أصبحت ظاهرة العنف إحدى المشكلات التي تسترعي الاهتمام بعدما انتشرت الظاهرة في مجتمعاتنا وبات لها تأثير اقتصادي واجتماعي. ولا يقتصر العنف عند الكبار إنما بين الأطفال أيضا، فما هي أسبابه؟ وما هي طرق الوقاية منه؟ وما هو دور الأسرة ومراكز الطفولة في معالجة العنف لدى الأطفال؟

بادئ ذي بدء، ان العنف هو الضغط النفسي او المادي بطريقة فردية او جماعية على شخص ما او مجموعة أشخاص. في ضوء هذا التعريف تظهر أنواع العنف لكن جميعها تخفي خلفها أسبابا موحدة نحصر بحثنا او تقريرنا من خلالها بالعنف عند الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة.

تعتبر الأسرة عنصرا من عناصر إكساب الطفل العدوانية والسلوك العنيف.

فوجود طفل معاق يخلق لدى الأهل صعوبات في تقبل الطفل وحالته وفي التواصل معه، مما يدفع بالأهل إلى اعتماد أسلوب عنيف مع الطفل فيكون عرضة لعنف دائم ومستمر، هذا فضلا عن شعور الأهل بأنه عبء مادي و»عيب« اجتماعي، و إلقاء كل فرد من أفراد الأسرة اللوم على الآخر، يجعل من الطفل الضحية الأولى لوضعه ولأسرته على حد سواء، خاصة إن وجود هكذا حالات قد تؤدي إلى تفكك اسري يخلق معه عنفا متزايدا ومتناميا. كما أن العوامل التي تعرض الطفل للعنف تجعله عدوانياً في مجتمعه.

الصراع داخل الأسرة

سبب آخر من أسباب العنف عند الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة يكمن في ما يسمى بدورة العنف، فالصراع داخل الأسرة على السلطة المؤدية إلى العنف والمشاكل بين الوالدين يدفع بالطفل إلى تقليد ما يراه علما أن الطفل ذا الحاجة الخاصة له قدرة كبيرة على التقليد، فهو قادر على أداء العنف الذي يتعرض له أو يراه بطريقة واضحة ومؤلمة.

العجز عن التواصل

ومن أسباب العنف عند الأطفال ما هو نفسي نابع من وضع الطفل وحالته بحد ذاتها، وهو قد يكون أهم أسباب العنف عند الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة، فإن عجز الطفل عن التواصل والتعبير عما يريده أو يعاني منه له الأثر الكبير والواضح على تصرفاته وعلى ردود فعله. وهكذا يكون انقطاع الطفل عن العالم الخارجي وغياب قدرته على التواصل ولو بكلمات بسيطة أو حتى بالإشارة تجعله في حالة مربكة يعجز فيها عن التعبير خاصة في أوقات الحزن والألم حيث يتجلى العنف في أوضح صوره.

التدخل ضروري

ظاهرة العنف تقتضي تدخلا دائما من الأسرة ودور مراكز رعاية أصحاب الحاجات الخاصة في توجيه الطفل ووقايته من العنف. فما هو دور الأسرة ومراكز الرعاية في المعالجة وطرق الوقاية؟

إن للأسرة ومراكز رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة دورا هاما في معالجة حالة العنف هذه. فعلى أفراد الأسرة اتخاذ موقفين متلازمين: يتمثل الأول في عدم إظهار مشاكلهم وتعنيف كل واحد للآخر أمام طفلهم، على أن تحل المشاكل بعيداً عن الطفل وإبقاء جو الهدوء والتناغم بين أفراد الأسرة كي ينتقل هذا الجو إلى الطفل.

يضاف إلى ذلك ضرورة أن يتفهم الأهل حالة الطفل وواقعه مبتعدين عن تحميله أو تحميل أنفسهم أو بعضهم البعض مسؤولية هذه الحالة والانصراف إلى العمل على مساعدة الطفل وتوجيهه ودعمه ومساعدته على تخطي وضعه.

يحتاج الأهل بدورهم إلى المساعدة إما من الناحية المادية أو من الناحية المعنوية. لذلك فإن مراكز الرعاية الخاصة تلعب دورا كبيرا في هذا المجال، إذ تساعد الأسرة معنويا بتقديم الدعم والمساندة. فهم يزودون الأهل والأسر بالمعلومات اللازمة عن الطفل وحالته كما تساعدهم على تقبلها وتفهمها والتعايش معها.

هذا فضلا عن تقديمها الأساليب المنهجية للدراسة لتساعدهم بالتالي على اتباع النظم التي من شأنها مساعدتهم والتي تصب في مصلحة الطفل؛ وهنا يظهر دور الأخصائي النفسي والاجتماعي والتربوي في تحمل مسؤولياته وتقديم المساعدة اللازمة.

ولا تقتصر المساعدة على هذه المراكز فقط إنما تتعداه لتشمل المجتمع والنظام ككل كونه راعيا لأفراده وحافظ لحقوق مواطنيه. فكما ترعى الأنظمة والقوانين حقوق المواطنين الأسوياء وتحافظ على مصالحهم وحقوقهم، عليها أولا أن تضع القوانين التي تحمي حقوق الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة وعليها ثانيا أن تسهر على تطبيق هذه القوانين وفق ما يضمن العدالة للجميع.

كما يمكن للأنظمة أن تساهم في تخفيف الأعباء المادية عن طريق تقديم تسهيلات ومساعدات مادية كبطاقة ذوي الاحتياجات الخاصة التي تسهل الإجراءات الروتينية في المرافق العامة و تعطيه الأولوية في المراكز التجارية والمؤسسات الحكومية، بالإضافة إلى أنها تقدم له خصومات خاصة على الأدوية أو في المستشفيات.

كما يمكن للمساعدات ان تقدم الى مراكز الرعاية الخاصة كون معظمها يعتمد على المساعدات والهبات. يمكن للنظام الاجتماعي أن يخصص جزءًا من عائدات مرفق معين لهذه المراكز أو أن تُعفى هذه المراكز من الرسوم لتتمكن من القيام بعملها براحة تامة ولينعكس ذلك على تخفيف الضغط على الأهل وبالتالي العنف على الأطفال.

إذا عجزنا عن تخفيف الأسباب المعنوية للعنف الخارجة عن إرادة الفرد، فلنكن قادرين على

تخفيف أسبابه المادية، فتتضافر جهود المجتمع والدولة ومراكز الطفولة والأهل، كل من ناحيته وعلى طريقته، لتنصب جهود الجميع في مصلحة الطفل وقدرته على الانخراط في المجتمع أسوة بغيره من الأفراد لأنه يبقى عنصرا من عناصره.

ريما أنطونيوس

معلمة تربية خاصة