الارتفاع الجنوني في أسعار السلع الأساسية.. أزمة الخبز.. إضراب 6 إبريل.. مصادمات المحلة الكبرى.. الحزب الوطني نافس نفسه في انتخابات المحليات.. وحالة الغليان والغضب بين المواطنين المصريين نتيجة الارتفاع الكبير في الأسعار.. كلها قضايا وعناوين أصبحت حديث الشارع المصري ليل نهار هذه الأيام في ظل حقيقة أن ارتفاع الأسعار الذي أصبح يلتهم ميزانية المواطنين المعدمة أصلاً وفي ضوء تضخم ابتلع دخولهم الضعيفة.

لقد طال الارتفاع الجنوني في الأسعار كافة السلع سواء سلع الرفاهية أو الشعبية منها حتى أن هناك من يسخر قائلاً: انه لم تعد هناك وجبة شعبية في مصر! فحتى أسعار الفول المدمس ارتفعت، وأصبح الكيلو منه بتسعة جنيهات، كما أن زجاجة زيت الطعام ارتفعت إلى 13 جنيهاً بعد أن كانت تباع في السابق بحوالي ثلاثة جنيهات «الدولار الأميركي يساوى 40,5 جنيهات مصرية».

ارتفاع مبرر

وتؤكد الحكومة المصرية أن الارتفاع له ما يبرره نظراً لارتفاع الأسعار العالمية لكن هذا الارتفاع العالمي في الأسعار لا يقابله زيادة في الرواتب فضلاً عن أنه فاق الوصف وبدا مبالغاً فيه فبعض السلع الأساسية تجاوز معدل الزيادة في أسعارها أكثر من مئة في المئة في غضون أشهر قليلة حتى أن الفرد يمكن أن يلحظ تغييراً في أسعار السلع التي يشتريها أسبوعياً. وينبه محمود العسقلاني الناطق باسم حركة «مواطنون ضد الغلاء» إلى أنه إذا لم تدرك الحكومة المصرية خطورة الموقف فإننا نتجه إلى انفجار أكبر من ذلك الذي شاهدناه عام 1977.

ولعل ما حدث 6 ابريل الجاري وما تبعه من مصادمات في المحلة الكبرى كما يرى العديد من المراقبين يكون بمثابة خطوات على الطريق ربما لن تكون الأخيرة في المرحلة المقبلة، حيث لم يكن يوم الأحد 6 إبريل يوماً عادياً بأي مقياس رغم تباين مواقف من ينظرون إليه سواء من يقولون انه نجح واستجاب الكثيرون للإضراب عن العمل أو من قللوا منه ونتائجه.. خاصة وأن ثقافة الإضراب جديدة على الشارع المصري.

إضرابات واعتصامات

اللافت أن السلطات الأمنية في مصر تعاملت مع المظاهرات والإضرابات والاعتصامات التي حدثت في الأيام القليلة الماضية بشدة مفرطة ظهرت من خلال لهجة التحذيرات التي أصدرتها وزارة الداخلية المصرية والتعامل العنيف من قبل أجهزة الشرطة مع الاحتجاجات وقمعها بالقوة، وهو ما دفع منظمة «هيومن رايتس ووتش» إلى مطالبة الحكومة المصرية بإجراء تحقيق محايد في استخدام الشرطة للقوة ضد المتظاهرين في مدينة المحلة الكبرى الصناعية «بوسط الدلتا» متهمة الشرطة باستخدام قوة مميتة ومفرطة لا ضرورة لها.

رداً على التظاهرات الموسعة والعنيفة في بعض الأحيان يومي 6 و7 ابريل الماضي وتسببت في مقتل اثنين احدهما شاب عمره 15 عاماً إلى جانب حملة اعتقالات طالت العشرات من المتظاهرين نال حركة «كفاية» النصيب الأكبر منها.

حول خط الفقر

ويعيش 40 في المئة تقريباً من سكان مصر الذي يقارب حالياً 80 مليوناً تحت أو حول خط الفقر الرسمي كما حددته الأمم المتحدة، والمقدر بدولارين في اليوم في وقت تشير فيه إحصاءات رسمية إلى ارتفاع متوسط أسعار السلع الغذائية بنسبة تصل إلى 5,26 في المئة لكن الواقع يشير إلى أنها تجاوزت نسبة مئة في المئة، فيما ما زالت معدلات دخل الطبقتين المتوسطة والدنيا ثابتة دون حراك.

ويصف القيادي البارز في الحركة المصرية من أجل التغيير «كفاية» جورج إسحاق لـ «البيان» ما حدث من جانب أجهزة الأمن المصرية يوم 6 ابريل وما تبعها في أحداث المحلة بأنه يمثل قمة الانتهاك لحقوق الإنسان من خلال تعاملها المفرط مع مظاهر الاحتجاج علي سوء الأوضاع الاقتصادية وتردي الأحوال المعيشية وانخفاض مستوى الدخل لأدنى مستوياته والارتفاع الجنوني في الأسعار والتي دفعت المواطنين للخروج للمطالبة بإيجاد حلول للمشاكل التي تثقل كاهلهم.

واستجابوا لنداء الديمقراطية بالتعبير الحر عن موقفهم من خلال التظاهر السلمي والاعتصام وهو ما أثار حفيظة النظام وتعامل مع الموقف بعنف مفرط وغير مبرر ولا إنساني. وقال إسحاق: لقد منعت من ارتداء ملابسي واقتادوني بملابس النوم إلى مكان غير معلوم»، مشيراً إلى أن النيابة أمرت بالإفراج عنه على ذمة التحقيق وتم منعه من السفر لحين استكمال التحقيقات والمحاكمة.

واقع مأساوي

ومن جانبه انتقد المنسق العام لحركة «كفاية» عبد الوهاب المسيري بشدة الأسلوب الذي تنهجه الحكومة والنظام المصري في معالجة المشاكل والأزمات التي تكاد تعصف بمستقبل الوطن وتخنق المواطن محدود الدخل، متهماً إياها بأنها تتعامل مع الواقع المأساوي للمواطن المصري وكأنها تعيش في «جزر منعزلة لا تشعر ولا تعرف أي شيء عن معاناة المواطنين»، مشيراً إلى أن الشعب المصري لم يخرج عن صمته من فراغ ولم يتحرك إلا بعد أن ألهب ظهره سوط الأسعار.

وقال المسيري: إن الشعب المصري شعب يتحمل الصعاب ويصبر على المآسي وخروجه هذا يؤكد أنه فاض به الكيل وهو السبب الرئيسي في انزعاج النظام الحاكم لأنه استشعر الخطر وأن هذا بداية حقيقية للخروج عليه.

وطالب المسيري بضرورة العمل على إعادة الحياة الديمقراطية بعد أن خرجت على يد الحزب الوطني الحاكم في مصر ولم تعد ثانية وأن يتم تعديل الدستور بما يحقق مصالح الشعب والوطن.

ويرى المراقبون أن كل شيء في مصر يؤكد أن قوانين السوق معطلة بفعل فاعل، أو فاعلين عديدين، يتحينون أية فرصة لخلق الأزمات وتقليل المعروض من السلع ورفع الأسعار بهدف الاستغلال والتربح علي حساب قوت الشعب ابتداء من عصابات تهريب الدقيق إلى بعض أصحاب المخابز إلى مجموعات المحتكرين لبعض سلع الغذاء إلى مستوردي البقول الذين رفعوا أسعار الفول والعدس إلى حدود تزيد على ضعف الثمن في غضون شهور بما يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الاعتماد على قوانين السوق في غيبة قوانين تحارب الاحتكار وتحمي حقوق المستهلكين وتحدد هوامش الربح وفق حسابات التكلفة للسلع المهمة يكاد يكون نوعاً من الوهم الخادع.