قامت تركيا، في الأشهر القليلة الماضية، بخطوتين كانتا بمثابة إعلان لدخولها إلى المنطقة؛ من موقع اللاعب. الأولى تمثلت في توغل قواتها في مناطق شمال العراق. الثانية كانت في الزيارة التي قام بها رئيس الحكومة، رجب طيب أردوغان، إلى دمشق؛ كوسيط بين سوريا وإسرائيل.
العملية العسكرية في العراق، كانت في إبعادها وتوقيتها وظروفها؛ أبعد من ملاحقة مقاتلي حزب العمال الكردستاني. لم يقم الحزب بعمليات من الوزن الذي يستدعي توغلاً بهذا الحجم. كانت رسالة بأن تركيا أيضاً، وليس إيران لوحدها، لها مصالح في العراق وتنوي حمايتها.
ولم يقتصر هذا الدخول إلى الساحة العراقية على الجانب العسكري، بل كان سبقه دور سياسي، كشف عنه أردوغان، عندما قال بأن مشاركة السّنة في العملية السياسية كان ثمرة لجهود تركيا.
أيضاً زيارة أردوغان إلى دمشق، كانت أكثر من مجرد وساطة وإبلاغ رسالة من أولمرت تتضمن «موافقته على الانسحاب من الجولان في مقابل السلام». حضوره جاء بمثابة إشهار وإطلاق لدور دبلوماسي كبير، في ملف الصراع العربي الإسرائيلي ككل؛ مع التركيز الآن على المسار السوري. هو أشار إلى ذلك عندما قال ان بلاده «ستكون لها مساهمتها في السلام، بين إسرائيل والفلسطينيين». الجانب الإسرائيلي كشف أن «عملاً تمهيدياً» تمّ انجازه لاستئناف محتمل للتفاوض مع سوريا.
في هذا الإطار طاول التحرك التركي، أيضاً، الأزمة اللبنانية؛ من البوابة السورية. أردوغان فاتح دمشق بالموضوع، من زاوية أن أية مساهمة سورية في حلحلة المأزق اللبناني، من شأنها أن تصب في تسهيل مهمته كوسيط في قضية الجولان. وكان قد فتح خطوط تواصل، منذ حرب صيف 2006 ولا يزال، مع أطراف هذه الأزمة، اللبنانيين والإقليميين.
اتكأ أردوغان، في اقتحامه ساحة ملفات المنطقة؛ على ثلاث أوراق: رصيده ومقبوليته وحاجة الأطراف المعنية، لدورمساعد. فهو أولاً، ابن مدرسة جذورها إسلامية معتدلة، في السياسة. يمثل مرحلة تركية وسطية، تجسّدت في «حزب العدالة والتنمية»، الذي أوصله إلى الحكم. موقع مهّد له المسرح. ثم انه من عام 2003، بدأ رحلة التعديل، في سياسة تركيا الشرق أوسطية.
أول خطوة كانت في رفضه فتح أجواء وأراضي تركيا، أمام القوات الأميركية،؛ في الحرب على العراق. ثم في إبداء برودة دبلوماسية واضحة، منذ البداية، تجاه إسرائيل. حضور وتوازن ، كان بمثابة بطاقة قبول لدور تركي جديد. أسعفه في ذلك وأعطى دفعة زخم لدخوله، أنه يستند إلى قاعدة شعبية صلبة. بها وصل إلى البرلمان ومنه إلى الحكم. في انتخابات 2007، نال 46% من الأصوات.
واقفاً على هكذا أرضية، استدار أردوغان شطر المنطقة،التي أدرك أنها بحاجة إلى لاعب، تملك تركيا مواصفاته. العراق يحتاج إلى توازن في معادلته. واشنطن الغارقة في رماله، بحاجة إلى مساعدة سياسية. سوريا محشورة ومضغوطة، تبحث عن متنفس. أولمرت، أيضاً، يتطلع إلى مخرج، يعفيه من التزامات السلام مع الفلسطينيين ومن همومه الداخلية. يضاف إلى كل ذلك أن الساحة خالية، في ظلّ غياب دور عربي فاعل. والأهم من ذلك أن نفوذ إيران يكتسح المنطقة.
الحراك التركي هذا، يخدم ثلاثة أهداف، محلية وجيواستراتيجية. مع لعب دور إقليمي وازن، يعزّز أردوغان مدرسته في الداخل ويخفف من حدة التوتر بين الجيش، حامي الأتاتوركية؛ وبين القاعدة العريضة، غير العلمانية. ومعه أيضاً يؤسس لبناء توازن مع إيران ومحاولة لجم اندفاعها في المنطقة. وأخيراً ربما بدأ يدرك بأن دخول تركيا إلى النادي الأوروبي، بات بعيد المنال. وربما متعذراً.
مما يوجب الالتفات إلى الجوار الطبيعي وتعزيز دور تركيا وحضورها، في ساحاته. لقد غابت هذه الأخيرة طويلاً عن شاشة رادار المنطقة وقضاياها. من زمان هي محسوبة في خانة أميركا وإسرائيل. خاصة بعد الاتفاقية العسكرية مع هذه الأخيرة عام 1996. أردوغان عازم، على ما يبدو، على تغيير هذه المعادلة.؛ خدمة لمصالح تركيا الشرق أوسطية.