إذا أردت أن تكوّن فكرة عن مستقبل الطاقة المتجددة فما عليك إلاّ الذهاب إلى «مدينة مصدر»؛ الواقعة جنوب غرب مطار أبو ظبي الدولي. فهذه المدينة كناية عن مشروع إبداعي فائق، تصل كلفته عدة مليارات من الدولارات؛ اعتمدته عاصمة دولة الإمارات، ليكون النموذج للطاقة البديلة.
إن «مدينة مصدر» هي أكثر من حلم في الصحراء. هي بداية تحوّل أبوظبي، في مجال الطاقة البديلة. هنا في هذا المكان تنبت الألواح الزجاجية الشمسية من الرمل بالقرب من منشآت عديدة، حيث تجري عمليات الاختبار لمدة ثمانية عشر شهراً؛ قبل أن يرسو القرار على اختيار الطراز الأفضل الذي يتلاءم مع هذه البيئة الحارة.
إن مساهمة الإمارات البيئية، من خلال هذه المدينة، تشكل تحولاً جذرياً في مجال الطاقة، في المنطقة. فالنفط لن يدوم إلى الأبد. وهذه المنطقة تريد أن تتخلص من الاعتماد الكلي على الطاقة التقليدية. في هذا الإطار تأتي «مدينة مصدر» لتصوّب نحو الوجهة الكفيلة بضمان الازدهار الطويل الأمد. وحكومة الإمارات تبدو من خلال هذا المشروع، عازمة على الاستثمار البعيد المدى؛ والذي أطلقته في هذا المشروع عام 2006.
ففي مطلع العام الجاري استضافت عاصمة الإمارات» مؤتمر مستقبل الطاقة»، بحضور أربعة آلاف من الخبراء ورجال الأعمال، من مختلف أنحاء العالم. خلاله أعلن ولي العهد سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، عن ضخّ 15 مليار دولار، في هذا المشروع.
وقد وضع ذلك الإمارات، ليس فقط في طليعة بلدان المنطقة، في هذا الحقل؛ بل أيضاً في طليعة الدول الكبرى، العاملة في هذا المجال. وتنوي الحكومة أيضا المساهمة في استثمارات تهدف إلى خفض كميات الغازات المؤذية للبيئة والتي تتسبب في سخونة الأرض؛ كما في إنتاج الطاقة البديلة النظيفة.
وما يساعد أبوظبي في هذا المجال، أنها تملك طاقة شمسية هائلة تصلح لتكون الأساس في إنتاج ما تصبو إليه «مدينة مصدر»؛ التي من المقرر أن تكون جاهزة لخمسين ألف نسمة، بحلول عام 2016. وبذلك تقدم «مصدر» نموذجاً لمستقبل المدن وضواحيها، التي بإمكانها أن تتوسع دون الاختناق بغازاتها.
وبهذا النموذج تقوم أبوظبي بتوظيف مداخيلها الراهنة، من أجل تحضير اقتصادها لمرحلة ما بعد النفط. ولا يعني ذلك أن الاستثمار سيكون فقط في التكنولوجيا، بل أيضاً في الموارد البشرية؛ التي تقوم «مصدر» بالتعاون مع جامعة «أم ـ آي ـ تي » الأميركية، ببناء معهد لإعداد الكوادر العلمية اللازمة في هذا المجال.
ومع أن أبوظبي تدرك أن النفط باق، حتى إشعار آخر، المحرك الأول للثروة الوطنية؛ إلاّ أنها تعمل على أساس أن «مصدر» يكمل النفط ولا يحل محله. إن «مصدر» بداية عظيمة ويمكنها أن تحرّك الآخرين، مثل الولايات المتحدة، للعمل في هذا الاتجاه.