يعتقد بعض أولياء الأمور أن مرحلة الحضانة التي يقضيها الطفل في دور الحضانة بعيدا عن البيت قد تؤهله للانخراط في صف المرحلة الأولى الابتدائية دون أية مشكلات، لكن مع نمو التلميذ واقترابه أكثر من مرحلة الوعي تنضج لديه أمور كثيرة لم يكن يتخيلها الوالدان وقد تشوب تلك المرحلة الجديدة مشكلات سلوكية في فترة مبكرة من الدراسة دون أن تتم تشخيص حالة الطفل.

وتزداد الحالة حدة طالما لم يتم الاهتمام بعلاجها. وتبدأ الحالة بالتفاقم تدريجيا مع ارتقاء الطفل إلى المرحلة الثانية والثالثة من سنوات الدراسة الابتدائية. ولعل من أخطر تلك الحالات التي يسعى الطب النفسي إلى علاجها الإفراط في النشاط وتشتت الانتباه عند الطفل.

«الصحة أولا« أجرت حوارا مع الدكتور عامر سعد الدين أخصائي الطب النفسي في دبي حول المشكلات التي يواجهها التلميذ وهو ينتقل إلى عالم المدرسة وهو عالم جديد فيه المدرسة بدلا من الأم والفصول الدراسية بدلا من البيت، وفي بيئة تصدر إليه فيها الأوامر وعليه إطاعتها ولا يسمح له بالشطط من أي نوع .

تلك الأجواء قد تفجر عند الطفل مشكلات قد تتفاقم إذا لم يتم وقفها أو الحد منها، وحسب الدكتور عامر فإن لكل مشكلة علاج، كما ينبغي عدم التساهل وإهمال حالة الطفل إن ظهرت عليه بوادر نوع من الاضطراب والقلق. وينصح الدكتور سعد الدين أولياء الأمور بضرورة مراجعة الأخصائي النفسي قبل فترة من دخول الطفل إلى المدرسة للوقوف على مسائل قد تخفى على الوالدين العاديين إزاء الطفل الذي يستقبل عامه الأول على مقاعد الدراسة.

• دكتور عامر:

ليس كل الأطفال سواسية من ناحية الشخصية أو البنية النفسية، وليسوا جميعا متساوين في قدراتهم العقلية والروح الانضباطية والمهارات الاجتماعية. ولكننا نعلم أيضا أن المشكلة الرئيسة التي يعاني منها معظم الأطفال لدى انتقالهم من بيئة البيت إلى بيئة المدرسة هو الشعور بالقلق.

والحقيقة فإن الطفل يواجه الآن المرحلة الأخطر في حياته وهو يخوض باكورة تجاربه على الصعيد الشخصي بعيدا عن الحضن الدافئ الذي ترعرع عليه ولم يفارقه طوال خمس أو ست سنوات. ويعتقد البعض أن الأمر غاية في البساطة طالما أن الطفل قد اعتاد الخروج والذهاب إلى الحضانة طوال العامين السابقين، لكن المشكلة هي أن التجربة الحالية مختلفة تماما.

فهناك، أي في مرحلة الحضانة كان الطفل يمتلك هامشا من حرية الحركة والكلام، لكن يفاجأ الآن بأن المسألة تختلف اختلافا كليا، فهو يتلقى الأوامر ويطلب منه الصمت والانضباط وأن يؤدي واجباته المدرسية بدقة كما لن يسمح له خلال الحصة بالتنقل من مكان إلى آخر.

يبدأ الطفل هنا أيضا بالشعور بالابتعاد عن المكان الذي ترعرع فيه ويغيب عنه الشخص الذي يوفر له الرعاية والحنان المتمثل في والدته. ولا يسمع الآن سوى الأوامر تنصب عليه فيبدأ شعوره بالرهبة من الوهلة الأولى.

فإذا كانت لدى الطفل قابلية للقلق يمكن أن يشعر بالقلق وقد يتفاقم الأمر إذا كان عنده نوع من أنواع قلق الفصال، يعني أن الطفل عندما ينفصل عن أمه يبدأ بالشعور بالقلق، وهذا بالطبع أمر طبيعي. وقد يجهش الطفل بالبكاء طالبا رؤية والدته لأنه لا يزال متعلقا بوالدته. والسبب أن الصورة المرسومة في ذهنه هي والدته التي تمثل ملاذا وحماية، في اعتقاده، لن يوفرها أحد له سوى أمه.

وقد يخطئ الكثير من أولياء الأمور عندما يرون أطفالهم يبكون في المرحلة الأولى من الذهاب إلى المدرسة وقد ينعتون أطفالهم بالجبن وقد تهيأ لهم أشياء كثيرة خاصة بشخصية الطفل، لكنها أفكار سلبية لن تخدم الابن قط بل سترسم سياجا حاجزا بين الطفل والمدرسة بصورة أكبر مما يمكن توقعه.

ولا شك فإن الطفل في هذه السن يكون على جانب من الوعي ويمكن التحاور معه عن رأيه في المدرسة أو المدرسات، ومن خلال الحوار يمكن طمأنته. ولتحقيق ذلك ينبغي النزول إلى مستوى الطفل للتفاهم معه بلغته، وهذه أهم نقطة لتنمية الوعي لديه ولتحريره من أية مخاوف أو قلق. ولا بد من تخليص الطفل من أية أوهام أو تخيلات يكون قد رسمها لنفسه وتقف حاجزا دون تقبله للوضع الجديد والناس الجدد بدأ بالمدرس وانتهاء بالأطفال من حوله . وقد لا نستند تلك التخيلات أو الأوهام إلى أية أوهام خاصة بالمدرسة.

والحقيقة أن الظاهرة المألوفة في اليوم الأول عندما يحضر أولياء الأمور ومعهم أطفالهم لدخول المدرس، نسمع العويل يعلو ويعلو كلما حاول الوالدان الابتعاد عن الطفل وتركه في المدرسة . ولا شك فإن هذه المرحلة حساسة إذا لم يكن الوالدان يفهمان طبيعتها فإن الطفل سيكبر وينتقل من صف لآخر ومعه تلك المشكلة التي قد تتحول إلى عقدة تجعله يكره المدرسين والدراسة. وقد تتحول إلى فشل في الحياة الدراسية وإلى قلق مستمر في كل الأوقات طالما بقي على مقاعد الدراسة.

وقد ينعكس ذلك على حياة الإنسان خارج نطاق الدراسة، ولذلك يحتاج الطفل إلى تدخل علاجي من البداية حتى لا يتفاقم القلق ويتحول إلى عقدة دائمة. ونجد الآن السر وراء تعيين المدارس أخصائيين نفسانيين ومرشدين اجتماعيين في المدرسة لأهمية ذلك حفاظا على صحة الطفل النفسية.

*هل يمكن للأخصائي القيام بدور الطبيب النفسي؟

ـ على الأغلب تكون معظم الحالات التي تظهر في المدرسة بسيطة ولا تحتاج إلى تدخل الأخصائي النفسي في عيادات الطب النفسي أو من قبل الطبيب النفسي. وتقع على عاتق الأخصائي المدرسي في المدرسة علاج الموقف والحيلولة دون انتقال المشكلة من قلق بسيط إلى كره شديد للمدرسة وتحول ذاك القلق إلى حالة من الرهاب والفزع.

الحقيقة أن المدرسة يمكنها أن تقوم بدور المطمئن للطفل، فالطفل عندما يدخل إلى المدرسة ويرى مدرسة تمنحه الحنان وترفق به يميل إليها ويكيف نفسه مع المدرسة، وهنا يتوقف القلق وتنتهي المشكلة. إذن القضية هنا هي وجود أناس لديهم المهارات اللازمة للتصدي لمشكلات الطلبة الصغار وزرع الطمأنينة والأمان لديهم حتى لا يغلب القلق والتوتر على بيئة الصف والمدرسة عموما.

ودور المدرس مهم أيضا في الحيلولة دون ترسخ القلق لدى الطفل، والواقع فإن لدور المدرس تبعات. فالمدرس الكفء يمكن أن يجذب الطالب ويشجعه على الدراسة وقد يحصل الطالب على 100 في المائة من الدرجات عند مدرس ما لأنه يثق به ويحبه. بينما يمكن أن يرسب طالب آخر في مادة مدرسة أخرى لأن المدرسة تتعاط مع الطالب بأسلوب منفر وغير واضح.

تجاهل الطالب

قد يلجأ المدرس أو المدرسة إلى تجاهل معظم الطلبة والتركيز على نخبة أو صفوة من الطلبة يستطيعون التجاوب معه. ولا شك أن ذلك سيؤدي بالتأكيد إلى تهميش قسم من الطلبة، والواقع أن مثل هذا السلوك خاطئ لأن ما تحظى به القلة من الطلبة ينبغي أن يكون معمما على باقي الطلبة. والتدريس بعينه فن ومن يتقن فن التدريس يتقن تربية أجيال كبيرة صحية ستفيد الوطن ككل لا حقا. وينبغي لفت النظر إلى أن البعض، على الرغم من أنهم أصبحوا كبارا فإنهم ما زالوا يكررون أن عقدهم الحقيقية بدأت على مقاعد الدراسة.

لقد ذكرتني طالبة، من أصل آسيوي، كانت تدرس في لندن، وقد تعرضت هذه الفتاة لسلسلة من الإهانات على يد مدرسة بريطانية وكانت تتعمد السخرية منها لأنها أسيوية وتقول لها أمام الطلبة » أنت غبية ولن تفهمي درسك.« ولكن الأمر، على الرغم من هذه العنصرية الفجة والمؤلمة، لا تنطبق على كل المدرسين البريطانيين البيض .

ووصل بالمدرسة الأمر إلى منع الطفلة من الذهاب إلى الحمام لقضاء حاجتها مما كان يضطرها إلى التبول على نفسها، وفي هذه الحالة تستغل المدرسة هذه الحالة لتضاعف استفزازاتها وإذلالها للطفلة المسكينة. لكن الفتاة تؤكد الآن أنها لم ولن تحقد على كل البيض بسبب تلك المدرسة وقالت إن زملاءها في الفصل من الطلبة البريطانيين البيض كانوا يهدئون من روعها ويقولون لها إن المدرسة قاسية مع الجميع وسيئة بكل المقاييس، وهو ما كان يهدئ من روع الفتاة.

وكانت الفتاة تردد دائما »لم أشعر قط بالكراهية لأن المدرسة بيضاء بل لأنها كمدرسة مسؤولة عن سلوكها«. الحقيقة أن ذلك لا ينطبق على الكل فهناك مدرسون جيدون بل مبدعون يولون الطلبة رعايتهم ويحيطونهم برعايتهم. والملفت أن هناك نماذج كثيرة من الطلبة الذين يعانون من انفصال الأم والأب ويجدون في المدرسة أو المدرس بديلا ويجدون فيهم خير رعاية وحماية.

- لا شك أنكم تشيرون إلى أن على كل مدرس أو مدرسة الانتباه إلى مسألة مهمة للغاية وهي أن الطلبة مختلفين وينتمون إلى بيئات اجتماعية مختلفة وقد تكون تلك الاختلافات ثقافية وعرقية أيضا وأن الطلبة ليسوا مستنسخين من أب وأم واحدة وأن عقلياتهم غير متشابهة بل مختلفة،

• د. عامر:

الحقيقة أنه حتى وإن كان الطلبة من أسرة واحدة أو توأمين فالاختلاف النفسي والسلوكي وارد، ولذلك ينبغي أن تتوفر في المدرس نظرة شاملة لأن هؤلاء الطلبة كلهم أطفال ولكنهم يختلفون في نسبة الذكاء وفي الطباع والأخلاق والخلفية الاجتماعية.

والملفت أن المدرس يحاول منذ بداية العام الدراسي فرض شخصيته على الطلبة وقد يختار من بينهم ضحية » يربي به باقي الطلبة« ولكن هذا السلوك يكون على حساب هذا الطالب المسكين. وقد يلجأ الأستاذ، لتحقيق ذلك، إلى الترهيب والتلويح بالعصا أو الضرب بها أحيانا. وقد تكون الفكرة صحيحة نسبيا لكنها قد تكون وسيلة هدم أكثر منها وسيلة بناء، وليس بهذه الطريقة يمكن للمدرسة أن تفرض الانضباط على الطلبة.

@ هل يمكن القول إن بعض الطلبة يمكن أن يحدثوا إرباكا وهرجا في الصف لسبب وحيد وهو أنهم لا يستطيعون تحصيل ما يحصله زملاؤهم من اجتهاد وانتباه ؟

ـ ليس هناك طفل لا يحب الدراسة ويعتزم تخريب الحصة على الآخرين ببساطة لأنه لا يستطيع أن يستوعب الحصة أو لديه مشاكل يقوم بتفريغها في الصف.

ولكن هناك مشكلات لها صلة عميقة بالحالة الصحية للطالب منه فرط الحركة والتشتت الذهني، فهذا النوع من الطلاب يبدأ بتلهية زملائه في الصف ليس رغبة منه مقصودة في إفساد الحصة عليهم بل لأن طبيعته هكذا ويؤمن أن ما يقوم به هو الصحيح. وهنا تكون حالة الطفل مرضية وبحاجة إلى نوع من التدخل. وبهذه الصورة يمكن علاج الطفل سلوكيا ودوائيا.

* هل يعرف الطالب المريض بهذه الحالة أنه يقوم عن قصد بإحداث الصخب والهرج في الحصة ؟

ـ ليس هناك أي طفل لا يحب النجاح وتحقيق مستوى مرموق من الدراسة والحصول على درجات عالية. ليس هناك طفل لا يحب أن يفهم الدرس. هناك أطفال لديهم مشكلة سلوكية ناجمة عن الدلع في البيت فهو يعتقد أنه مهم وملفت للنظر كما الحال في البيت. وفي البيت يمكنه الحصول على أي شيء يريده ولكن هنا في المدرسة تختلف الأمور ولذلك يسعى إلى لفت الأنظار وتعكير صفو الحصة بأي طريقة.

إن ما يحتاج إليه هذا الطالب إلى نوع من أنواع الكبح والترويض بطريقة تربوية تجعله يشعر أنه مثل باقي الطلبة من زملائه ولا يوجد لديه شيء يجعله يختلف عنهم. وينبغي أن يخاطبه المدرس بالقول أن الوسيلة الوحيدة للفت الأنظار هي أن يحقق مستويات عالية بالدرس وبالأخلاق وليس بالنكتة والضحكة والشغب.

هناك فئة أخرى من الطلبة الذين يأتون غاضبين من مدرس أو مدرسة فيبدؤون التصرف بصورة غريبة لتعكير صفو الحصة. والحقيقة فإن المدرس مطالب دائما أن يفهم نفسية الطالب، وعلى ذلك يطالب كل مدرس بأن تكون له خلفية على نفس جيدة قبل أن يسمح له بتدريس الأطفال أو أن يكون حتى معهم. والمهم في ذلك تنمية قدرة المدرس على سبر غور عقلية الطلبة وفهم اتجاهاتهم السلوكية حتى يتمكن من التعامل معه بالأسلوب الصحيح.

ومن خلال معرفة المدرس بعلم النفس يمكنه أن يفهم السبب الحقيقي وراء معاناة الطفل لإيجاد الحلول السلوكية لها. والمهم أن مثل تلك المشاكل التي تواجه الطلبة وعلى رأسها المشكلة السلوكية يمكن علاجها من مراحلها الأولية حتى لا تتفاقم ويصبح من الصعب علاجها مستقبلا. والواقع فإن إهمال علاج الحالة يمكن أن تتحول إلى فشل دراسي وبذلك يمكن أن تفوت الطالب مستقبلا فرص كبيرة في الحياة.

وتبرز هنا أهمية الأخصائي النفسي والاجتماعي في المدرسة وذلك لسبب بسيط وهو إمكانية عرض مشكلة الطفل عليه على اعتبار أنه يعرف الطالب والطلبة والمدرسين من حوله ويمكن التعاون معهم على حل المشكلة. ويمكن للأخصائي أن يوفر للوالدين سلسلة نصائح تربوية وصحية خاصة بالطفل يمكن أن تفيده.

ويمكن بعد ذلك الوصول إلى أخصائي نفسي أو طبيب نفسي من خارج المدرسة. وهنا لا بد من التدرج في حل مشكلات الطفل، فهناك الكثير من الناس يعتقدون أن قضية الطبيب النفساني مسألة سهلة ولكن في النهاية قد تكون حقيقة بدرء مشاكل كثيرة وتحسن من مستقبل الطفل. وأعتقد أن هناك خللا ما في أداء المدرسة والمدرسين في التفاعل مع الطالب والاقتراب من حل مشكلاته.

وهناك ميزة جيدة بالنسبة للمدرسين وهي قربهم واحتكاكهم مع الطالب والطلبة المحيطين به ولذلك فهم الأقدر على فهمه وحل مشكلاته، ومن ثم يمكن الوصول إلى الطبيب النفسي أو الاختصاصي النفسي من خارج المدرسة لاستكمال دراسة حالة الطالب والوصول إلى خطوط عريضة ومشتركة مع الأهل والمدرسة لحلها.

وهنا لابد من التدرج في حل المشكلات، ويعتقد الكثيرون خطأ أن قضية دخول الطبيب النفساني على خط الحل مسألة سهلة، ولكنها في نهاية المطاف وسيلة قد تدرأ مشاكل كثيرة وتحسن مستقبل الطفل.

*هل يشكل عرض الطفل على الطبيب النفساني مشكلة أو عقدة عند الطالب مستقبلا حيث سيعتقد بعد سنوات أنه عرض على الطبيب النفساني بسبب مشكلة نفسية عضال، وهل يمكن أن يتمادى الطبيب في اختلاق مرض نفسي ما عند الطفل حتى يطيل أمد العلاج والكسب في آن واحد؟

ـ د. سعد الدين:

الحقيقة أن أي تشخيص مرضي لحالة يعتمد على أسس علمية وطبية سواء كانت اختبارات نفسية أو معايير معينة كما أنه لا يمكن للطبيب في الغرب افتعال حالات مرضية وهمية ليست موجودة عند الطفل لأنه يعلم أن القيام بذلك سيكلفه مستقبلا دفع مبالغ طائلة تعويضا للأهل عند اكتشاف الغش في تصرف الطبيب.

وفي حال راجعنا القضايا المرفوعة ضد طبيب نفساني بسبب افتعاله حالة مرضية عند طفل ما سنجدها قليلة جدا وتكاد لا تذكر . ونحن كأطباء نفسانيين نحاول قدر المستطاع التقليل من زيارات الطفل للعيادة لأننا لا نريد أن يرتبط الطفل أو حتى الكبير بالعيادة النفسية ويصبح معتمد عليها في حل مشاكله.

إن دور الطبيب ينحصر في أنه إذا كانت هناك مشكلة فإنه يحاول قصارى جهده أن ينهيها بأقل الخسائر الممكنة بالنسبة للمريض. وهناك الكثير من الناس من يزعم أن الطبيب يريد منه أن يأتي مرات عديدة لأسباب مالية،.

لكن في واقع الأمر فإن كل حالة تتطلب مراقبة ومتابعة دقيقة جدا من الطبيب وبالتالي فهو الجهة المؤهلة لوصف العلاج المناسب الذي لا يمكن توفيره طالما لم يراجع المريض العيادة مرات عدة للوقوف على تأثيرات العلاج. كما أن الطفل يظل أمانة في عنق الطبيب كما في عنق أهله، ولا بد من توفير العلاج المناسب الذي قد يستدعي فترات قد تكون طويلة.

في واقع الأمر يتم علاج الطفل في الغرب في إطار فريق عمل يكثفون الجهود جميعا للوصول إلى حل ناجع للطفل، فهناك الطبيب النفسي والأخصائي النفسي والاجتماعي في المدرسة فضلا عن طبيب الأطفال، وطبيب الجينات، يعني أن الأمور ليست بتلك البساطة التي يمكن أن يعتقدها الإنسان عندما يريد أخذ ابنه إلى الطبيب النفسي.

* هل يشكل الاختلاط بين الجنسيات الكثيرة في الصف الواحد أية عوائق أو مشكلات نفسية لدى الطفل؟

ـ د. سعد الدين:

على العكس فإن الاختلاط في المدرسة بين جنسيات مختلفة فيه منفعة كبيرة للطفل الذي يكتسب خبرات كبيرة خاصة إذا كان الطلبة ينتمون إلى أعراق وطوائف دينية مختلفة. ونرى أن كل طالب ينتمي إلى حضارة ما يحدث زملاءها عن حضارة بلاده وعادات شعبه وتقاليده ويوفر للطالب مخزونا عظيما من المعلومات عن تلك الشعوب ويساعد ذلك أيضا مستقبلا على التقارب بين الناس على مختلف نحلهم وأعراقهم.

* هل يتم عرض الحالات النفسية عند الأطفال في مرحلة مبكرة؟

ـ د.سعد الدين :

للأسف فإن أغلبية الحالات التي تأتي إلى العيادات هي الحالات المتقدمة خاصة في حالات القلق وفرط الحركة وتشتت الذهن. وتعد هذه الحالة الأخيرة الأكثر انتشارا وترددا على عيادتنا.

* هل من الممكن أن يكون الطالب ذكيا جدا ويعاني من فرط الحركة وتشتت الذهن؟

ـ د.سعد الدين:

بالطبع يمكن أن يكون الطالب ذكيا جدا ولكن هذه الحالة تستهلك ذكاءه في نشاط غير مجد، وهو ما يؤدي إلى إعاقته عن القيام بنشاطه المدرسي، لكن بعد العلاج تعود الأمور إلى طبيعتها ويكون من الطلاب المتفوقين.

* هل يستغرق هذا العلاج فترات طويلة؟

ـ يمكن أن يأخذ الدواء فترة طويلة وفي بعض الحالات يحتاج الطفل إلى فترة علاج تتناسب ونسبة الحالة وعمق تأثيرها على سلوكه. ولذلك فإننا دوما نشجع أولياء الأمور على زيارتنا قبل دخول أطفالهم إلى المدارس لعلاج تلك الحالة أو غيرها حتى يكون دخول الطفل إلى فصول الدراسة مأمونا وخاليا من أية مشكلات. فلو كانت هناك أية مشكلة عند الطفل يمكن مناقشتها، ولو تمت معالجتها باستشارة من الطبيب النفسي أو الاختصاصي النفسي فإن أثر العلاج لن يعلق في ذهن الطالب أي أثر لتلك الزيارات .

وفي واقع الأمر فإن معظم أولياء الأمور يترددون في اصطحاب أبنائهم إلى العيادة النفسية خشية أن يترك ذلك في نفس الطفل آثارا سلبية قد تتفاقم عند الطفل نتيجة لفهم خاطئ قد يتراكم عنده مستقبلا. لكن هذا الكلام مرفوض لأنه سيشكل عائقا أمام أولياء الأمور فتبقى الحالة المرضية عند الابن دون علاج وتتفاقم.

وأقول بصراحة إننا نتعامل مع الطفل بكل شفافية وعلى الأهل اعتبار الزيارة مسألة طبيعية وأن زيارة الطبيب النفسي هي كأي زيارة لأي طبيب صحة آخر بل تكون أحيانا أكثر أهمية لأنها ستؤثر بلا شك على مستقبل الطفل ونجاحه في حياته الدراسية كما العملية والاجتماعية.

* هل تحاولون شرح الأمور للطالب والخوض بتفاصيل حالته بكل شفافية وصراحة؟

ـ د.سعد الدين:

بالطبع أحاول إفهام كل طفل وفقا لمستوى تفكيره، وحتى عندما أعطي الطفل علاجا ما أحاول أن أوضح له سبب العلاج. وما يمكن شرحه لطفل في الخامسة أو السادسة من عمره يختلف عن إنسان كبير تجاوز سن الرشد.

*هل سوق الطفل إلى مدرسة تطرح مناهج أكبر من قدرته على الاستيعاب يتسبب في أزمة عند الطفل قد تضعف رغبته في الدراسة وقد تؤدي إلى مغامرة غير محسوبة تطيح بمستقبله؟

ـ د.سعد الدين:

ليس هناك أي طالب غير قادر على الاستيعاب، اللهم إلا إذا كانت لديه قدرات ذهنية محدودة. ولكن ينبغي الحذر ليس من المنهج المعد في تلك المدرسة بل من طبيعة المدرسة والطلاب الذين يدرسون فيها. ولذلك ينبغي الانتباه إلى هذه الناحية. ويمكن في مثل تلك الأحوال أن يتقدم أولياء الأمور لاستشارتنا إزاء المدرسة المناسبة لحالة الطفل وطبيعته قبل الدخول إلى المدرسة.

فهناك مدارس منغلقة وأخرى منفتحة، وهناك بعض الطلبة يناسبهم المنهج الأميركي المفتوح بينما آخرون يناسبهم المنهج البريطاني الانضباطي والمتشدد، لكن ينبغي في الوقت نفسه الإيمان بأنه يستحيل العثور على مدرسة حسب المقاس.

والحقيقة الثانية أنه لا يمكن التصرف بمعزل عن إرادة الطفل فلا يمكن نقله من مدرسة أو من صف لآخر دون الرجوع إليه. ولعل الأفضل هو اصطحاب الطفل إلى المدرسة الجديدة ومصارحته بالنقل إليها وعندئذ يمكن الاسترشاد بموقف الطفل ورد فعله على هذه المسألة.

لكن للأسف فإن معظم أولياء الأمور في الوطن العربي يتصرفون على هواهم وكأنه ليس لذلك الكائن الصغير أي وجود أو مشاعر أو رغبات خاصة. يعني أن الطفل لا يستشار على الإطلاق. لكن مع الانفتاح واتساع دائرة الثقافة بات أولياء الأمور أكثر وعيا وفهما لتلك القضايا.

محمد نبيل سبرطلي