طرأت تحولات جذرية حديثاً على نظريات الإدمان جعلتها من الماضي وعقيمة. وتبلور ذلك في بحث حديث يظهر أنه لا وجود لعفريت المخدرات الذي ما ان يسكن النفس البشرية حتى ترى نفسها عالقة، وليس هناك لحالات إدمان ناجمة عن خلل ما في جسم الإنسان. ولكن الحقيقة هي أن الطبيعة تمتلك أصنافاً من النباتات التي لديها القدرة على أن نصبح عالقين، ولذلك ننغمس في سلوكيات إدمانية لدرجة ما.
نرى أن الملايين في أنحاء العالم على ما يبدو يكونون عالقين في عادات إدمانية لا تقتصر على المهدئات والأمفيتامينات والكوكايين بل في تناول النيكوتين والكفايين والسكر والسترويدات والعمل والرغبة في السرقة والمقامرة أو القيام بتدريبات رياضية وحتى الإدمان على الحب والجنس والحقيقة أن هناك حروباً شعواء يتم شنها اليوم على المخدرات وقد بدأت هذه الحرب قبل أكثر من قرن.
ففي عقد التسعينات من القرن الماضي أنفقت الولايات المتحدة وحدها نحو 45 مليار دولار على مثل هذه الحروب دون أن تشهد هذه الحروب أية نهاية على الرغم من تطور وسائل جديدة لمعالجة الإدمان التي تتراوح ما بين الجراحة النفسية والتحليل النفسي والساكاديليكس والتوجه تلقائياً للعلاج في عيادات الإبر الصينية ومجموعات المواجهة والعلاج الأسري والعلاج عن طريق التنويم المغناطيسي والتأمل والتعليم والحب الذي يجعل الإنسان يجمح عن كل شيء.
وفي خضم ذلك ليست هناك أية نهاية للخلاص من الإدمان وتأثيراتها الخطيرة ولا تلوح أية حلول جذرية في الأفق.
والجديد وفقاً للأبحاث العلمية الحديثة هي أن المتخصصين في الدماغ والعقل والسلوك يعاودون التفكير بفكرة الإدمان برمتها، واعتماداً على العلوم العصبية والإحياء الجزيئية ومبحث الأدوية وعلم النفس والجينات يتحدى العلماء الأفكار الافتراضية الثابتة وعلى الاعتقادات الشعبية الراسخة، وبعد ذلك يكتشف هؤلاء العلماء وجود سمات مشتركة بين المدمنين.
ويستخدم العلماء في توجهاتهم الجديدة تقنيات التصوير المقطعي الجديدة للاطلاع على طبيعة الإدمان وكيف يشعر المدمنون وأين تتفاعل وتنشط الرغبة بالإدمان في الدماغ ويستنتجون أن الأمور مثيرة لليأس وأبعد ما كانوا يتصورون ولكن سرعان ما يستبدلون كل تلك التخمينات بحقائق!
وتعلم العلماء، على سبيل المثال، أن كل ميدان بدءًا من الأنواع البسيطة للأسماك إلى الزواحف والقوارض والكائنات البشرية يتقاسمون اللذات الأساسية نفسها ودائرة »الجوائز« في الدماغ، وهي الدوائر التي تنشط وتستمر في النشاط عند الاتصال بالمواد الإدمانية أو خلال فعل ممارسة اللذة عند تناول الطعام أو حالات الشعور باللذة الجنسية، وتشير هذه الأدلة إلى مسألة مهمة وهي أن السلوك الإدماني هو سلوك عادي وجزء طبيعي من حياتنا العصبية، ولو لم تكن تلك السلوكيات أو كانت نادرة فإن الطبيعة ما كانت تركت الرغبة على الإدمان تتطور وتستمر وتلتصق بكل كائن حي من حولنا.
يقول البروفيسور ألن مارلات مدير مركز أبحاث سلوكيات الإدمان في جامعة واشنطن كل إنسان أو كائن ملتصق بسلوكيات إدمانية لمدى معين للبقاء ولتعزيز قدرة عالية على البقاء. أننا نشعر فورا بنتائج تثير لدينا الامتنان ويصعب علينا بعدها التخلي عن الإدمان، وهو لا شك تعريف قريب وجيد نوعا ما للإدمان.
ويرى العالم النفساني والصيدلاني ستيفن تشايلدرز من كلية طب باومان جراي من كارولانيا الشمالية »إن الحقيقة التي لا مفر منها هي أن الطبيعة قد وهبتنا القدرة على أن نصبح منغمسين لأن الدماغ نفسه منغمسة في نظام المكافأة ، تماما مثل انغماسه في نظام الألم والحقيقة أن هناك أموراً قد تثير بالصدفة ذاك النظام ويجعلنا قريبين من حالة الإدمان.
ويرى ستيفين تشايلدرز أن »أدمغتنا لم تطور مستقبلات تخديرية لإغرائنا بالإدمان على الهيروين كما أن نبات الكوكا لم يطور الكوكايين لإنتاج ما نطلق عليه إدمان الكوكايين، لأن هذه النباتات لم يكن لديها خطة لإنتاج مادة يدمن عليها الدماغ ولكن إدمان الهيروين والكوكايين يحكي لنا بالتأكيد الكثير حول كيف يقوم الدماغ بوظائفه.
وتتلخص طريقة القيام بعملها أنك عندما تجرب وتتذوق وتمر بتجربة تجعلنا تشعر بالانتعاش فإن ذلك يعزز لديك الرغبة للقيام بنفس الشيء وتكراره. فالحوافز الأساسية لتناول الطعام وممارسة الجنس والشعور باللذة تنشط لدى الإنسان مراكز المكافأة في الدماغ والتي تمثل جزءاً من الطبيعة البشرية.
تفكير جديد ومشكلة قديمة
إن ما نطلق عليه اليوم »إدمان« لهذا المعنى هي حالات ذات صلة بظواهر جيدة ونافعة تقوم باحتجاز رهائن ولها تبعات اجتماعية وصحية مريعة ، وأدت هذه الرؤية إلى تحديد مناطق محددة في الدماغ لها صلة بتلك المشاعر ودوائر المكافأة.
ويقول الدكتور تشايلدرز » في حالة الإدمان على المخدرات نعلم أن هناك مناطق في الدماغ لها صلة بالذاكرة والتعلم وبالجزء الأقدم من الدماغ العاطفي الانفعالي، وهي بذلك مناطق مثيرة للاهتمام أنني متفائل بأننا سنكون قادرين على تطوير استراتيجيات جديدة لمنع وعلاج الإدمان«.
ويتعارض الفهم الجديد للإدمان مع الفهم القديم والتقليدي المخيب للآمال.
وقد يقول البعض ساخراً أن كل شيء يتسبب في الإدمان قد تسأل مجموعة من الناس تعريف الإدمان وما هي الأسباب التي تتسبب فيه وقد تحصل على مجموعة من الإجابات وقد يصمم البعض على أن الإدمان هو فشل أخلاقي أو ضعف روحي أو خطيئة أو جريمة يرتكبها أناس لا يتحملون مسؤولية سلوكياتهم.
ويقولون إذا أراد المدمنون تدمير أنفسهم فليكن ذلك فهو خطأهم، وقد اختاروا طريق الخطيئة.
يرى الأشخاص غير المدخنين على الخمر والساسة أن هذه المشكلة خاصة بعدم القدرة على التحكم بالذات أما بالنسبة لعلماء الاجتماع فإن الفقر هو السبب، أما المربون فإن الجهل هو السبب، ولكن إذا سألنا بعض علماء النفس والأطباء النفسانيين فسيقولون انها سمات شخصية، ومزاجية وأن الإدمان يكمن في جوهر تلك السمات الشخصية، ذات الصفة الادمانية.
أما على الأحياء فيميلون إلى القول ان كل ذلك يكمن في الجينات والعامل الوراثي. أما العالم الانثروبولوجي فيعتقد أن السمات التراثية هي التي تتحكم بحالة الإدمان. أما آخرون فإنهم يعزون الإدمان إلى تفتت الحياة الأسرية وتآكل قيمها. لكن النظرية الأكثر انتشاراً هي أن سلوكيات الإدمان هي أمراض.
وفي ضوء ذلك فإن المدمن هو أشبه بمريض السرطان أو السكري فإما هو مصاب بهذا المرض أو غير مصاب، وتشير نظرية المرض إلى أن الحالات الادمانية لا يمكن شفاؤها وهي غير عادية وأن الطريقة الوحيدة للعلاج هي التجنب الشامل للمادة المكيفة أو المهزرة وضرورة أن يواكب ذلك الامتناع الكامل عن المواد الإدمانية وأن يراقب الإنسان نفسه باستمرار.