الحمى المخية الشوكية هي ثاني أهم الأمراض التي تنتقل عن طريق الجهاز التنفسي، والتي قد تنتشر بصورة وبائية بين التجمعات، وتلي في أهميتها مرض الأنفلونزا. وهي مرض معدٍ حاد خطير وقاتل، من الأمراض التي تنتقل عن طريق الرذاذ، يصيب السحايا (الأغشية المغلفة للمخ والنخاع الشوكي)، يظهر فجأة، ويتميّز بارتفاع درجة الحرارة، وصداع، وتصلب الرقبة، وقيء.

مسببات المرض: 1. نوع من البكتريا، (Neisseria meningitides meningococci)، وهي مكورات ثنائية، رقيقة جداً، تموت في درجة (20-18) بعد ساعات عدة ، وتموت في الحال في درجة (100م)، كما تموت بأشعة الشمس المباشرة خلال (8) ساعات، وتتأثر بسرعة بالمواد الكيميائية، إذ يقضي عليها محلول %1 فينول أو ليزول في دقيقة واحدة، والميكروبات كاملة التطفّل، ولذلك لا تنمو في المختبر على الأوساط العادية. 2. قد يسبب بعض الميكروبات الأخرى الالتهاب السحائي، وهي: أ - بكتيريا: هيموفيلس أنفلونزا - النيموكوكس - ايشيريشيا كولاي - ميكروب الدرن - ب - الفيروسات المسببة لبعض الأمراض:

وتسبب ما يعرف بالتهاب السحايا العقيم، مثل:

- فيروس التهاب الغدة النكفية

- فيروس شلل الأطفال

- فيروس الحصبة

- فيروس الجديري

- انتقال عدوى المرض

لا يصيب المرض سوى الإنسان، ولذا فإنه المصدر الوحيد للعدوى، وهو إما إنسان مريض أو حامل سليم (الذي يحمل المرض ولم يسبق إصابته به أو تحصينه ضده).

ويعدّ المريض مصدراً للعدوى في جميع فترات المرض، ولكنه أكثر خطورة للمحيطين به خلال أسبوع أو أسبوعين من الشفاء من الحامل الناقه، حيث (يشفى المريض إكلينيكياً ولكنه يستمر في إفراز ميكروبات المرض، ولذا يجب استمرار حجز المرضى بالمستشفيات حتى يتم التأكّد بكتريولوجياً من خلوهم من الميكروبات)، بينما يعتبر الحامل السليم أقوى وأهم مصدر للعدوى.

ويتوقف عدد حاملي المرض على عدة عوامل، منها: فصول السنة، ودرجة انتشار الوباء، واختلاط المرضى بالأصحاء. وقد تكون نسبة حاملي المرض في الظروف العادية%8-2 ، فإذا ارتفعت إلى %15-10 نتوقع ظهور الوباء، وقد تصل النسبة في الأوبئة الشديدة إلى %70. ويظل الفرد حاملاً للميكروب فترة تبلغ في المتوسط من -12 20يوماً ولكنها قد تزيد عن ذلك.

انتقال العدوى

1. الهواء الذي يحمل الرذاذ المتطاير من أنف وفم المريض أثناء العطس والسعال والكلام، ولذا فإنه كلما صغرت المسافات بين الأَسرّة في المعسكرات كلما ازدادت فرصة انتشار المرض.

2. في بعض الحالات الفردية قد تحدث العدوى بالملامسة عن طريق الأيدي الملوثة، والمفروشات، والملابس، وأدوات النظافة الشخصية الخاصة بالمريض.

3. عن طريق المياه والطعام، ولكن هذه الوسيلة نادرة الحدوث جداً، وذلك لعدم تحمّل الميكروبات للمعيشة في الوسط الخارجي.

4. العدوى قد تكون ذاتية Auto-infection عن طريق انتقال ميكروبات المرض مباشرة من بؤرة مجاورة، كالتهاب الأذن الوسطى Otitis media، والتهاب الخشاء (العظم الموجود خلف الأذن) Mastoiditis، والتهاب الجيوب الأنفية.

وقد وُجد أن العوامل التي تساعد على انتشار المرض هي:

- سوء الحالة الاجتماعية.

- سوء الحالة الصحية.

- الإقامة الطويلة في الأماكن الرطبة المظلمة.

- الازدحام الشديد في المعسكرات، وبخاصة في أماكن المبيت.

- سوء التغذية وغيرها من الأسباب التي تؤدي إلى إضعاف المقاومة.

أعراض المرض

ينتشر المرض دائماً في فصلي الشتاء والربيع من كل عام، ويعتبر الأطفال أقل من 5 سنوات هم أكثر الفئات قابلية للإصابة بالمرض.

وقد وجد في بعض الأوبئة أن نسبة الإصابة هي %63 للأطفال دون الخامسة، و%80 للأطفال أقل من 15 سنة، أما في المعسكرات فأكثر الأفراد إصابة بالمرض هم من بين 18 25- سنة.

بعد فترة حضانة تمتد من يومين إلى سبعة أيام، تدخل ميكروبات المرض الجسم خلال الغشاء المخاطي المبطن للفم والحلق والقصبة والشعب الهوائية، ثم تصل إلى الدم ومنه إلى سائر أنسجة الجسم، ولكنها تجد الأغشية المحيطة بالمخ والنخاع الشوكي أنسب الأماكن لمعيشتها وتكاثرها، فتحدث الإصابة بالالتهاب السحائي.

وتتوقف أعراض المرض على حقيقتين رئيستين:

الأولى: أن الميكروبات المسببة للمرض تؤدي إلى تهيّج السحايا ونسيج المخ الذي يكمن تحتها.

الثانية: أن الجمجمة صندوق مغلق، وأية زيادة في محتويات هذا الصندوق كما يحدث في إصابات الالتهاب السحائي تؤدي إلى زيادة الضغط داخل الجمجمة.

يشعر المريض بصداع مؤلم جداً في مؤخرة الرأس، كما يشعر بوعكة عامة، وترتفع درجة حرارته.

وأول علامة قد تثير الريبة في هذا المرض هو تصلّب عضلات العنق، ولا تلبث هذه العلامة أن تتوطد بوضوح، بحيث يشعر المريض بألم كلما أراد ثني عنقه إلى الأمام، ومن ثم فإنه يرقد على الفراش ورأسه مائل إلى الوراء، فإذا طُلِب منه أن يدلي ذقنه نحو صدره نفر من ذلك بشدة، وكثيراً ما تعروه نوبات من القشعريرة في هذه المرحلة، فإذا كان طفلاً أصيب بنوبات تشنجية. ربما حدث قيء، دون أن يتناول المريض طعاماً، ولكن ذلك أكثر شيوعاً بين الأطفال منه بين الكبار.

أما حالة المريض البدنية والعقلية فتتخذ طابع تهيّج المخ، فتراه مكوّماً على الفراش، غير راغب في الحركة، يكره كل تدخل من الآخرين، سواء أكان لإطعامه، أم لفحصه طبياً، أم للتحدث إليه. وربما دهمته نوبة من الهذيان، فينطق بسخافات أو يرقد في الفراش صامتاً جامداً لا يلقي بالاً لشيء مما حوله، وهو مفتوح العينين يحدق أمامه بنظرة جوفاء.

والأطفال الصغار الذين يصابون بهذا المرض يتعرّضون لجمود الحركة، ولكنهم يطلقون صرخة ثاقبة من حين لآخر. وفي بعض حالات هذه الحمى يظهر طفح جلدي على الجسم والذراعين خلال الأسبوع الأوّل من المرض، وقد يتخذ الطفح صورة بقع كبيرة وردية اللون، كما قد يكون شبيهاً بطفح الحصبة، ويفقد المريض وزنه بسرعة.

وإذا مُدِّد المريض على ظهره فوق الفراش، وبُسطت إحدى ساقيه مستقرة عليه، ثم ثنيت الأخرى من عند الركبة، بحيث تلامس قدمه الإلية، فسرعان ما يتبين أنه ليس في الإمكان أن تستقيم الساق المثنية بغير أن يحدث ذلك ألماً شديداً للمريض، وبغير أن تثنى الساق الممدودة على الفراش.

تشخيص المرض

1. الكشف الإكلينيكي على المريض، وتحديد الأعراض والعلامات السريرية.

2. التشخيص المعملي:

فحص السائل المحيط بالنخاع الشوكي بعد إجراء »بزل قَطْني« Lumbar puncture، حيث يبدو هذا السائل عكراً في حالات الحمى المخية الشوكية عند سحبه، نظراً لوجود كثير من الخلايا الصديدية فيه، وإذا وضعت هذه الخلايا الصديدية تحت مجهر قوي جداً أمكن رؤية الميكروبات التي أحدثت المرض فحص عينة من دم المريض، وذلك في فترة تواجد الميكروب في الدم فقط.

أخذ مسحة من الحلق وفحصها مجهرياً.

أما المتوفون فتؤخذ العينات من: المخاط من التجويف الأنفي، الصديد من الأغشية الموجودة بالعمود الفقري، كما تؤخذ عينات من الأعضاء الملتهبة، ومسحة من الجلد عند وجود بقع نزفية.

في بعض الأحيان يكون عدد الميكروبات الموجودة في العينة قليلاً جداً، بحيث تستلزم رؤيتها تحت المجهر العمل على تكاثرها أولاً بتغذيتها لمدة أربع وعشرين ساعة على الأقل في وسط يحتوي على بروتين حيواني، مع الاحتفاظ بها في حضانة تحت درجة حرارة مناسبة.

تشخيص المرض بشكل حاسم يحتاج إلى وقت طويل نسبياً لإعطاء النتيجة، لذلك يعتمد الأطباء في تشخيص المرض على الصورة الإكلينيكية. وفي أثناء تفشي المرض بصورة وبائية يجب اعتبار أي شخص معتل الصحة بدرجة شديدة مصاباً بالحمى المخية الشوكية حتى يثبت العكس بعد عمل الاختبارات البكتريولوجية.

يعمل الباحثون الآن على تطوير بعض الاختبارات المعملية التي تساعد على التشخيص السريع للمرض وتحديد الميكروب المسبب له، وبذلك نقي المريض من عمل البزل القطني.

الوقاية من الحمى المخية الشوكية

الإجراءات الوقائية:

- الاستطلاع الوقائي للسكان المحيطين بالوحدات، ومراقبة نسبة الإصابة بينهم.

- اكتشاف حاملي الميكروب في الوقت المناسب وعلاجهم، وذلك بملاحظة حالة الأنف والحلق أثناء فحص أفراد الوحدة.

- منع الازدحام، والاهتمام بنظافة أماكن النوم وتهويتها باستمرار.

- منع الإجهاد وتشجيع الأفراد على قضاء وقت كافٍ خارج الحجرات، وتعريض أنفسهم لأشعة الشمس.

- التثقيف الصحي للأفراد.

- يتم تحصين جميع المخالطين باللقاح الواقي، وذلك لمن لم يسبق تطعيمهم خلال العامين السابقين، كما يعطى العلاج الواقي (Rifampicin) لجميع المخالطين.

2. إجراءات المكافحة:

- الاكتشاف المبكّر للحالات وعزلها وإخلائها إلى المستشفى، ولا يسمح للمريض بمغادرة المستشفى إلاّ بعد الفحص المعملي مرتين متتاليتين، للتأكّد من أنه غير حامل للمرض، على ألاّ يتم ذلك قبل انقضاء 21 يوماً من بدء المرض.

- فحص جميع الأفراد كل عشرة أيام لاكتشاف حاملي الميكروب وإرسالهم فوراً إلى المستشفى.

- التبليغ السريع لقائد الوحدة والرئاسة الطبية العليا.

- البحث الوبائي الكامل لمصدر العدوى والمخالطين وحالتهم الصحية.

- التطهير النهائي لمصدر العدوى، وتبخير المفروشات والمهمات، وغلي الأطباق والأواني.

- تشديد الإجراءات الوقائية.

علاج المرض

كان علاج الحمى المخية الشوكية إلى ما قبل اكتشاف مركبات السلفا Sulphonamides مقصوراً على حقن المريض بالمصل في القناة الشوكية، وكان هذا العلاج ينجح أحياناً، ولو أن الانتكاس كان كثير الحدوث.

ولكن العلاج بمركبات السلفا قضى على هذا الفزع الذي كان يستولي على الناس كلما تذكروا العلاج المؤلم الذي كان مستعملاً من قبل، كما أدى إلى تغيّر وجهة النظر نحو هذه الحمى، إلى أن ظهرت بعض سلالات الميكروب المسبب للمرض والتي لا تتأثّر بمركبات السلفا كما حدث في العام 1963م، عندما فشلت في السيطرة على تفشي المرض بصورة وبائية في الجيش الأمريكي بمنطقتين مختلفتين، الأولى: في سان دييجو San Diego Naval Training Center، والثانية: بكاليفورنيا Fort Ord, California.

في الوقت الحالي، فإن استخدام البنسلين وما تلاه من المضادات الحيوية المكتشفة حديثاً، والتي أثبتت فعالية ضد ميكروبات هذا المرض، أدى إلى التغلّب على هذه المشكلة.

تتلخص خطوات العلاج في:

1. ضرورة علاج حالات الحمى المخية الشوكية في المستشفى، لأن المرض ليس منهكاً للقوى فقط، ولكنه يحتاج إلى مهارة في التمريض.

2. إعطاء المريض المضادات الحيوية المناسبة بالجرعات الكافية لقتل ميكروب المرض، ويجب أن يبدأ العلاج بعد توقيع الكشف الطبي على المريض، وحال الشك في إصابته بالحمى المخية الشوكية دون الانتظار لظهور نتائج الاختبارات المعملية.

3. فور تحديد نوع الميكروب المسبب للمرض، يعطى المريض المضاد الحيوي المناسب للميكروب، ويجب أن يستمر العلاج في حالة الإصابة Neisseria meningitidis حتى بعد زوال الحمى بخمسة أيام، أما في حالة الإصابة بأي من Hemophilus influenzae أو Pneumococci، فيستمر العلاج بعد زوال الحمى بعشرة أيام، وذلك خوفاً من انتكاسة المريض.

4. تعطى مركبات الكورتيزون Hydrocortisone للمريض عند وجود دلالة على قصور في وظيفة الغدة الكظرية Adrenal gland (Waterhouse - Friderichsen syndrome).

5. الاهتمام بتغذية المريض، كما يُعطى سوائل بكثرة, في بعض مراحل المرض، قد يكون المريض شبه متنبه فقط، ولذلك لا يمكن الاعتماد على عملية البلع، مما قد يؤدي إلي سلوك الطعام مجريً خاطئاً فيذهب بعضه إلى الرئتين، ومن ثم ينبغي الالتجاء إلى تغذية المريض بواسطة أنبوبة تدخل في أنفه بمعرفة الطبيب ثلاث أو أربع مرات يومياً.

6. إعطاء المريض بعض الأدوية التي تحتوي على الفيتامينات والأملاح المعدنية اللازمة للجسم.

7. ينبغي المحافظة على انتظام عمل الأمعاء.

8. مسح الجسم بالماء الفاتر يساعد على تهدئة اضطراب المريض عندما تبلغ الحمى ذروتها.

9. على الذين يتولّون العناية بالمريض وتمريضه أن يبذلوا اهتماماً شديداً بنظافته التامة، وأن يقصروا اتصالهم على أقل عدد ممكن من الأشخاص في أثناء قيامهم بأعمال التمريض.

نبذة تاريخية

عُرف هذا المرض منذ العام 1805م، وقد كان واسع الانتشار في أوروبا وأميركا خلال القرن التاسع عشر، أما الآن فيحدث على شكل أوبئة محدودة، ويعتبر موسم الحج موسماً لانتشار المرض، نظراً للازدحام الشديد مع احتمال حمل بعض الحجاج لميكروب المرض من المناطق القادمين منها والتي قد يتوطن بها المرض.

للمرض في المجال العسكري أهمية خاصة، لخطورته وسرعة انتشاره، فقد أفادت التقارير الطبية الخاصة بالحرب العالمية الثانية في الفترة من يوليو عام 1941م حتى يونيو عام 1943م إصابة أكثر من (5000) شخص أميركي من المدنيين والعسكريين بمرض الحمى المخية الشوكية، %67 منهم كانوا من المجندين حديثي الالتحاق بالخدمة العسكرية (3 شهور أو أقل).

أما في المجال المدني، ففي ربيع عام 1999م، أعلنت وزارة الصحة السودانية عن تفشي مرض التهاب السحايا بصورة وبائية في مناطق متفرقة، حيث أصاب (000 ،21) شخص، وخلَّف (1500) حالة وفاة.

د. حسام الدين داود أيوب