سارعت دول الاتحاد الأوروبي مؤخراً إلى التهليل والترحيب بنتائج الانتخابات الصربية التي أظهرت تقدماً لصالح حزب بوريس تاديتش الموالي للغرب، وخرجت علينا وسائل الإعلام الغربية بعناوين تعلن الانتصار المطلق لتاديتش من قبيل: «التحالف الموالي للاتحاد الأوروبي يفوز بالانتخابات الصربية» و«حزب تاديتش الصربي يعلن فوز المعسكر الموالي للاتحاد الأوروبي» و«القوى الموالية للاتحاد الأوروبي تفوز في صربيا».
لقد بدت هذه العناوين بالنسبة للمراقبين الذين لا يعرفون الكثير عن حقيقة الوضع في صربيا وكأن المسألة قد حسمت والجزرة الأوروبية التي قدمت للصرب قد أعطت مفعولها وأن الأمور عادت إلى نصابها، وتوهم البعض بأن « مشاكل صربيا قد حلت ومنطقة البلقان قد استقرت وبات لدى صربيا الآن حكومة موالية للاتحاد الأوروبي».
كان الأمر ليبدو أسهل من ذلك بكثير لو أن ما قيل صحيح، ولكن الواقع في صربيا يقول غير ذلك. فالحرب السياسية من أجل تشكيل حكومة جديدة في صربيا لم تبدأ بعد. ووفق المؤشرات المتوفرة، فإنها قد تسفر عن نتائج غير متوقعة أو قد تفشل وتتطلب عودة جديدة إلى صناديق الاقتراع بالنسبة للناخبين الصرب. كما أن صربيا تعتبر ساحة لتصفية حسابات عالقة بين أوروبا والولايات المتحدة من جهة وروسيا من جهة أخرى.
صحيح أن النتائج التي أعلنت حتى الآن تظهر تقدم حزب تاديتش على بقية الأحزاب الصربية التي خاضت الانتخابات، حيث حصل على ما يقارب 39% من الأصوات، بينما حل الراديكاليون في المرتبة الثانية بنسبة 2 ,29% من الأصوات يليهم الحزب الديمقراطي بزعامة كوستونيتشا بنسبة 34 ,11%، ولكن الانتخابات البرلمانية الصربية لا تعتمد نظام من يحقق أعلى الأصوات هو الفائز. فالفائز الحقيقي هو من يحصل على أكثر من 50% من الأصوات أو يستطيع تشكيل تحالف لديه 126 مقعداً من أصل 250 مقعداً في البرلمان الصربي، وهو الحد الأدنى المطلوب بموجب الدستور من أجل تشكيل الحكومة.
والواقع يقول إن حزب تاديتش لا يملك بمفرده ما يكفي من المقاعد لكي يكون قادرا على تشكيل الحكومة ولا يبدو أن لديه ما يكفي من الأصدقاء والحلفاء بين الأحزاب السياسية الصربية لإنجاز ذلك الهدف.
الخيارات والفرص المتاحة
إذن ما هي الخيارات المتاحة أمام القوى الميالة للغرب في صربيا، وما هي فرصها في تشكيل حكومة جديدة؟ هناك 90 يوماً أمام تاديتش كي يشكل الحكومة، ولكن فرصه في تحقيق ذلك تبدو ضئيلة. من الناحية الحسابية، يستطيع حزب تاديتش أن يحصل على الأغلبية المطلوبة بتحالفه مع الراديكاليين، غير أن هذا التحالف مستبعد لأسباب كثيرة ليس أقلها أنهما على طرفي نقيض في التوجه السياسي العام.
ويستطيع تاديتش أن يتحالف مع حزب كوستونيتشا، ولكن هذا التحالف أيضاً مستبعد نظراً للعلاقة السائدة بين الحزبين وقيام تاديتش بتوقيع اتفاقية مع الاتحاد الأوروبي كان قد رفضها كوستونيتشا. المفارقة هي أن الخيار الوحيد الممكن أمام تاديتش هو أن يتحالف مع الاشتراكيين، أي حزب ميلوسوفييتش سابقاً، غير أن هذا التحالف لن يمنحه العدد المطلوب من المقاعد في البرلمان وسيحتاج إلى دعم أحزاب الأقليات مثل المسلمين والألبان والأقلية المجرية.
إن حصول تاديتش على تأييد أحزاب الأقليات أمر مضمون، ولكن تحالفه مع الاشتراكيين سيدمر صورته النرجسية في الغرب وسيكون زواجاً هشاً ينهار عند أول مشكلة تصادفه. كما أن الاشتراكيين قد لا يتحمسون لمثل هذا التحالف. وهكذا، فإن الاحتمال الأقرب هو أن يحدث تحالف بين الراديكاليين وحزب كوستونيتشا مع الاشتراكيين، وهو ما يمنحهم مجتمعين العدد الكافي من المقاعد في البرلمان لتشكيل الحكومة الجديدة ويهمش حزب تاديتش ويحرمه من فرصة الفوز الحقيقية.
وإذا لم يحصل ذلك، فإن الشعب الصربي هو الذي سيحسم المسألة بالعودة إلى صناديق الاقتراع فنشهد من جديد عرضاً لهذا السيرك الذي تلعب فيه قوى صربية وأوروبية وروسية وأميركية.
ضرار عمير