على مدى خمسة أيام حاول الكاتب الكبير جهاد الخازن من خلال سلسلة مقالاته حول «الإسلام والغرب» في صحيفة «الحياة» أن يبيع لنا المياه في حارة السقايين ـ حسب تعبيره ـ ولكنه فشل فشلا ذريعا. والمشكلة أن الموضوع الذي تناوله، حسب وصفه، مهم جدا ومتناول ومتداول، ولا بد من رد عاقل موضوعي هادئ.
غير أن رده جاء في غاية الضعف. والمشكلة الأكبر أن مقالات الخازن، حسبما يذكر أيضا، تترجم إلى الإنجليزية وهو ما يمثل دفاعا قد يلحق الضرر بالقضية التي نصب نفسه للدفاع عنها. من بين نقاط الضعف فيما كتبه الخازن اعتماده على القرآن فقط «منعا للجدال» حسبما يقول، رغم أن طبيعة الموضوع تفرض الاعتماد على مصادر أخرى وهى عديدة وخصبة وبالغة الثراء، فضلا عن أن الموضوع الذي يتناوله ذاته جدالي، فكيف يتجنب الجدال في موضوع كله جدل في جدل.
وتتمثل نقطة الارتكاز في تناول الخازن على قاعدة أنه إذا كان هناك ملاحظات يمكن أن يوردها البعض علينا وعلى ديننا كمسلمين، فإن هناك ملاحظات أكبر شأنا بشأن الأديان الأخرى اليهودية والمسيحية، وهو ما يمثل ذماً في صورة مدح في ضوء التأكيد على حسن نوايا الخازن. وإلا فكيف يمكن فهم إشارته إلى أنه إذا كان الإسلام لم يساوي بين الرجال والنساء، حسب دراسة أجراها في مرحلة من عمره، فإن انعدام المساواة أكبر في المسيحية!
وكذلك فإن الخازن في رده على ما ورد في فيلم «فتنة» للنائب الهولندي غيرت ويلدرز، جاء رده وكأنه يحمل نوعا من الإقرار الضمني بمنطق الفيلم، رغم أن ذلك قد يكون مقبولا في إطار الحرية الشخصية للخازن نفسه، لا أن يجيء في سياق الدفاع عن المسلمين وإلا اعتبر الأمر بمثابة خداع.
وبتعبيرات مخففة لما ورد في «دفاع» الخازن فإنه إذا كان ويلدرز نعت الطرف الإسلامي بالعنف، فإن ذلك لا يمكن مقارنته بما ورد في التوراة من إبادة جنس. إن الأمر لا يعدو، من وجهة نظرنا، سوى أن يكون محاولة للرد على تهمة بـ «نقيصة» بالإشارة إلى أن هناك من هو أكثر نقصا! وهو دفاع بالغ الضعف! ووصل الأمر بالخازن، وهو الكاتب الحاذق والقدير، ان تاهت منه خيوط موضوعه، فأضاع حلقتين كاملتين من خمس حلقات هما الأخيرتان، في قضية بعيدة كل البعد عن موضوعه، أو في أفضل الأحوال تمثل استطرادا لن يضيف الكثير للقارئ، فضلا عما أشرنا إلى ما تحتويه من ضعف.
كان يمكن للخازن أن يدخل لموضوعه، إذا كان ولابد له من الخوض فيه، من الزاوية اليسيرة عليه، من خلال تناوله بالنقد والتحليل للأخبار شبه اليومية والتقارير التي تهاجم الإسلام والمسلمين والتي تمثل أكبر ملف في مكتبه، على ما يذكر وهو ما لم يره من قبل في 40 سنة من العمل الصحافي. ولسنا في وارد تحديد ما كان للخازن أن يتناوله، ولكن القضية التي يعرض لها متشعبة ومتعددة الأبعاد وهو قادر على تناولها من زاوية محددة وبحيادية باعتباره مراقبا عربياً عاش طويلا في الغرب.
ويكفي هنا أن نشير إلى القضايا التي تعج بها بريطانيا وحدها، حيث تصدر «الحياة»، على صعيد قضية الوجود الإسلامي في الغرب، بما يعكسه من مجالات احتكاك، ومن ذلك قضية اندماج المسلمين هناك وهى قضية بالغة الحيوية وخضعت لقدر كبير من الدراسات خاصة الأكاديمية في الجامعات البريطانية ذاتها، والمخاوف من أسلمة أوروبا.
وأبعاد ومظاهر الافتراء البالغ على الإسلام والمسلمين من واقع التقارير التي أشار إلى ازدحام مكتبه بها، والخلفيات السياسية والفكرية للصدام الحاصل بين العالمين الإسلامي والغربي. وقد تطول القائمة ولا تنتهي وتتجاوز هذه السطور حال محاولتنا رصد القضايا مجال الاشتباك التي يمكن من خلال التحاور بشأنها إيجاد أرضية للانطلاق إلى التفاهم المشترك، على الأقل بين الأطراف التي تؤمن بذلك في كل جانب. هذه ليست سوى مجرد ملاحظات نأمل أن يتسع صدر الخازن بـ «ليبراليته» الكبيرة لتقبلها، وأن يتأنى بعدها في بيع المياه في حارة السقايين!