تعتبر ظاهرة الضوضاء أحد الإفرازات السلبية للحياة العصرية إلى جانب تلوث الهواء والمياه والتربة. ولم تعد هذه الظاهرة حكرا على المجتمعات الصناعية كما يعتقد البعض، بل إنها تشمل كافة المجتمعات ولكن بدرجات متفاوتة. كما أنها ليست مشكلة تخص قطاعا مهنيا واحدا دون غيره فقد يتعرض البعض للضوضاء في العمل وآخرون في البيت وغيرهم في البيت والعمل معا أو أثناء ممارسة بعض الهوايات.

لا يوجد فرق بين الصوت والضوضاء من الناحية الفيزيائية فالكلام والغناء والموسيقى وبكاء الأطفال وهدير المحركات والطائرات كلها أصوات وقد تعارف الجميع على تعريف الضوضاء على أنها أصوات غير مرغوبة واستنادا لهذا التعريف فإن ما يبدو لنا في وقت ما موسيقى عذبة وصوتا شجيا قد ينقلب إلى مصدر إزعاج »ضوضاء« إذا كنا نحاول النوم مثلا ولتجنب الانزلاق في التعميم يجب أن نتذكر دائما أن صوت الآلات في المصانع والطائرات والشاحنات هي ضوضاء في كل الأحوال فأنت لن تجد شخصا يعترض ذات يوم إذا نجحت التطورات التقنية في العالم في إنتاج محركات قليلة الضوضاء أو صامتة تماما.

أما من الناحية الطبية فيتم تعريف الضوضاء على أنها طاقة صوتية مسموعة من الممكن أن تؤثر على صحة الإنسان الجسدية والنفسية. ولا يمكن التمييز بين الصوت والضوضاء بواسطة أجهزة القياس الفيزيائي أو غيرها ولهذا السبب حددت اغلب الدول الصناعية مستويات التعرض البشري للضوضاء خصوصا في الأوساط الصناعية ووضعت لذلك قواعد وضوابط عديدة.

مصادر التعرض للضوضاء وسائط النقل

تعد وسائل النقل المختلفة من أهم مصادر التعرض للضوضاء ويقدر أن نصف سكان الاتحاد الأوروبي يتعرضون في مساكنهم للضوضاء لهذا السبب ومن العوامل التي تؤثر في مقدار الضوضاء الناتجة عن وسائط النقل في أي شارع نذكر بالدرجة الأساس انسيابية السير وسرعة السيارات المارة ونسبة السيارات الثقيلة والشاحنات وطبيعة أرضية الشارع .

وتزداد الضوضاء المتولدة عن حركة السير عند الانطلاق من حالة التوقف عند الإشارات الضوئية مثلا وفي المنعطفات والمرتفعات كما يجب أن لا تغيب عن البال ظاهرة الصدى التي تتكون في الشوارع المحاطة بالبنايات العالية حيث تؤدي هذه الظاهرة الفيزيائية إلى مضاعفة مقدار التعرض للضوضاء وغالبا ما ينصح بالتشجير للتقليل من هذه الظاهرة من خلال ما يوفره من عزل مادي بين مضمار السير والمحلات السكنية.

الضوضاء في موقع العمل

تعتبر مواقع العمل من أهم مصادر التعرض للضوضاء، وتختلف مستويات التعرض للضوضاء ومددها من صناعة لأخرى حسب طبيعة العمل ودور كل عامل فيه.

أ ـــ ضوضاء المواقع الإنشائية

تعتبر الأعمال الإنشائية من أهم مصادر التعرض للضوضاء سواء للعاملين في هذه القطاعات أو للأماكن السكنية المجاورة لموقع العمل. وتنتج الضوضاء أثناء الأعمال الإنشائية من خلال الاستعمال الواسع لآلات الحفر والرافعات والخلاطات والطرق واللحام، وكذلك عن حركة الآليات من وإلى موقع العمل، ومن هنا لم يعش أسابيع أو شهوراً من الإزعاج نتيجة الضوضاء الصادرة عن موقع إنشائي بالقرب من محل سكناه.

ب ـــــ الضوضاء الصناعية والمهنية الأخرى

تعتبر المصانع من أهم مصادر الضوضاء، ويتأثر بها أعداد كبيرة من العمال، كما تتأثر المناطق السكنية المحيطة بالمصانع بالضوضاء الناتجة عن المحركات والتوربينات والعوادم والآليات وحركة النقل من وإلى المصانع.

كما هنالك مهن أخرى كثيرة تتميز بالتعرض العالي للضوضاء، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر الطيارين والطواقم الأرضية في المطارات، شرطة المرور، العسكريين أثناء التدريب على الرماية وأثناء المناورات، المهن التدريسية، أعمال الخدمات في المطاعم والمقاهي ... إلخ.

الضوضاء المنزلية

تعج المساكن العصرية بمصادر الضوضاء من أجهزة منزلية كهربائية كالمكانس الكهربائية والغسالات وأجهزة التكييف والمجففات والأجهزة الصوتية من راديو وتلفزيون وأجهزة تسجيل إلى آخره من القائمة الطويلة.

ولا ينحصر تعرض البشر للضوضاء في مساكنهم في هذه المصادر الداخلية فقط، بل إن قسطاً كبيراً من الضوضاء داخل المنازل يكون مصدره حركة السير في الشوارع القريبة من محل السكن، والمصانع القريبة إن وجدت، وكذلك الضوضاء المنبعثة من الأماكن المجاورة. ففي فرنسا مثلاً يقدر عدد السكان الذين يتعرضون لمستويات مرتفعة من الضوضاء في مساكنهم بسبب مصادر خارجية بحدود 7 ملايين شخص.

وتبذل لهذا الغرض الكثير من الجهود وتنفق الكثير من الأموال لتحقيق أكبر عزل صوتي ممكن بين المساكن وخصوصاً في الشقق السكنية الحديثة. وليس بخافٍ أن انشغال أي بيت مجاور بمناسبة اجتماعية كالأفراح مثلاً، يؤثر على مجمل سكان الحي السكني ولعدة أيام. وهي ظاهرة شائعة في معظم الدول العربية، ونادرة الحصول تماماً في الدول الغربية، حيث لا يتردد الناس في استدعاء الشرطة عند سماع أي ضوضاء بعد العاشرة مساءً.

ومن الجدير بالذكر في هذا الخصوص ما يصدر من ضوضاء ناتجة عن لعب الأطفال داخل الأحياء السكنية وخصوصاً عند عدم توافر أماكن مخصصة لذلك، غالباً ما كان ذلك سبباً للاحتكاك بين العائلات وشرارة للمشاكل الاجتماعية بين سكان الحي الواحد. كما يجب أن لا ننسى مختلف الأعمال البلدية والتي يتم أكثرها ليلاً مثل تنظيف الشوارع ورفع القمامة، والتي ينتج عنها الكثير من الضوضاء كما هو معلوم للجميع.

الهوايات كمصدر من مصادر الضوضاء

تعتبر ممارسة بعض الهوايات مصدراً من مصادر تعرض الإنسان للضوضاء. والأمثلة على ذلك كثيرة، منها القديم كهوايات الصيد باستعمال الأسلحة النازية وهواة الرماية، ومنها المستحدث كسماع الموسيقى الحديثة وارتياد الملاهي والمراقص التي تتميز بأجواء الموسيقى الصاخبة.

وقد أثبتت العديد من الدراسات أن مستويات الضوضاء داخل الأذن تتجاوز الحدود الضارة للإنسان في حالة سماع الموسيقى بواسطة السماعات وهي كما هو معلوم من الهوايات المتبعة من قبل الكثير من الشباب في هذه الأيام.

أما بالنسبة للموسيقيين وباقي العاملين في هذه الصناعة فإن الضوضاء تعتبر أحد أهم المخاطر المهنية. ولابد من ذكر بعض الهوايات الحديثة الأخرى كسباقات السيارات والدراجات البخارية والقوارب كمصادر تعرض لمستويات عالية من الضوضاء. ومن الجدير بالذكر في هذا الصدد أن ننوه إلى حقيقة أن العديد من العاب الأطفال يقوم بتوليد أصوات وضوضاء عالية قد تشكل خطراً على صحتهم وعلى سلامة سمعهم.

تأثيرات الضوضاء على الصحة

من البديهي أن تكون الأذن البشرية هي العضو الحيوي من جسم الإنسان الذي يتأثر بالضوضاء سواء منها الآنية أو المزمنة. فعند التعرض لأصوات قوية ومفاجئة كالانفجارات وأصوات المدافع، تتأثر الأذن وبأشكال شتى منها تمزق غشاء الطبلة وتخلخل عظام الأذن الوسطى المصحوب بالألم الشديد واحتمال النزف، وقد يصيب أذنا واحدة كما يحصل مع هواة الرماية عادة، أو الأذنين معاً في حالة التعرض للانفجارات الشديدة.

كما يؤثر التعرض طويلاً للضوضاء على الخلايا الحسية والعصبية للأذن الداخلية، وينتج عن ذلك فقدان للسمع يتصف بأنه تدريجي ويصيب الأذنين معا، وهو فقدان دائم وغير قابل للشفاء حتى لو انقطع التعرض للضوضاء بعد الإصابة بهذا المرض. ويدخل هذا المرض ضمن قائمة الأمراض المهنية التي يتم على أساسها تقدير درجة العجز والتعويض.

التأثيرات الجسدية الأخرى

يعتقد على نطاق واسع بين جميع الدارسين لهذا الموضوع والمهتمين به أن التعرض المزمن للضوضاء يسهم في الإصابة بارتفاع ضغط الدم. كانت توجد مؤشرات وقرائن تؤكد تأثير الضوضاء على أجهزة الجسم الأخرى كالجهاز الهضمي والجهاز العصبي المركزي وإفراز بعض الهرمونات.

التأثيرات النفسية

أجريت الكثير من البحوث والدراسات لمعرفة تأثير الضوضاء على الصحة النفسية للإنسان. فقد بينت بعض هذه الدراسات أن نسبة تناول العقاقير النفسية بين المتعرضين للضوضاء هي أكثر من غير المتعرضين، وتميل أكثر هذه العقاقير لمعالجة الكآبة والقلق. كما اشارت دراسات أخرى إلى وجود علاقة واضحة بين نسبة مراجعة العيادات النفسية والتعرض لضوضاء الطائرات في أماكن السكن القريبة من المطارات.

كذلك تعزي عوارض صحية أخرى للضوضاء كالقلق، الشعور المزمن بالتعب، تقلبات المزاج، الاجهاد النفسي، الأرق، فقدان الشهية، الصداع، الغثيان، الهستيريا، البرود الجنسي، وحتى التدخين الذي دلت بعض الدراسات على أن نسبة المدخنين بين المتعرضين للضوضاء أكثر من غير المتعرضين.

كذلك يعتقد الدارسون لهذا الموضوع أن الضوضاء تسهل ظهور السلوك العدواني عند البشر وخصوصاً عند توفر عوامل أخرى كالاستفزاز والعدوانية السابقة، وليس أدل على ذلك من قرع الطبول أمام الجيوش المتجهة للحرب.

تأثير الضوضاء على النوم

لقد وجد الباحثون أن عدد دقات القلب وعدد مرات التنفس في الدقيقة الواحدة يزدادان عند التعرض للضوضاء الناتجة عن حركة النقل أثناء النوم. ولا تخضع هذه التغيرات لعملية التعود أو التأقلم مع استمرار التعرض للضوضاء في كل ليلة. وقد تم تأكيد ذلك من خلال دراسة سكان الأحياء التي تقع على طرق عامة تتميز بكثافة المرور ليلاً. وقد وجد أن نسبة المستعملين للأقراص المنومة بين الناس الذي يتعرضون للضوضاء أعلى من المجاميع الأخرى الأقل تعرضاً.

ويؤدي التعرض للضوضاء أثناء النوم لفترات طويلة تمتد لسنوات إلى ظهور تأثيرات نفسية مزمنة تتفاوت بين شعور عام بالتعب والقلق والعصبية والميل للانطواء على النفس والكآبة واضطراب الذاكرة. كذلك يعتقد أنهم يواجهون خطورة إصابتهم بارتفاع ضغط الدم والذبحة الصدرية أكثر من غيرهم.

ولا تنحصر تأثيرات الضوضاء على النوم على التعرض أثناء الليل، بل إن التعرض للضوضاء أثناء النهار قد يمتد تأثيره ليلاً ليؤثر على النوم.

اختلاف حساسية الناس للضوضاء

يختلف البشر في درجة حساسيتهم للضوضاء، فمنهم شديد الحساسية ومنهم الأكثر مقاومة لتأثيرات الضوضاء، وبشكل عام يعتبر ثلث الناس في عداد مفرطي الحساسية تجاه الضوضاء ومنهم بشكل خاص الأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي الشخصية العصبية وعمال المناوبة الليلية (الورديات).

تأثير الضوضاء على الأداء والإنتاجية

تؤثر الضوضاء سلباً على أداء المهام التي تتطلب مهارات خاصة كتلك التي تتطلب التركيز الشديد والاعتماد الكبير على الذاكرة. وقد يمر الإنسان ببعض الفترات التي تقل فيها فاعليته إذا تطلب العمل المحافظة على مستوى مرتفع من التركيز الذهني في وسط مليء بالضوضاء.

وقد لوحظ أن الأشخاص الحساسين للضوضاء يكونون أقل أداء للعمليات الحسابية مقارنة مع غيرهم، ولابد من ذكر موضوع القراءة في أجواء الضوضاء بشكل عام ومذاكرة الطلبة بشكل خاص فمن الثابت أن استذكار المعلومة المقروءة وفهمها جيداً يكون فعالاً بشكل أكبر إذا تمت القراءة في وسط هادئ مقارنة بالأوساط الأخرى التي تتميز بالضوضاء بكافة مصادرها وحتى الموسيقية منها.

كذلك لوحظ أن طلاب المدارس في المراحل الأولى لتعلم اللغات يتأثرون بالضوضاء بشكل يؤثر على نطقهم لبعض الحروف والكلمات وذلك ببساطة لأنهم لا يستطيعون سماعها بشكل واضح بسبب الضوضاء. وقد كانت هذه الملاحظة أحد استنتاجات دراسة مقارنة بين مدارس تقع قرب الطرق السريعة ومدارس أخرى تقع في مناطق هادئة.

كذلك ذكرت إحدى الدراسات الميدانية ان تلاميذ إحدى المدارس التي تقع بالقرب من أحد الطرق السريعة وتتعرض لضوضاء مستمرة تكثر عندهم الأخطاء الإملائية عند ترك النوافذ مفتوحة وتقل هذه الأخطاء عند إقفال النوافذ. ولذا يجب أن لا يغيب هذا الأمر عن البال عند تحديد مواقع المدارس.

الضوضاء والحوادث

أجمعت الكثير من الدراسات الوبائية على تبيان أهمية الضوضاء كأحد العوامل الهامة في التسبب في الحوادث بشكل عام وحوادث العمل بشكل خاص. فمن المؤكد أن العاملين في أوساط وورش عمل تعج بالضوضاء يكونون أكثر عرضة للإصابة بحوادث العمل.

ومن المعروف أن الضوضاء تؤثر على درجة التركيز وتؤدي إلى بطء رد الفعل، كذلك في أوساط كهذه يصعب على العامل أن يسمع تنبيه زملائه له مثلا في حالة وجود خطر داهم، كذلك يصعب عليه سماع صوت آلة أو هدير آلية متجهة صوبه. لذلك تعمد الكثير من المصانع في مثل هذه الحالات إلى إشاعة استخدام الإشارات الضوئية للتنبه لمثل هذه الأخطار المحدقة.

ويمكن تشخيص الأمر نفسه عند الحديث عن حوادث السيارات وأسبابها، فقد تؤدي الضوضاء المنبعثة من داخل السيارة، عند سماع الموسيقى الصاخبة مثلا، إلى تشتيت انتباه السائق. كذلك تؤدي إلى تهيج عصبي ونفسي يدفع باتجاه قيادة السيارة بسرعة عالية تزداد معها بالطبع احتمالية وقوع حادث سير.

ومن المفارقات أن نذكر إحدى الحالات التي يكون فيها توفر مستوى معين من الضوضاء مفيدا أو لنقل ضروريا. فقد لوحظ أن بعض الأعمال التي تتصف بالرتابة والتكرار كأعمال التعبئة والتعليب مثلا، تؤدي إلى الشرود الذهني وقلة الانتباه والتركيز وبالتالي إلى ازدياد احتمال الإصابة بحوادث العمل خاصة عندما يكون موقع العمل هادئاً تماما، ويراعى هذا الأمر في اختيار الموسيقى في موقع العمل بحيث لا تكون صاخبة جدا لدرجة التهيج أو هادئة جدا لدرجة إشاعة الخمول.

د. غسان شاكر محمود - قسم الصحة المهنية مدينة الشيخ خليفة الطبية