إذا كان هناك مجال لوقفة متأنية تدور حول حكمة الحكومة اللبنانية على خلفية قراراتها الأخيرة على نحو يثير التساؤلات حول الأبعاد الحقيقية لهذه القرارات، فإن هناك وقفات حول خطاب نصر الله، والذي يمكن تلخيصه بأنه «خطاب استقوائي» أيا كانت مبررات هذا الاستقواء. وإذا كانت الحكومة سعت بقراراتها إلى خنق المعارضة بققاز من حرير، فإن الحزب سعى لمواجهتها بخنجر بدا مسموما بنذر الحرب الأهلية، على نحو يمكن معه القول إن حزب الله سقط في الفخ الذي نصب له بامتياز.

فمن ناحية لم يترك نصر الله في خطابه شكا للحظة في أنه ماض إلى السلاح لحماية سلاح الحزب. ومن ناحية ثانية وجه اتهاما مباشرا وصريحا للحكومة بالعمالة وتنفيذ مخطط أميركي إسرائيلي، وهو اتهام ربما يحمل من الصحة الكثير، غير أنه يفتح أبواب المواجهة على مصراعيها. ومن ناحية ثالثة فقد تناول نصر الله وليد جنبلاط بأوصاف كان المواطن العربي يتصور أن لسانه يعف عن ذكرها ـ بغض النظر عن صحتها.

لقد غابت السماحة في مفردات خطاب سماحة السيد حسن نصر الله وبدا أنه يتجه إلى مصيره الذي رسمته له الجهات التي اتهم الحكومة بالسير على هدى خططها. فمن المعلوم للقاصي والداني أن رأس حزب الله ـ وليس نصر الله فقط ـ على قائمة المطلوبين في مرحلة ما بعد الإستقواء الأميركي عقب أحداث 11 سبتمبر، ومن هنا يبدو غريبا انسياقه على الدرب المرسوم، حتى إن خطاب نصر الله بدا وفق ما استنتجت وسائل إعلام عربية، ومعها كل الحق، وكأنه إشارة البدء الفعلي لتدشين عمليات بروفة الحرب الأهلية.

وبغض النظر عن لغة بعض وسائل الإعلام التي يشتم منها المرء رائحة غير نزيهة في موقفها من الأزمة اللبنانية، لا يمكننا أن نلمس عنوانا أوفق من ذلك الذي نشرته إحدى الصحف بإشارتها صبيحة الخطاب «تصعيد أمني واسع لحظة انتهاء المؤتمر الصحافي لنصر الله» وفيما أشارت إليه أخرى بقولها «لبنان يشتعل عقب خطاب نصر الله».

إن أدق توصيف للخطاب أنه أشبه بكلمة سر على شاكلة ما جرى لحظة تأميم عبد الناصر لقناة السويس، وفيما كانت «ديليسبس» كلمة سر ناصر، فإن خطاب نصر الله بأكمله كان كلمة السر، الذي على إثره انطلقت المواجهات والتي استخدمت فيها أسلحة رشاشة وخفيفة وقذائف أر بي جي وقنابل يدوية أعاد إلى الأذهان ذكريات الحرب الأهلية الأليمة.

قد يكون من الصعب على الكثيرين استيعاب وتقبل هذه الرؤية لحزب بنى أمجاده على التماهي مع طموحات الجماهير العربية التي رأت فيه مرآة أحلامها وأمانيها، غير أنها حقيقة، تؤيدها مشاهد أنصار حزب الله في بيروت، الأمر الذي أتاح الفرصة للبعض ممن يتصيدون الأخطاء له يصفون هذا الوجود بـ «الاحتلال الثاني لبيروت»، فيما راح آخرون يستخدمونه في التشهير بالحزب بأنه بدلا من أن يقاتل في شوارع تل أبيب يقاتل أبناء جلدته في عاصمة بلاده. ولكن ماذا كان يمكن لنصر الله وحزبه أن يفعلوا.. ذلك موضوع آخر.