إذا كان رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل إسحق رابين تمنى يوما لو أنه صحا من نومه ليجد أن غزة قد غرقت في البحر ليتخلص مما كان يعتبره كابوس القطاع، فإنه على الصعيد العملي يبدو أنه كان يقرأ،على نحو صحيح، جانبا من جوانب الصراع الإسرائيلي فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية.
فما زالت غزة تمثل شوكة في خاصرة إسرائيل على النحو الذي دعا تقرير لجهاز الشاباك ومجلس الأمن القومي الإسرائيلي إلى الإشارة إلى أن القطاع يعد الجبهة الأكثر نشاطا في ضوء تعرض إسرائيل، حسب التقرير، باستمرار لنيران الصواريخ التي تنطلق من هناك حيث تسيطر حركة حماس.
وعلى خلفية هذه الذريعة تفرض إسرائيل في محاولة لتجاوز هذا الكابوس حصارا مشددا على القطاع تحول معه الوضع هناك بشهادة منظمات دولية إلى الأسوأ منذ حرب عام 1967 عندما احتلت إسرائيل القطاع.
وفي ذلك تصف بعض هذه المنظمات الحصار الإسرائيلي بأنه عقاب جماعي غير شرعي مؤكدة على فشله في تحقيق الأمن لإسرائيل.
غير أنه رغم ما سبق، ورغم الأهمية التي يمثلها القطاع والأوضاع الإنسانية فيه من مشكلة، إلا أن النقطة الجديرة بالاهتمام هنا هو ضرورة الانتباه إلى ألا يكون ذلك مقدمة لجر الطرف الفلسطيني والعربي بالتالي إلى مناطق للتعاطي مع الأمر على نحو يضيع معه الهدف النهائي وهو التوصل إلى تسوية للقضية الفلسطينية ككل على نحو يحقق المطالب التي ساد الكفاح من اجلها عدة عقود.
هنا نشير إلى أنه مما يؤخذ على النهج القائم من قبل مختلف الأطراف الفلسطينية في ضوء تطورات الوضع الراهن ما يبدو إقرارا بصيغ الطرح الإسرائيلي بشكل أو بآخر، مما يعزز المخاوف من فكرة جر الفلسطينيين والعرب إلى القبول بتسويات لم يكونوا على استعداد للقبول بها في مختلف مراحل الصراع.
ومن الأمور ذات الدلالة في هذا الصدد حديث بعض الأوساط الإسرائيلية في مراحل سابقة عن دولتين فلسطينيتين واحدة في الضفة وأخرى في غزة وهو طرح كان البعض يشير إلى أنه بالغ الشطط، وإن كانت الأحداث أكدت أنه ليس كذلك، وأنه قد يجد طريقه إلى الواقع في لحظة من لحظات تطور الصراع.
ويعزز الانقسام القائم بين حماس والسلطة الفلسطينية من سير القضية على طريق السيناريوهات الإسرائيلية وبما يعزز من قبضتها على القطاع رغم الإدانات المتكررة التي تصدر عن الرئيس الفلسطيني محمود عباس.
حيث يسهم هذا الانقسام في لعب تل أبيب على الاختلافات بين الطرفين، وهو ما يكشف عما يذهب إليه البعض من تأكيد على حقيقة اختزال الحديث عن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي إلى مستوى الحديث عن مشكلة قطاع غزة، على النحو الذي يوهم بأنه تم حل الأبعاد الأخرى للصراع. هذا فضلا عما يؤدي إليه هذا الانقسام من صرف الأنظار عن قضايا الحل النهائي بفعل استنزاف الطرفين، حماس والسلطة، في قضايا الخلاف بينهما.
ما ينبغي التأكيد عليه أنه مع ضرورة الاهتمام بكل تفاصيل عملية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، إلا أن ذلك ينبغي أن يتم في سياق الوعي الكامل بمساعي تل أبيب لتفتيت القضية وبشكل خاص انطلاقا من غزة التي تمثل رأس حربة في الصراع.