها.
لكن الحركة نجحت في لفت أنظار المجتمع الدولي إلى حجم المشكلة في الجنوب، ثم إظهار مرونة سياسية لم تكن متوقعة. وهي أيضاً كانت تراقب ما يجري في أم درمان، وترصد ردود الفعل الإقليمية والدولية، وهي ردود جاءت مؤيدة للحكومة رافضة للعدوان. ومما لاشك فيه أن الحركة اختبرت القوة الحقيقية للجيش السوداني وقوى الأمن في العاصمة من دون ان تطلق من بندقيتها رصاصة واحدة.
قالت الحكومة على لسان مصطفى عثمان إسماعيل مستشار الرئيس السوداني، أنها كانت على علم بتفاصيل الهجوم على أم درمان، وأنها كانت تراقب المهاجمين منذ انطلاقهم من تشاد، وتعمل على استدراجهم (الجزيرة نت:11-5-2008).
الا أن شهادات الشهود وتطورات الأحداث تكشف أن الحكومة كانت آخر من يعلم، وأنها فوجئت بما جرى، وإلا كيف نفسر وصول المهاجمين إلى أبواب العاصمة، منطلقين من دارفور إلى شمال كردفان في طريق امتد لمئات الكيلومترات من دون ان ترصدهم أو تعترضهم أية قوات حكومية، حتى بالقرب من القواعد العسكرية التي مروا بها.
أحمد الكناني