يدور الحديث في هذا المقال حول تعزيز الصوم للصحة النفسية، فالصوم تربية روحية وخلقية ونفسية لما يحمله من معاني لها دلالات كثيرة من الاتصال الوجداني بالله سبحانه وتعالى والتقوى وتهذيب النفس والشفافية الروحية والتغيير نحو الأفضل والحساسية الذاتية، فهو ركيزة من ركائز الإيمان وفرصة للتخلي عن العادات السيئة وتصحيح الأخطاء التي تتخللها نواحي الحياة المختلفة.

فالصوم نوع من التسامي النفسي حيث يزود الفرد بالمناعة اللازمة ضد الاضطرابات النفسية التي يعاني منها، يتدرب الفرد في هذا الشهر الفضيل على التحكم في الذات و قوة الإرادة وتحمل المسؤولية والتواضع في قوله تعالى: (وأَن تصوموا خيرُ لكم إِن كنتم تَعلَمُونَ) صدق الله العظيم.

وحكمة الصوم لا تقتصر على الانقطاع عن الغذاء والشراب خلال النهار والإحساس بالفقير، بل لها فوائد جمة منها: الضبط الذاتي والاعتدال وتعديل السلوك والتفكير الايجابي السليم والابتعاد عن العدوان والغضب والغيبة والنميمة والشهوات.

وإذا أردنا أن نعرف طبيعة العلاقة بين الصوم والصحة النفسية، لابد لنا أن نوضح أن التغيير في الحياة الاجتماعية الذي يطرأ منذ بداية شهر رمضان المتمثل بالصبر والتمسك بتعاليم الدين الإسلامي والمشاركة الجماعية بين أفراد الأسرة في تنظيم أوقاتهم يوميا بين العبادة والتقرب إلى الله والعمل والاجتماع سوية حول مائدة الإفطار وقضاء الليالي مع الأخوان والأقارب والجيران والإحساس بالرضا والإيمان والتوازن بين حاجات النفس والجسم، لها أثرها الايجابي على نفوس الأفراد التي تجعلهم يبتعدون من دائرة الهموم والضغوط النفسية، كلها من مؤشرات الصحة النفسية.

فالصحة النفسية هدف أساسي من أهداف المجتمع تتضمن التمتع بصحة العقل والجسم فهي ليست مجرد خلو الفرد من الإعراض المرضية، فكثيرا من الأفراد لا يعاني من وجود أعراض مرضية لكنهم غير متمتعين بالصحة النفسية.

من هنا فإن الصحة النفسية تتضمن مجموعة من المقومات المتكاملة بعضها مع بعض تحقق توافق الفرد مع ذاته ومع بيئته، التي تجعله قادراً على استغلال قدراته واستعداداته إلى أقصى حد ممكن، ويشعر بالسعادة مع ذاته ومع الآخرين وتكون شخصيته متوازنة متكاملة، لديه مستوى طموح عال، ويتحمل المسؤولية، ويكون قادرا على مواجهة مطالب الحياة، كلها تتمخض في سعادة الفرد وتطور مجتمعه.

وتتميز الشخصية المتمتعة بالصحة النفسية بعدة خصائص منها التوافق بكل معانيه كالتوافق النفسي مع الذات والتوافق الاجتماعي مع الآخرين (الأسرة، المدرسة ،الأصدقاء، المجتمع) وحب الغير والتعامل الايجابي معهم وخدمتهم ووضع أهداف مستقبلية لبناء فلسفة الحياة وبذل الجهد في العمل والإنتاج.

والقدرة على مواجهة الحياة بكل موضوعية ومعرفة مشكلاتها وبذل الجهود السليمة للتغلب على حلها والسيطرة على الظروف البيئية كلما أمكن والتوافق معها والتخطيط للمستقبل بثقة وأمل.

د. نادية البدري - وزارة الشؤون الاجتماعية وحدة الدراسات والبحوث والإحصاء