لدى الإنسان ميزان داخلي يضمن استمراره ككائن حي. ولديه ميزان ينظم علاقته بالمحيط والطبيعة. والإنسان الحي هو الكائن الذي يملك الإحساس، الإدراك، والذاكرة، ومنها ينطلق العقل والفكر. ونظراً لأهمية الميزان في حياة الإنسان حذر الله عز وجل من التلاعب به أو إهماله أو عدم الرجوع إليه في حدوث أي عيب أو خلل. قال تعالى: (ألا تطغوا في الميزان).

يجب علينا أن نجعل الميزان أمام أعيننا في كل شيء وألا نهمله أو نتناسى مكانته وأهميته في استمرار الوجود كله. ليس هذا فقط ولكن أمرنا الله عز وجل أن نقيس كل عمل نقوم به بالرجوع إلى هذا الميزان وأن نعدل ونقسط فيه ليس بيعاً وشراءً فحسب، بل يجب أن يجعله الحكم فيما نقوم به من أعمال تتعلق بطبيعة الجسم. ومقتضيات المحيط والبيئة. يجب أن نكون حكماء وعادلين في استخدامنا للميزان، قال تعالى: (وأقيموا الوزن بالقسط). لذلك يجب علي الإنسان أن يراعي التوازن الموجود بينه وبين الطبيعة في كل عمل من الأعمال.

ميزان الإنسان

هذا الميزان الموجود داخل الإنسان، ينظم فعالياته البيولوجية ووظائفه الفسيولوجية، موجود في كل جهاز من أجهزة الجسم. فيوجد ميزان لجهاز المناعة ينظم أعماله بدقة متناهية لكي يضمن أن يدافع الجسم عن كل عدو من الخارج وأن يزيل أو يرفع أي ضرر أو عدم اتزان في الداخل.

والهرمونات لها ميزان غاية في الدقة والاتزان. يقود منظومة من أروع ما يتصوره عقل أو خيال. وبه تتوازن إفرازات الهرمونات ويتم تأثيرها الإيجابي على إمكان الخلايا بدقة متناهية. والهرمونات واحد من أعظم أجهزة التحكم في جسم الإنسان وتفرز مباشرة إلى الدم وتعمل على الخلايا في كافة أنحاء الجسم.

فإنتاج الطاقة يعتمد على هرمونات الغدد الدرقية، والتكاثر يعتمد على هرمون المبيض والخصية والغدة النخامية، والنمو يعتمد على هورمون النمو الذي يفرز من الغدة النخامية. وإفراز الحليب يعتمد على هورمون الحليب الذي يفرز من الغدة النخامية، وهرمون الأنسولين الذي ينظم السكر في الدم يفرز من غدة البنكرياس وهرمون التأهب والنشاط والحيوية يفرز من الغدة الكظرية.

كل هذه الهرمونات تفرز اعتماداً على ميزان دقيق. القيادة العليا في الدماغ، ثم تليها الغدة النخامية التي تسيطر على باقي الغدد الصماء. ما أروعه من توازن دقيق يحتاج إلى مقالات طويلة لإعطائه حقه من الروعة والجمال والتوازن.

الأنزيمات عصب الحياة، وشرارة كل عمل وتفاعل، تسير بميزان غاية في الدقة. هذه الأنزيمات التي لولاها لم حدث أي عمل بيولوجي أو كيماوي داخل الخلايا ابتداءً من الأحماض الأمينية التي تمثل مركز قيادة المعلومات الحياتية ومنها تصدر الأوامر إلى كافة العمليات البيولوجية للعمل وذلك بتصنيع الأنزيمات. القيادة العليا للهرمونات هي الدماغ. أما القيادة العليا للأنزيمات فهي الأحماض الأمينية خء.

بالإضافة إلى هذه المنظومات الرائعة المناعية والهرمونية والأنزيمية فإن جميع أجزاء الجسم تعمل أيضاً بموازين. فالجهاز العصبي يعمل بميزان، ينظم عمله وسير الأوامر في الخلايا العصبية والأعصاب وانتهاء بالأنسجة. والميزان أيضاً ينظم النوم، المزاج، التفاعل، الإحساس، الإدراك، الذاكرة، والتفكير. كل هذه الفعاليات مخلوق بميزان عظيم متوازن.الجهاز الدوري يملك ميزان ينظم دقات القلب وتدفق الدم في الشرايين والأوردة وينظم حجم الأوعية الدموية.

والجهاز الهضمي يملك ميزان ينظم الهضم وإفراز العصارات الهضمية وحركة الأمعاء المتعلقة بالهضم والبراز، والجهاز البولي والتناسلي يملك ميزان ينظم عمل الكلي وإفراز السموم وإفراز هرمونات الكلى وكمية الإدرار، ووقت التبول ووقت الرغبة الجنسية والتزاوج. والعظام والعضلات أيضاً لديها ميزان يقود الحركة، الحس، التوازن، التقلص، الانبساط، الجلوس، القيام وغيرها.

جميع الفعاليات الاستقلابية في الكبد والطحال والعضلات محكومة بميزان دقيق من صنع الله عز وجل الذي أتقن كل شيء صنعاً. إذن الإنسان محكومة حياته واستمراره بالميزان والمحافظة على هذا الميزان الموجود في كل جزء من أجزاء الجسم البشري.

ميزان الإنسان والطبيعة

يعمل جسم الإنسان بميزان داخلي، والطبيعة لديها ميزان، العلاقة بين الإنسان والطبيعة أيضاً محكومة بميزان دقيق. فالإنسان كمخلوق حي بيولوجياً يحتاج إلى مقومات الحياة هي الغذاء، الهواء، الماء، الحرارة المناسبة، الرطوبة المناسبة، المحيط المناسب،كل هذه الضروريات مهمة جداً لكي يعيش الإنسان بصحة وافرة، ويستطيع أن يعمل ويتحرك وينتج وينمو ويتكاثر ويفكر، أي يعيش بصحة، فالهواء يحكمه ميزان.

فمثلا يحتاج الإنسان إلى هواء مكوناته النيتروجين، الأوكسجين وثاني أكسيد الكربون، وهذه النسب موجودة بنسب ثابتة ودقيقة. وكذلك الحال بالنسبة إلى المياه، والمياه موجودة بأنواع فتوجد مياه مالحة ومياه عذبة،والإنسان يحتاج المياه العذبة كما تحتاجها المملكة النباتية، والمياه العذبة محكومة بميزان يقدر مكوناتها وفلزاتها والمعادن التي تحويها وحموضتها، أما الغذاء فهو أيضاً محكوم بميزان دقيق. قال تعالى: ( كلوا من طيبات ما رزقناكم).

إن الله سبحانه وتعالى سخر للإنسان ما في البر والبحر والسماء وأرشده إلى أنواع الأكل من ثمار وفواكه وخضر ومنتجات حيوانية ولحوم في البحر والسماء. فأوجد عز وجل توافق ضخم بين ما يحتاجه الإنسان في غذائه وبين ما خلقه الله له في الأرض والطبيعة.

الغذاء يخرج من الأرض والإنسان خلق من الأرض، فالله عز وجل وجد توافق بين ما يحتاج الإنسان وما يخرج من الأرض، لذلك فإن ما يحتاجه الإنسان في غذاء يحكمه ميزان مربوط بالغريزة أولا وبما يصلح ويتوافق مع الإنسان ثانياً، أما الأحوال البيئية المحيطة بالإنسان أيضاً لها ميزان يحكم درجة الحرارة والرطوبة وسرعة الرياح ووجود الأضواء والأصوات والموجات في الأثير.

وكلها تتوافق مع التركيب الوظيفي والشكلي للإنسان أو حتى الكائنات الأخرى الميتة أو الحية. فضوء الشمس والحرارة المتولدة عنه تتلاءم مع الإنسان الذي أودع الله فيه قابلية المرونة والتكيف وهذا أحد أطباء الجسد الذين يحافظون على أن يكون ميزان الإنسان مع الطبيعة والبيئة بالقسط والتوافق. الحرارة المحيطة بالجسم والرطوبة تكون بميزان ثابت يحدد مستويات الحرارة والرطوبة التي يمكن أن تلائم جسم الكائن بما يضمن الاستمرار والنمو والتكاثر.

إذن لابد من وجود توافق دقيق بين جسم الإنسان البيولوجي والنفسي وما يحيط به من الطبيعة والبيئة المخلوقة. هذا التوافق الذي يسير حسب النظام الدقيق المعمول بالميزان يضمن أن يكون الجسم البشري قادر على الحياة والتكاثر والعمل وكذلك يضمن أن يحافظ الإنسان على الطبيعة المحيطة عن طريق الصفات الغريزية والفطرية التي وهبت للإنسان.

أهمية الميزان

يمكن أن نحدد بعض وظائف الميزان التي نعلمها فقط أما التي لا نعلمها فهي كثيرة لعظم المهمة الملقاة على الميزان:

1- الميزان يضمن أن تسير جميع الفعاليات البيولوجية والفسيولوجية للإنسان والكائنات الحية أو الميتة الأخرى بصورة سليمة وصحيحة وصحية ومتوازنة.

2- الميزان يؤدي إلى حفظ التوازن الطبيعي والبيئي المحيط بالإنسان والحيوان يما يضمن المحافظة على طبيعة وبيئة مناسبة ومتوافقة لكي يعيش بها الإنسان والكائنات الأخرى.

3- يضمن الميزان التوافق بين المخلوقات المختلفة وبين الطبيعة والبيئة المحيطة بها.

إذن لكي تستطيع أن نعيش العمر الذي قدره الله لنا، ونعيش الدنيا بالقوة والنشاط والعطاء الذي يمكن أن ننجزه من خلال القدرات والمواصفات والطبائع والغرائز التي أوجدها الله عز وجل في أجسادنا لابد أن يكون الميزان موجود ويعمل بصورة سليمة ودقيقة.

فالإنسان هو مخلوق يعيش ويموت بميزان رباني دقيق يحكم جميع فعالياته البيولوجية والعقلية واستجابته للمحيط ويحوى جسده الموت والحياة معاً. فالإنسان يحوي مفهوم الحياة والموت في نفس الوقت. فكل لحظة زمنية تمر يعيش الإنسان فيها الحياة والموت.

اللحظة يمكن أن يكون الإنسان حياً ويمكن أن يكون ميتاً. لذلك فإن الحياة والموت موجودان متلازمان معنا بيولوجياً وفكرياً. ولأهمية المحافظة على الميزان في كل شيء في داخل أجسامنا، في علاقتنا مع الإنسان الآخر، في علاقتنا مع البيئة الخارجية والمحيط أكد الله عز وجل قائلاً: (ولا تخسروا الميزان) لما فيه من ضرر هائل وخسارة فادحة في كل شيء.

خسارة الميزان

علينا أن نسأل أنفسنا هل حافظنا على الموازين التي أشرت إليها. هل حافظ الإنسان على شرابه وغذائه وهوائه وأفكاره ومبادئه وفطرته؟ هل حافظ الإنسان على موازين الطبيعة التي تنظم حياة الحيوان والأشجار والنباتات وكل شيء محيط؟ هل حافظ الإنسان على الميزان الذي ينظم علاقته مع البيئة؟

عند بدء الخليقة البشرية كان الإنسان يعيش بميزان الفطرة والغرائز والعقل وميزان التوافق بينه وبين البيئة والمحيط. ولكن بمرور الزمان بدأ الإنسان يتغير كل ما حوله في المحيط هدفاً في تسهيل حياته ومعاملاته وأموره من جهة وطموحاً نحو معرفة المجهول من ناحية أخرى. ولكن بما سخر الله عز وجل للإنسان من علوم ومعرفة انفتحت أمامه أبواب واسعة لاستغلال ما موجود في الأرض والسماء من حوله. ولكن تطلب هذا أن يغير الإنسان مع الأسف ميزان الطبيعة وبالتالي تغير الميزان الذي يضمن التوافق بينه وبين محيطه. وأكثر الموازين التي تغيرت بمرور الزمن وتقدم العلم هي:

ميزان الغذاء

فقد أدخل الإنسان تغييرات على الغذاء الذي خلقه الله عز وجل تغيرات واسعة ولم يعد الطعام هو نفسه الذي جعل الله بينه وبين الإنسان توافقاً وملاءمة. فما نملك اليوم هي أغذية مصنعة مغيرة من قبل مصانع التصنيع والتجارة الغذائية.

ميزان الهواء.

فلم يعد الهواء صالحاً لدخول الرئتين بسبب احتوائه على الملوثات الكيماوية المختلفة والسامة وهذه المواد يحملها الهواء والسحب بالأطنان من المصانع والمعامل والسيارات والطائرات والمزارع. لذلك فإن أكبر سرطان يفتك بالرجال والنساء في الوقت الحاضر هو سرطان الرئة وهو السرطان الذي بدأ يصيب السيدات حتى أكثر من سرطان الثدي. ولو شرحنا الملوثات الموجودة في الهواء والتي تدخل الجهاز الرئوي وانتقالها إلى الدم لعرفنا مدى ضخامة الخراب البيئي الذي يعيشه الإنسان وفعلاً خسرنا الميزان الذي يقود وينظم الهواء والطبيعة.

ميزان النفس

لقد اختل بسبب الحقد، الكراهية، التنافس المحموم، القلق، الغيظ، الحسد، وأهمها فقدان أو قلة الإيمان الروحي والاتصال بالسماء. وأيضاً فقدان الإيمان بما نعمل ونقدم ومعظمنا يعمل ويمتهن مهناً لا يؤمن بها إيماناً مطلقاً بل الظروف المعيشية تتطلب من الإنسان أن يعمل أعمالاً قد لا تتوافق مع ما يطمح له بل يطأطأ رأسه ويتحمل الكثير من معاناة الآخرين من أجل الخبز. ونحن مع الأسف فقدنا الميزان الذي ينظم النفس والروح ويربطها بالإيمان والقبول بالقضاء والقدر والشعور بالأمان والطمأنينة وحب النفس والآخرين.

لقد تشبعت أفكار الناس بالأخبار الحزينة والسيئة حتى أصبحنا نادراً ما ينقل إليك خبراً مفرحاً. إذن نحن بنو البشر نعيش أزمة نفسية ضخمة فقدنا فيها المقومات النفسية التي تعطينا الرغبة بالحياة والعمل، وهذه المشاعر السلبية التي ازدادت على حساب المشاعر الإيجابية وخسرنا ميزانها تؤدي إلى كوارث في الجسد والوظائف البيولوجية وكذلك التأثير على المجتمع الإنساني والعطاء الفكري والمادي.

ميزان الحركة

فما عاد الإنسان يتحرك كما هو مخلوق عليه. فمعظم الجسم عظام وعضلات للحركة والعمل. ولكن فقدنا هذا الميزان ولم نعد نتحرك إلا قليلاً، حتى أصبحنا معتمدين على الكراسي أو الأسرة.

ميزان البحار والأنهار

إن معظم المياه المحيطة بالسكان قد أتلفت وتلوثت واحتوت من الملوثات البيئية والكيماوية والإشعاعية والذرة مما أتلف الكائنات الحية من نبات وحيوان. فلم تسلم الحيوانات من تخريبنا لموازين القسط التي نظم بها الله عز وجل الكون.

الأمراض والموازين

ذكرنا بأنه توجد ثلاثة موازين مهمة تحكم الإنسان في الداخل وتحكم الطبيعة وتحكم العلاقة بين الإنسان والطبيعة. وهذه الموازين إذا بقيت سليمة يظل الإنسان سليماً معافى واستمر بالحياة والعطاء. لذلك دعانا الخالق أن نلتزم بهذه الموازين ونحافظ عليها ونديم توازنها. فالأمراض التي يشكو منها كل الناس حالياً هي بسبب خسارتنا للميزان وعدم استخدامنا له فيما نخطط ونعمل، إذن المرض هو خلل في الميزان الجسمي والبيئي.

النبات يحتاج إلى تربة وهواء وماء وحرارة وضوء ورطوبة لكي يستمر وينمو. أي تغير في هذا التوازن يؤدي إما إلى مرض النبات واعتلال نموه وعطائه. والإنسان أيضاً إذا تغير ميزان جسمه فإنه يصاب بالخلل والاضطراب وظهور الأعراض بعد أن يعجز ما فيه من أطباء الجسد على مقاومة هذا الخلل ويقال بأنه إنسان مريض. وأهم مستلزمات استمرار الموازنة داخل الإنسان هي:

1- الغذاء السليم

2- الهواء والماء السليمان

3- البيئة الملائمة

4- الإيمان

5- العلاقة مع بني جنسه

6- الاستخدام المتوازن لأعضاء الجسم.

فإذا توفر للإنسان الغذاء والهواء والماء المتوازن بالتركيب والصفات وإذا كانت البيئة متوافقة مع طبيعة الجسم البيولوجية والنفسية والعلاقة بين الإنسان وبين بني جنسه قائمة على المودة والرحمة والحب والتكامل الاجتماعي والاقتصادي، وإذا امتلك الإنسان الإيمان المطلق بأنه مخلوق يعمل من أجل الخالق واتبع تعليماته وقوانينه وأن يملك الإيمان بصدق وصحة ما يقوم به وما يفكر به وما يمتلكه من عقيدة ومبدأ.

وإذا أحسن الإنسان استخدام وتوظيف جميع أجهزته بالصورة المطلوبة حسب تركيبة ووظيفة الخلق وجعل الموازنة قائمة في الحركة والمشي والنوم والسمع والنظر والنطق. إذا توفرت أخي الكريم هذه المستلزمات للإنسان فلا أعقد والله أعلم أنه خللاً أو علة أو اضطراباً أي مرضاً يمكن أن يصيب الإنسان إلا إذا شاء الله عز وجل.

بل يضمن الإنسان أن يعيش إلى ما شاء الله وأن يبقى أجهزته وخلاياه تعمل وتستمر وأن لا يموت الإنسان إلا بإذن الله. فالموت ليس توقف خلايا الجسم عن العمل أو الحركة بل يحدث بسبب فقدان التوازن بين وظائف الجسم. لذلك ينفقد النظام ويموت الإنسان.

طب الميزان

إذن بعد هذا الاستعراض البسيط لأهمية ميزان الجسم وميزان البيئة وميزان العلاقة بين الجسم والبيئة وما يسببه فقدان الجزئي أو الكلي لهذه الموازين من أمراض غير ظاهرة، أمراض ظاهرة والموت الكلي للإنسان يتبين لنا بأن حماية الناس المرضى بدون أعراض (الناس مرضى وإن لم يشتكوا) من تقدم الخلل الوظيفي والتركيبي في أجسامهم أو معالجة المرضى الذين يشكون من الأعراض في معاناتهم وشكواهم وإبعاد الموت الكلي عنهم بإذن الله تعالى هو إعادة الموازين المختلة.

لماذا المرض؟

هل سألت نفسك ما يحدث لي ولك وللطبيعة عندما تستبدل الحب والمسامحة والمودة بالحقد والغل والنفاق؟ عندما تقودنا غرائزنا وشهواتنا؟ عندما ننسى الموت والآخرة؟ عندما ننام نهاراً ونصحو ليلاً؟ عندما نشرب الخمر والكافيين والمشروبات الغازية، عندما نزرع القات والأفيون والمخدرات؟ عندما نجعل الحكمة والعلم والمحبة تجارة؟ عندما تتكدس الأموال عند فئة من الناس ويكثر الفقر والحرمان؟

عندما نسرف في استعمال الحواس وخاصة العيون والآذان واللسان؟ عندما ننشر أفلام الرعب والخوف والجريمة؟ عندما يهاجر الناس من القرية والريف إلى المدينة؟ عندما يقل الزواج وتنتشر الفاحشة، عندما لا يعرف الجار جاره والأب ابنه والأخ أخوه؟ عندما نجلس وراء المكاتب معظم اليوم؟ عندما نستعمل السيارة لكل متر نريد أن نسلكه؟ عندما نقتلع الأشجار والغابات؟ عندما تصيد الحيوانات للمتعة والثراء، عندما نتنافس من أجل الدرهم والدولار؟ عندما نأكل ونأكل حتى تكلَ أضراسنا وتمتلئ بطوننا؟

عندما نغذي العجول والدجاج هورمونات ومضادات وعلف مصنع للحصول على حيوانات أسمن وأمرض؟ عندما تكثر المبيدات والأسمدة الكيماوية لزيادة الإنتاج المعلول؟ عندما نبني المصانع والمعامل والمطارات حول المدن والمناطق السكنية؟ عندما نستبدل الغذاء الطازج بالغذاء المحضر أو المصنع أو المطبوخ؟

عندما نلبس الملابس الملونة بالمواد الكيماوية والأسلاك والخيوط المصنعة؟ عندما نخرب الأغذية بالتصنيع والتغيير الجيني؟ عندما تستعمل الأدوية الكيماوية لكل علة أو ألم ونقتل أطباء الجسد والنفس؟ عندما نتلاعب بالجينات ونغير خلق الله وننوي أن نخلق إنسان أخضر؟ ماذا تتوقع أخي القارئ بعد هذا؟ ما ذكرته قليل جداً من التغييرات المهمة في ميزان الجسد والنفس والطبيعة التي أحدثها الإنسان. تبدلات هائلة خربت ميزان الطبيعة أولاً ثم خرب ميزان العلاقة بين الإنسان والبيئة وبعدها خرب ميزان الإنسان نفسه. فماذا ينفع الآن؟ وما هو الحل؟

بعد أن تمرض الإنسان وعاش مع الألم والمرض والعجز والخوف من المجهول في صحته وجسده؟ هل ينفع الدواء في قتل المرض أو يستأصل المشرط ما أفسد في الجسم أو تقتل الأدوية الكيماوية والإشعاعية الخلية الخبيثة دون الخلية السليمة؟ هل ما نملك من وسائل متقدمة في الطب والعلوم الصحية قادرة على شفاء الناس وإطالة أعمارهم بصحة وليس بعجز أو علة أو اتكال على زجاجات الدواء؟

نحن نعيش التقدم العلمي الهائل، الخدمات الطبية الراقية، الشهادات التي لا حد لها ولا حصر، الخيرات المتراكمة، التقنيات الضخمة والمتطورة، المعلومات الهائلة والتي أصبحت متوفرة لمعظم خلق الله، التعليم المستمر والجامعات العملاقة. وبحر الإنترنت المتلاطم. رحلات السفر والسياحة والأجواء الهائلة، والأكل المصنع الذي ملأ الأسواق، ولكن ماذا حصدنا، هل كل ما نملك من خدمات وتقدم علمي ورفاهية في كثير من البلدان أنقذت الناس وحافظت على الميزان؟ أين نحن وما هو مستقبلنا الصحي الجسدي والنفسي؟

تساؤلات تتطلب إعادة النظر في حياتنا اليومية، من أجل إعادة التوازن للجسم والتنفس والتمتع بالصحة بعيداً عن المرض

د. نوري الوائلي

مدير الأبحاث السريرية بمؤسسة لايف سبورت في نيويورك