في مثل هذا اليوم من عام 1926.. ولدت أول جمهورية في تاريخ العرب الحديث، ورافق الميلاد إعلان دستور فريد من نوعه (يتعرض من حين لآخر للتعديل على مدى 80 عاماً). وبعد ثلاثة أيام من هذا الحدث التاريخي، اختير أول رئيس لهذه الجمهورية التي تعيش الآن بلا رئيس في ظل احتقان سياسي ينذر بالخطر ويهدد هذا البلد الذي يفخر كل عربي بتاريخه في تجاوز المحن والنكبات.
الحديث هو عن لبنان.. الذي وان كانت جمهوريته قد ولدت في أحضان الانتداب الفرنسي، إلا أن تجربته كنظام جمهوري هي الرائدة في تاريخ العرب قبل وبعد استقلالهم. البعض يرى أن اللبنانيين حصلوا على أول دستور لبلادهم بضربة حظ أو عثرة لسان،وأشاروا في ذلك إلى أنه قبل عام من مولد الجمهورية، كانت سوريا تعيش ثورة ضد الاحتلال الفرنسي امتد تأثيرها إلى لبنان. فأوعز الفرنسيون إلى البرلمان اللبناني لوضع دستور واختاروا مجلس شيوخ من 17 عضواً وانتخبوا شارل دباس كأول رئيس للجمهورية لمدة 3 سنوات وأعيد انتخابه لثلاث سنوات أخرى. وكان مجرد موظف في إدارة الانتداب الفرنسية ويشغل منصب مدير العدل. وبالنسبة للفرنسيين كان دباس المرشح الأوحد للمنصب رغم أنه كان من الروم الأرثوذكس وليس مارونيا. فقد فضلوه على أسماء وطنية أخرى بحكم انتسابه لإدارتهم وتعلمه في فرنسا إلى جانب أنه متزوج من فرنسية. وأشهر ما قاله بعد انتخابه: «أنا ما زلت موظفاً.. في إدارة العدل كنت موظفاً عند الحكومة اللبنانية، وفي رئاسة الجمهورية أنا موظف عند الشعب اللبناني».
وقد تمسك الفرنسيون بدباس رئيسا بعد انتهاء الفترة الثانية لولايته عام 1932. لرفضهم بشارة الخوري (الماروني الذي كان يحظى بتأييد الأغلبية البرلمانية) أن يكون رئيسا بسبب روابطه الوثيقة ببريطانيا. وقتها حلوا البرلمان وأقالوا الحكومة وأوقفوا العمل بالدستور، وكانت تلك هي المرة الأولى التي يعطل فيها الدستور. ويحسب للرئيس شارل دباس ـ كما تقول سجلات التاريخ ـ حرصه على أن يكون رئيسا للبلاد بعيدا عن الانقسامات الطائفية. ومن أجل المصلحة العليا للوطن، استطاع أن يستميل كل الطوائف اللبنانية وخاصة المسلمة مما جعله يظهر أمام الجميع منزها عن الطائفية التي لا تزال تجلب الشقاء لأبناء وطن الأرز. ويمكن القول بأن دستور 26، هو الذي كرس الطائفية. تم وضعه تحت تأثير فرنسي يعزز من سيطرتها على البلاد. ونص على أن يكون رئيس الجمهورية مسيحيا مارونيا، ورئيس الوزراء مسلما سنيا، ورئيس المجلس النيابي مسلما شيعيا، ووزير الدفاع درزيا.
ولكن بموجب القانون الدستوري الصادر في 21 سبتمبر 1990، أضيفت مقدمة للدستور القديم، تدعو إلى إلغاء الطائفية وتؤكد على سيادة واستقلال وعروبة لبنان. وهذه المقدمة أضيفت بعد عام من اتفاقية الطائف التي استهدفت إنهاء الحرب الأهلية وانتشال لبنان من ارث الطائفية والتدخلات الخارجية.فالفقرة المهمة التي يمكن أن تنزع فتيل الفتن إلى الأبد تقول: إن إلغاء الطائفية السياسية هدف وطني أساسي يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية.
ومن التعديلات التي أدخلت على الدستور طبقاً لقانون1990، المادة 22 التي نصت على أنه مع انتخاب أول مجلس نواب على أساس وطني لا طائفي يستحدث مجلس للشيوخ تتمثل فيه جميع العائلات الروحية وتنحصر صلاحياته في القضايا المصيرية.
وبالنسبة للمادة 49 الخاصة برئيس الجمهورية، فقد نصت بعد تعديلها في سبتمبر 90 على أن
رئيس الجمهورية ينتخب بالاقتراع السري بغالبية الثلثين من مجلس النواب في الدورة الأولى، ويكتفى بالغالبية المطلقة في دورات الاقتراع التي تلي. وتدوم رئاسته ست سنوات ولا تجوز إعادة انتخابه إلا بعد ست سنوات لانتهاء ولايته. ولا يجوز انتخاب أحد لرئاسة الجمهورية ما لم يكن حائزاً على الشروط التي تؤهله للنيابة وغير المانعة لأهلية الترشيح.
وبالنسبة للأوضاع التي ترتبت على الفراغ الرئاسي الناجم عن نهاية ولاية الرئيس إميل لحود، فقد ظهرت عقبات دستورية وسياسية أمام انتخاب قائد الجيش اللبناني ميشال سليمان للرئاسة .
العقبة الدستورية تمثلت في ضرورة تعديل الدستور الذي يحول دون انتخاب موظفي الفئة الأولى إلا بعد مرور عامين على استقالتهم. أما العقبة السياسية فهي تتعلق بإصرار المعارضة على أن يكون انتخاب سليمان في إطار اتفاق على عدة أمور من بينها الاتفاق على من سيكون رئيس الحكومة المقبل وكيفية توزيع الحقائب في الحكومة الجديدة والاتفاق على قادة الأجهزة الأمنية لاسيما قائد الجيش الجديد. مع العلم أن سليمان يحظى بتوافق بين أطراف الأزمة، وانتخابه ودخوله قصر بعبدا يفتح باب الأمل لعهد جديد يسوده الأمن والاستقرار والرخاء لشعب لبنان المبتلى بالفتن والصراعات الدامية.
لبنان في مفترق طرق. ونأمل كما نصت مقدمة دستوره المعدل في سبتمبر 1990 ،أن يبقى وطنا سيدا حرا مستقلا، وطنا نهائيا لجميع أبنائه، واحد أرضاً وشعباً ومؤسسات في حدوده المنصوص عليها في هذا الدستور والمعترف بها دولياً. ولابد قبل كل شيء، أن تمحى الطائفية السياسية التي هي سبب معاناته وآلامه.
إضاءة
المعارضة اللبنانية طرحت صيغا للتعديل الدستوري تتجاوز الحكومة، مثل تعليق العمل بالمادة 49 التي تحظر انتخاب موظفي الفئة الأولى، أو إقرار التعديل في مجلس النواب مباشرة من دون المرور بالحكومة.
وهذه المادة هي الوحيدة التي عُدِّلت ست مراتٍ، وأثارت الكثير من الجدل الفقهي والدستوري والسياسي على حدٍ سواء. والسبب أنها مختصة باستحقاق دستوري غاية في الأهمية والحساسية هو استحقاق انتخاب رئيس البلاد. وكانت المعارضة قد اشترطت حصولها على الثلث المعطل في الحكومة الجديدة للسير في انتخاب قائد الجيش لرئاسة الجمهورية، في حين رفضت الغالبية ذلك.
حسن صابر