درس الثانوية العامة الأيرلندية، رغم حصوله على درجات عالية في الثانوية العامة في الدولة، لأنها كانت شرطاً للالتحاق في كل الطب هناك، وهكذا التحق الدكتور وليد يوسف راشد الشحي الشاب الصغير ابن السابعة عشرة بمقاعد الدراسة في دبلن عاصمة أيرلندا ليدرس الثانوية الأيرلندية على مدى عامين في دبلن.
ينضم بعدها إلى كلية الطب وليحقق بعدها حلمه في الحصول على الدكتوراه تخصص مفاصل بينما يتوقع الآن وبعد بضعة أشهر الحصول على شهادة دكتوراه ثانية في مجال أمراض القلب والشرايين لدى مصابي الروماتيزم. قامت »الصحة أولاً« بزيارة خاصة للدكتور وليد وحاورته حول دراسة الطب حتى حصوله على الدكتوراه من كلية الجراحين الملكية في دبلن بأيرلندا. ما هي الحوافز التي دفعتكم لدراسة الطب؟ - كانت رغبتي في البداية دراسة الهندسة لمساعدة والدي المقاول، وكان هو يطمح أن يكون ابنه البكر مهندساً يسهم معه في عملية بناء شركة المقاولات لكن زيارتي المتتابعة لمستشفيات الدولة لاصطحاب جدي الذي أنهكه مرض هشاشة المفاصل، جعلني ألاحظ ندرة الأطباء المواطنين المتخصصين في مجال علاج المفاصل.
فخلال تلك الفترة أي بين العامين 1986-1987 لم يكن هناك أطباء مواطنون متخصصون بما فيه الكفاية. وفي ضوء تلك الملاحظات تبلورت لدي فكرة دراسة الطب، والغرض كما قلت هو علاج جدي، ولما أنهيت دراسة الطب فكرت جدياً بدراسة تخصص يفيد جدي ألا هو تخصص أمراض المفاصل، وكان جدي في ذلك الحين يعاني من هشاشة العظام. وهكذا فإن علاجه كان محور تفكيري، وما كدت أحصل على شهادة الامتياز حتى انتقل جدي إلى رحمة الله، ولم أحظ بشرف علاجه. ولكن على الرغم من وفاته، فإنه كان الحافز الأول وراء تخصصي في علاج المفاصل. والحقيقة فإن هذا التخصص لا يزال نادراً بين الأطباء المواطنين، وهكذا كنت من أوائل المواطنين الذين تخصصوا في هذا المجال، وأتمنى أن يرتفع هذا العدد خاصة وأن هناك في الدولة أكثر من 40 ألف مريض يعانون من التهاب المفاصل والهشاشة وهؤلاء يعانون أيضاً من النقرس والذئبة الحمراء.
هل واجهتم أية مشكلات خلال دراستكم في دبلن أو أي منغصات جعلتكم تفكرون بالعودة إلى الإمارات وترك الدراسة؟
- كان ذلك في السنوات الأولى للدراسة. فقد كانت الغربة ثقيلة ومتعبة بالنسبة لشاب صغير لم يكن يتجاوز السابعة عشرة من عمره.
لقد غادرت رأس الخيمة ولم أكن أدري عن العالم الخارجي أي شيء. لكن وجود عدد من طلبة الإمارات ودول الخليج العربية شجعني على البقاء والاستمرار، وهو بالطبع خفف من أعباء الغربة.
والأمر الثاني الذي دفعني إلى مواصلة الدراسة هناك هم المواطنون الأيرلنديون. فهم محترمون وطيبون جداً واستثني من ذلك القوانين الأيرلندية التي كانت تمييزية وتصنف أبناء الخليج بين الدول المتخلفة.
لكن سياسة الدولة وتقاربها مع أيرلندا جعلت الأمر يبدو مختلفاً.
لقد كان الحصول على تأشيرة دخول إلى أيرلندا أم المشكلات ، فهم كانوا يطلبون أوراقاً كثيرة كما كنا نرسل الجوازات عن طريق الـ»دي إتش إل« إلى السعودية للحصول على التأشيرة.
عملنا خلال دراستنا على إقناع الأيرلنديين بأن دول الخليج ثرية وليست كدول العالم الثالث الأخرى، ويمكن لمواطنيها دفع أموال وهم ليسوا كما دول العالم الثالث الأخرى الفقيرة، ولن يكونوا بأي حال عبئاً على ميزانية الدولة الأيرلندية. وحثثنا الأيرلنديين على فتح الأبواب أمام الطلبة الخليجيين.
ولك أن تتخيل كيف اختلفت الأمور، فقد افتتحت أيرلندا سفارة لها في الإمارات وبات الحصول على تأشيرة الدخول لأيرلندا في يوم واحد.
ولم تعد إجراءات الإقامة هناك بذلك التعقيد.
أذكر أنني تحدثت إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عن تلك الأوضاع لدى زيارته لدبلن وقال لنا إن الوضع سيتغير، وبالفعل تغير كل شيء بصورة جذرية بعد فترة قصيرة، وباتت العلاقات الدبلوماسية والتجارية بين الإمارات وأيرلندا وثيقة للغاية. وصارت شركتا طيران واحدة إماراتية وأخرى أيرلندية تسيران رحلات إلى العاصمة الأيرلندية.
وباتت التذكرة رخيصة ولا يتجاوز سعرها أكثر من 2600 درهم. ما هي المعايير التي يتم على أساسها قبولكم في الدراسة هناك؟ - كانت المعايير ارتفاع مستوى درجاتنا في الثانوية الأيرلندية. لقد حصلت على درجات عالية ولذلك قبلت في الكلية الملكية الأيرلندية للجراحين. وكان مجموع الخليجيين الذين قبلوا 23 طالباً، وفي الوقت ذاته رفض عدد من الطلبة الآخرين، لأنهم لم يحصلوا على الدرجات المناسبة في الثانوية الأيرلندية. لقد سئلت عن الأسباب التي عززت لدي الرغبة لدراسة الطب.
لقد اقتنعوا بالأسباب التي سقتها لهم ولكنهم رغم ذلك كانوا يلحون على سؤال واحد: »هل كان والدك ، شقيقك أو أمك طبيبة؟ الواقع لم يكن بين الخليجيين أحد تنطبق عليه تلك المواصفات سوى عدد من الطلبة المصريين. وعلموا أن المحفزات في بلدنا ضعيفة رغم استعداد الدولة لتمويل دراسة أعداد كبيرة من طلبة الطب، ولم يكن عدد الأطباء الإماراتيين يتجاوزون المئتين في أحسن الأحوال.
وهذه نسبة ضعيفة مقابل الآلاف من الأطباء الوافدين. ورأيت أن الأطباء الوافدين طارئون، بينما الطبيب المواطن مستقر في بلده وتلقى على أكتافه مهمة القيام بعمليات التغيير والتطوير.
والحقيقة إن أبناء البلد هم المطالبون بتولي عملية التطوير والتغيير تلك. ورأيت أنه إذا بقيت نسبة الأطباء الإماراتيين محدودة، فإن التغيير لن يحدث أو أنه سيسير ببطء وليس في كل التخصصات. ما هي عوائق التغيير التي تواجهونها في الدولة؟
- حتى الآن لم يتم تشكيل جمعية للأطباء المتخصصين في علاج المفاصل في الإمارات. هناك جمعية لهشاشة العظام وأخرى لأمراض المفاصل، ولكن ليست هناك جمعية تضم كل أطباء المفاصل بحيث يلتزم الجميع بالمعايير الدولية. فهناك أدوية إذا أسيء استخدامها تؤدي إلى مضاعفات وعواقب وخيمة، وهناك بعض الأطباء يصرفون الدواء دون أن يفحصوا المريض فحصاً جيداً.
ينبغي ربط أطباء المفاصل في الدولة بشبكة كما هو الحال في بريطانيا، ومن خلال ذلك يمكن التعاون للقيام بأبحاث تؤدي إلى تطوير الأطباء أنفسهم. وأعني أن هناك على سبيل المثال الحالات المرضية في الإمارات التي تختلف عن أية أمراض في أماكن أخرى بسبب الخصوصية الجينية لأبنائها. فمرض الذئبة الحمراء التي كنا نراها في أيرلندا تتراوح ما بين الخفيفة والمتوسطة والشديدة، أما في الإمارات فكلها شديدة.
والسبب هو العامل الوراثي. فالجينات في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا لها خصوصيتها بحيث تبدو الإصابة بالذئبة الحمراء شديدة في معظم الأحوال.
دكتوراه جديدة شارفت حقيقة الآن على الانتهاء من دكتوراه جديدة بعنوان »أمراض القلب والشرايين عند مرضى الروماتيزم«. فمنذ ثلاثة أعوام ونصف العام أقوم بالتحضير لهذه الدراسة واكتشفت من خلال الدراسة أن نسبة عالية من المصابين عندهم أمراض شرايين وأمراض قلب وهم يموتون لهذا السبب.
ولكن ذلك يحدث لبعض المرضى ولا أريد أن أبث الرعب في نفوس جميع المرضى.
وأدعو المرضى للإقلاع عن التدخين وفحص الكولسترول وشرايين الرقبة من حين لآخر للتأكد من عدم وجود أية التهابات، ليس في المفاصل فحسب، بل في شرايين العنق أيضاً. وأنبه إلى أن ترسبات الكولسترول في شرايين العنق تؤدي إلى تجلطات في المخ أو في القلب.
لقد قمت بدراسة أشرف عليها بروفيسورات من دبلن وشارك فيها نحو 90 مريضاً، وهي دراسة كبيرة سأقوم بنشرها في مجلة علمية أميركية قريباً. الحقيقة إن تخصص الروماتيزم معقد للغاية ويحتاج لفترة طويلة وقد أضفت لهذا التخصص أمراض المفاصل عند الأطفال، وهو ما دفعني لقضاء فترة أطول في دبلن وحصلت على هذا التخصص بعد دراسة استمرت خمس سنوات.
وأعتقد أنه لن ينقضي العام الحالي حتى أحصل على درجة دكتوراه جديدة حول »أمراض القلب والشرايين عند مرضى الروماتيزم«، ولذلك كنت خلال الفترة السابقة أتردد على دبلن وأنفقت من جيبي الخاص مبالغ كبيرة لتحضير تلك الدراسة.
العمل في أيرلندا
لقد عرض علي العمل في أيرلندا وحتى الحصول على الجنسية، ولكن يمكن أن أنتقل للعمل هناك دون الحصول على تلك الجنسية لأن القوانين هنا تمنع أي إماراتي أن يحمل أية جنسية أخرى.
ويعود سبب إلحاح مستشفيات دبلن على العمل فيها بسبب ندرة أطباء المفاصل هناك والأمر ينسحب على دول كبيرة مثل الولايات المتحدة الأميركية.
إن ندرة هذا التخصص تفرض على المريض الانتظار نحو 4 سنوات حتى يأتي دوره كي يراجع الطبيب المتخصص. لقد عرضوا علي العمل مدة عام أو العمل لمدة مفتوحة مع الحصول على الجنسية. وقد رفضت الجنسية وقد أوافق على العمل هناك.
لا أقصد بأن الراتب أفضل من الإمارات، بل أقصد أنك في أيرلندا تشعر أنك تعمل وفقاً لنظم محددة ومعايير صحيحة، يعني تعمل من الساعة التاسعة إلى الخامسة. ثم تقسيم وقتك إلى فترات منها التباحث مع زملائك حول الأبحاث أو الحالات المرضية التي تعرض عليهم. فالأمر مختلف عن الوضع هنا، حيث يطلب منك العمل من التاسعة صباحا حتى بعد الظهر، وقد لا تتمكن من الصلاة أو تناول وجبة الغداء بسبب انشغالك بالمرضى وعيادتهم.
في أيرلندا يشجعون على البحث والدراسة، فقد كنت الأول من بين أطباء المفاصل الذي درس استخدام المناظير في العمل الجراحي في أيرلندا ، وكنت أجري التنظير متخصصاً في السونار أي التنظير التلفزيوني للمفاصل. وهكذا كنت أول طبيب مفاصل يتخصص في مناظير المفاصل بين أطباء المفاصل الأيرلنديين.
وقد منحنى البروفيسور الذي يشرف علي كمبيوتراً محمولاً لاستخدامه في دراسة حالات التنظير التلفزيونية، وكنت آخذ الكمبيوتر المحمول معي إلى البيت.
والحقيقة إن الأساتذة الأيرلنديين يوفرون لك كل أنواع المحفزات والدعم . وأقول الآن إننا هنا في الإمارات بحاجة لكل أصناف الدعم للوصول إلى تلك المرحلة فلا بد من التكاتف وتوفير رؤية محددة لتطوير الأبحاث في الدولة عن طريق المستشفيات ومراكز الأبحاث التي لا تزال غير متوفرة . ولا بد من وجود أنظمة تسمح لك متابعة حالة المريض في رأس الخيمة بينما تجري الفحوصات له في أبوظبي.
الممرضات المتخصصات
لا بد للطبيب من أخذ الوقت الكافي حتى يتسنى له العناية بمرضاه جيداً، يعني عندما يأتيني يوماً نحو 16 مريضاً لا يمكن التركيز على كل واحد على حدة ، لقد اقترحوا ضرورة تخصيص بعض الوقت لشرح حالة كل مريض على حدة، كأن أشرح للمريض عن الدواء الذي سيتناوله.
لذلك أتساءل لماذا لا يخصصون ممرضات يشرحن وسائل استخدام الدواء، حتى لا تحدث مضاعفات عند المريض وطرق تخزين الدواء حتى لا يتلف.
لا بد من قيام شركات الأدوية على تدريب الممرضات على كيفية استخدام الأدوية حتى يتمكن من شرح كيفية تناول الدواء لدى المريض وعن مضاعفات الدواء إذا أخذ بطريقة مخالفة لإرشادات الطبيب.
\
فقد اقترحت هنا عندنا في الدولة قيام شركات الأدوية بتدريب ممرضات على احتراف نوع من التخصص حتى يكون تعاونهن مع الطبيب المتخصص ناجحا ويوفر على الطبيب الكثير من الوقت.
وحتى يحملن بعض العبء عن الطبيب.
ولا بد من تزويد المرضى بنشرات تثقيفية حول طبيعة المرض ومضاعفاته وعن الأدوية ومضاعفاتها ولكل مريض الحق بالاطلاع على تلك النشرات فهي تشرح كل شيء عن المرض والعلاج.
لقد أحضرت من أيرلندا خمسين نشرة طبية للترجمة والطباعة وتوزيعها على المرضى الذين يترددون على عيادتي، وتحتوي تلك النشرات على مواد تثقيفية.
ويفيد التثقيف في توفير مبالغ كبيرة على الفرد والدولة على حد سواء. فعلى سبيل المثال هناك مجموعات من الأدوية سريعة التلف ومكلفة إذا لم تحفظ في مكان بارد، تفسد وتصبح عديمة الجدوى وتلقى في سلة المهملات دون الاستفادة منها، فتكون الخسارة عبئاً على الدولة أو على المريض ذاته.
مخاطر تحدق بالأطفال
هناك أطباء عامون يتصرفون كما لو كان لديهم تخصص، وما يضايقني في هذا الأمر الأطفال، إنه قد يأتيني طفل عمره 3 سنوات وقد وصف له طبيب عام علاج الكورتيزول وهو لا يعلم أن الكورتيزول بالنسبة للطفل يؤدي إلى إعاقة نموه . فقد لاحظت أطفالاً بعمر العاشرة وطولهم لا يتجاوز طول طفل في الرابعة من عمره أو الخامسة.
يعني ذلك أن سوء تصرف الطبيب العام غير المتخصص يلحق الضرر بالطفل فهو يلعب بمستقبله الصحي وبحياته، وعلى هذا الطبيب أن يقوم بتحويل أمثال هؤلاء الأطفال وحتى البالغين إلى المتخصصين وإلا تسبب ذلك في اختلاطات قد تؤدي إلى الإعاقة أو إلى الوفاة.
أعود فأكرر أن دور الممرضة في الطب كبير.
فعلى سبيل المثال فإن الممرضات هن اللواتي قمن بامتحاننا في أيرلندا، وكانت الممرضات يراقبن تصرفاتنا في غرف العمليات ولا يسمحن بمواصلة المشاركة في العمليات، طالما قام أحدنا بحك وجهه بيده، ويقوم عند ذلك بتغيير قفزات العملية المعقمة لمواصلة العمل في غرفة العمليات.
ما هي أغرب المواقف التي تعرضتم لها وصادفتموها في حياتكم العملية؟
- د. وليد: كنت أفحص مريضاً في العيادة بدبلن في أحد المرات فسألني المريض ما إذا كنت عربياً مسلماً فأومأت بالإجابة، فقال هل ترفض علاجي إذا اكتشفت أنني يهودي؟ فأجبته بأن الطب والعلاج لا يعرفان الأجناس أو الأعراق، فطالما أنت مريض لا يهم جنسك أو دينك وسأعالجك.
فالطب لا يميز بين شخص وآخر على أسس عرقية أو دينية. والحقيقة إن هذا المريض كان يحاول الاتصال بي بعد أن غادرت أيرلندا. وأهم شيء هناك، إننا أوصلنا لهم رسالة وهي أننا كعرب ليست لدينا سياسة عنصرية أو تمييزية.
وأذكر موقفاً مشرفاً آخر من قبل الأيرلنديين، عندما دعيت إلى حفل يلقي فيه الأطباء محاضرات، ويتخلل ذلك تقديم المشروب، واحتراماً لموقفي من مسألة احتساء الخمر كان تقديم المشروب خارج قاعة المحاضرات.
وما كدت أقترب من القاعة حتى فاجأني البروفسور وقال ها قد وضعنا المشروب في الخارج حتى يمكنك الجلوس في القاعة ويمكنك الآن احتساء المشروبات الدافئة وتناول ساندويتش التونة. وقال البروفسور »لقد فعلنا ذلك احتراما وتقديراً لك، وفهمت أنك عندما تحترم نفسك، يحترمونك.
ما هي هوايتكم المفضلة؟
- أحب رياضة السنوكر وأعشق الجري وأمارس رياضة كرة القدم خاصة عندما أكون في أيرلندا.
• كيف توفقون ما بين العمل والدراسة ورعاية الأسرة؟
- أحمد الله أن زوجتي متفهمة، فلما كانت معي في دبلن درست الشريعة في المركز الإسلامي في دبلن. والحقيقة هناك تضحيات لا بد للإنسان أن يقدمها خصوصاً الوالدين.
والأمر الآخر المهم أن الاغتراب والابتعاد عن الوالدين كل تلك الفترة الزمنية الطويلة التي جاوزت الثماني عشرة سنة ليست بالأمر السهل والمؤسف أن تلك الغربة أبعدتني عن والدي فترة طويلة ليست عاماً أو عامين بل عقدين ، وأبذل جهدي الآن كي أقترب منهما قدر ما أستطيع، ولكن للأسف ليس في رأس الخيمة البيئة المناسبة التي تجعلني أمارس تخصصي، ولا أريد خسارة الجهود المضنية التي بذلتها خلال تلك السنين المجهدة.
والواقع فإنني أخص والدي بساعتين أسبوعياً أما أفراد أسرتي فأقضي معهم فترات المساء من كل يوم، وهناك الآن احتمال للابتعاد عن والدي لفترات أخرى، إذا فكرت في العمل في أيرلندا، وهذه فكرة تراودني وتتوالى علي العروض للذهاب والعمل هناك. والسبب الحقيقي الذي يدفعني للعودة إلى هناك أنه لا تتوافر عروض مغرية للعمل في القطاع الخاص هنا.
أي لا توجد عروض مغرية أو مقنعة للأطباء المواطنين للعمل في القطاع الخاص.
كل ما نرجوه هو أن يقوم القطاع الخاص بمنح الأطباء المواطنين المتخصصين رواتب قريبة من تلك التي يحصل عليها الأطباء المواطنون المتخصصون في القطاع العام.
صعوبات التطوير
أما المعضلة الأخرى التي أود الحديث عنها، فهي المعوقات التي تقف أمام التطوير. فمنذ وصولي من أيرلندا جلست مع أطباء خليجيين متخصصين في طب المفاصل ودرسنا إمكانية ربط أطباء المفاصل بشبكة واحدة تمتد إلى كل دول الخليج لتبادل الآراء والمرضى والمعلومات حول آخر مستجدات العلاج. وهكذا حاولت على الجبهة الخليجية وحاولت أيضاً على الجبهة المحلية ولم أجد من يشجع على التغيير، وأتمنى خلال العامين المقبلين أن أعود للقطاع الحكومي وأن تكون وزارة الصحة قادرة على دعم الأطباء المواطنين كل في تخصصه، خاصة إذا كان الطبيب المواطن لديه الرغبة للقيام بالتغيير.
ولا أقصد فقط الدعم المادي بل الدعم المعنوي أيضاً. وأتصور أن الوزارة يمكن أن تبدي استعدادها لتوفير كل ما يطمح إليه الطبيب المواطن لتطوير مجاله في إطار تخصصه. لدي حماسة كبيرة ولا أريد أن تفتر هذا الحماسة، ويبدو أنني متجهة للعمل في أيرلندا حتى لا يحصل ذلك.
ولكنني في الحقيقة أرغب البقاء في الوطن لتطوير آليات علاج المفاصل، وليست لي أية نية لفتح أية عيادة خاصة لأنها لا تلبي طموحي عندما أفكر في خدمة الوطن وأبناء شعبي، وكل ما أتمناه الآن أن يحدث التغيير خلال الأعوام القليلة المقبلة.
محمد نبيل سبرطلي