اجتاز مرضى السكري ممن يستخدمون عقار «أفانديا»، الذي تنتجه شركة « جلاكسوسميث كلاين»، أياماً عصيبة وحالة من الخوف بسبب دراسة طبية نشرتها مجلة « نيو إنجلند جورنال أوف ميديسن» حذرت من أن العقار يؤدي إلى مضاعفات خطيرة منها الإصابة باضطرابات في القلب، وحتى الوفاة. ولكن الشركة المصنعة سارعت إلى النفي وانضم إليها في دبي أحد كبار المشاركين في مؤتمر طبي عالمي شكك بالمصداقية العلمية للدراسة.

لكن التطمينات في الدولة جاءت سريعة على لسان حميد الشامسي الوكيل المساعد لشؤون الصيدلة والتموين في وزارة الصحة الذي قال إن « أفانديا» الذي تصنعه شركة جلاكسوسميث كلاين لا يزال متداولا في صيدليات الدولة، ويوصف لمرضى السكري في القطاعين العام والخاص. ونفى صدور أي تعميم من قبل الوزارة يحذر من استعمال الدواء، ونصح المرضى بعدم التوقف عن الدواء، إلا بعد مراجعة الطبيب المختص، وقال إن كل مريض له احتياجات طبية مختلفة، وينبغي الحكم على كل حالة على حدة من قبل الأطباء المعالجين، ولفت إلى أن الوزارة تراقب الموقف مع الجهات المعنية وستقوم بإبلاغ الجمهور في حال حدوث أية مستجدات منبهاً إلى ضرورة أن تمتنع أي وسيلة إعلامية عن نشر أي خبر ما لم تتحر مصداقيته، حتى لا تثير حالة من الفزع بين الجمهور.

في غضون ذلك، نفى متخصص في علوم الطب والأدوية ومدير مركز السكري والغدد الصماء في ولاية نيويورك، في حديث خص به مجلة «الصحة أولاً»، ما جاء في الدراسة حول مخاطر استخدام الدواء على القلب، وحذر البروفسور باريش داندونا، الذي كان يحضر مؤتمراً عالمياً للأطباء في دبي لنشر الوعي بين مرضى السكري، من خطورة انتشار داء السكري بين الناس. مشيراً إلى أنه يتخذ الآن طابع الوباء بين سكان العالم بشكل عام ومنطقة الخليج العربي بشكل خاص.

وقال «لقد احتفلنا أخيراً في مركزنا في نيويورك بمرور عشر سنوات على انتهاء الإصابات بالتقرحات والغرغرينا وبتر الأعضاء بين مرضانا بفضل مجموعة من الإجراءات، منها الحمية الغذائية والتدريبات الرياضية. لقد جاء ارتفاع أعداد المصابين بالنوع الثاني من السكري حافزاً قوياً لدي لتحمل مسؤولية نشر الوعي بين الناس خاصة المصابين بالسكري عن طريق العناية الغذائية واتباع وسائل حمية والقيام بتدريبات رياضية.

إن هدفي هو خلق بيئة صحية خالية من مرض السكري بين السكان. وسبب مجيئي إلى الإمارات، هو نشر رسالة التوعية والتخلص من السكري أو الوقاية منه، وهي عملية غير متعذرة. ولا بد من القيام بتحرك ما لتحقيق ذلك، لأن البديل هو مضاعفات تؤدي إلى بتر الأعضاء أو فقد البصر والكلية. وأنبه هنا إلى أن نظام الحمية والرياضة ينبغي أن يسيرا جنباً إلى جنب مع تناول الأدوية المخصصة لعلاج السكري من النوع الثاني.

ولا بد من الاعتراف هنا أن السكري يقصر من فترة العمر، كما يضاعف احتمالات الوفاة بسبب أمراض القلب، وهي تصبح لدى مصابي السكري أكثر بثلاث أو أربع مرات مقارنة بالأشخاص العاديين. وعلى ذلك لا بد من التحكم بالسكري بصورة جيدة لتجنب نتائج مؤلمة.

أؤكد هنا أن جميع مرضاي على الأغلب لم يصابوا بأمراض القلب أو بجلطات دماغية نتيجة اتباعهم برامج حمية ورياضة، كما أن نسبة محدودة جداً منهم، اضطروا للخضوع لعمليات قسطرة قلبية.

هناك مسألة لا بد من التنبيه إليها، وهي أن غالبية مرضى السكري من النوع الثاني لا يعون مسألة مهمة جداً، وهي أنه من المستحيل الشفاء، طالما لم تعد نسبة السكر في الدم إلى وضعها الطبيعي، كما أن الإصابة لا يمكن السيطرة عليها أو علاجها بالمضادات الحيوية، لأن الشفاء مرهون بالتحكم بنسبة السكري في الدم حتى تعود إلى مستواها العادي الطبيعي.

الكريات البيض وضعف المناعة

والملاحظة الأكثر خطورة هنا، إن الإصابة بالسكري تفتك بالكريات البيض المؤهبة للدفاع عن الجسم ضد الأمراض المختلفة، والملفت، إنها عند ارتفاع نسبة السكر في الدم تصبح كريات الدم البيضاء غير قادرة على الدفاع عن الجسم، فتضعف قدرته على مقاومة الأمراض. ولكن عند انخفاض السكري، تستعيد كريات الدم نشاطها ويختفي المرض ويعود الإحساس في الأطراف إلى حالته الطبيعية، وأعتقد هنا، أنه مكمن السر.

أما الجانب الآخر من السر، فهو عندما تكون مصاباً بمشكلات في القلب أو في شرايينه، عند ذلك لا بد من اتباع علاج وقائي مشدد لخفض الكولسترول وضغط الدم، وعندها فقط يمكن إزالة عامل الخطورة بصورة نهائية. كما لا بد التوقف بصورة نهائية عن التدخين.

وأؤكد أن الالتزام ببرنامج حمية ورياضة وتناول الدواء المناسب سيؤدي إلى الشفاء، وعلى النقيض من ذلك، فإن الإهمال سيحول السكري إلى وحش فتاك، قد يؤدي إلى بتر أعضاء أو إصابة القلب بمشكلات كبيرة.

أفانديا

وحذر البروفسور باريش داندونا من الركون إلى الدراسة التي نبهت إلى خطورة عقار أفانديا المخصص لعلاج السكري من النوع الثاني ومدى تأثيره على القلب. وقال إن الدراسة التي قام بها الدكتور ستيف نيسن من عيادة كليفلاند ونشرتها المجلة الطبية «نيو إنجلند جورنال» تناولت 40 دراسة فقط، على أساس انتقائي، من أصل 160 دراسة مشيراً إلى أن الدراسة التي تعتمد أسلوب «ميتا أناليسيز» أو تحليل ميتا تهدف إلى الأخذ بمجموعة من الدراسات للوصول إلى إجابات بعد تحليل جميع البيانات فيها. لقد كان من الضروري على الدكتور ستيف تجنب اللجوء إلى الأسلوب الانتقائي، بل تناول كل الدراسات الخاصة بالعقار وعدم أخذ البعض ونبذ الدراسات الأخرى لتحري الدقة.

ونبه الدكتور باريش إلى ضرورة الاعتماد على طرف آخر حيادي مشيرا إلى أن « شركة جلاكسوسميث كلاين» المصنعة للعقار أفانديا تقوم حاليا بدراسة مضى عليها خمس سنوات ولا يزال أمامها عامان آخران لإنجازها، ولن تظهر النتائج إلى بعد انتهاء التجارب التي تناولت نحو 5400 مريض بالسكري من النوع الثاني حتى الآن.

وأوضح أن الدراسة هذه لا تزال مستمرة ويشارك فيها آلالف المرضى. وأشار إلى أهمية أن يشارك في الدراسة «مجلس مراقبة سلامة البيانات» باعتباره مجموعة علمية وقال إن الجهة القائمة على الدراسة، ينبغي أن تكون مستقلة وتراقب النتائج كل 3 أو 4 أشهر من التجارب. وفي حال تمت ملاحظة أية عوامل سلبية، عندئذ يمكن أن نطلب وقف الدراسة، ونقول عند ذلك إن هذا العقار مضر جداً. ونؤكد أنه بعد مضي خمس سنوات على التجارب والدراسة، لم يظهر حتى مؤشرا واحدا على أن العقار له جوانب سلبية.

لقد كان حرياً بالدكتور ستيف باعتباره شخصية مرموقة في أروقة علوم أمراض القلب أن يطلب من إدارة الغذاء والدواء الأميركية وجلاكسو أن يتعاونا معه لجمع كل نتائج الدراسات والبيانات الخاصة بعقار أفانديا للوصول إلى نتائج تتسم بمصداقية، أفضل من قيام طرف واحد بها. لقد كان حرياً بالدكتور ستيف أن يختار هذه الطريق الثانية، بدلاً من الانفراد بالدراسة والخروج بنتائج أحادية. ومن الخطورة التوصل إلى نتائج ومؤشرات خطيرة اعتمادا على قواعد وأسس غير كاملة، لأن ذلك يتسبب في إثارة القلق.

الحقيقة إن شخصية لها وزنها الكبير في عالم الطب مثل الدكتور ستيف نيسين كان عليه اختيار طريقة أفضل غير الطريقة غير الناضجة التي تتجنب التعاون مع إدارة الغذاء والدواء الأميركية والشركة المصنعة لأفانديا.

لقد كان من واجبه جلب كل الدراسات والبيانات الخاصة بالعقار، والتعامل معها في حزمة واحدة بدلاً من اللجوء إلى عامل انتقائي، وذلك للحصول على إجابة واحدة ومحددة.

ولسوء الحظ فإن ذلك لم يحصل. فلو كنت في مكانه ما كنت فعلت ذلك، لأنه يستحيل على شخصية طبية كبيرة مثل الدكتور ستيف أن يطلق مؤشرات خطيرة تنعكس سلباً، ليس على المرضى فقط بل على الأطباء. ومثل هذا التصرف يسبب ألماً من كل النواحي. لقد حان الوقت بالنسبة لإدارة الغذاء والدواء الأميركية وشركة « جي إس كيه» أن يعملا سويا للوقوف على الحقائق العلمية للدواء وينبغي عليهما نشر معلومات علمية تمنح المرضى تطمينات بدلاً من حالة التشوش التي يعيشونها الآن.

المشكلة الآن إنك عندما تنشر فضيحة، فإن ذلك لن يستغرق زمناً طويلاً. ولكن لتصحيح ما جاء فيها، يلزم فترة أطول خاصة إذا كان الأمر يتعلق بدراسات جديدة مهمتها التوصل إلى ردود مقنعة للناس فإن الدراسة التي أنتجها الدكتور نيسن لم تتوخ الدقة والحذر. وآمل من الكونغرس الأميركي أن يجمع كل البيانات الطبية الخاصة بالدواء لتصحيح الوضع وليست لدي أية شكوك أن الكونغرس الذي يرأسه الديمقراطيون سيكون منصفا في تقصيه للحقائق. وكل ما نتمناه أيضا أن يصل إلى إجابة واحدة لتسوية تلك المسألة بصورة نهائية، وعند ذلك ستشعر كل الأطراف بالراحة.

رد « جي إس كيه» الشركة المصنعة لأفانديا

فور الكشف عن دراسة الدكتور ستيفن نيسن المحذرة من خطورة أفانديا، أصدرت «جلاكسوسميث كلاين» المصنعة للدواء بياناً دافعت فيه عن الدواء. وقالت إن استخدامه في الوقت الحالي واسع النطاق وله فعالية عالية على النوع الثاني من السكري. ورفضت جملة وتفصيلاً ما نشرته مجلة « نيو إنجلند جورنال أوف ميديسن» وقال البيان إن الدراسة استندت إلى أدلة ناقصة وإلى منهج اعترف الدكتور ستيفن نيسن نفسه بأنه يحتوي على جوانب فيها قصور شديد.

وتابع البيان يقول إن الدراسة استندت إلى تحليل معلومات مختصرة تضم عدد من الدراسات وإلى تحليل ميتا « ميتا أناليسيز» وهي لا تعد طريقة فعالة للوصول إلى نتائج محددة ودقيقة وقاطعة. إن كل دراسة من تلك الدراسات صممت بطريقة مختلفة. فكل دراسة تنفرد بصورة مختلفة من حيث الحجم والطول ونوعية المرضى المشاركين في الدراسة كما النتائج التي تم التوصل إليها. كما أن البيانات التي تم تجميعها في تلك الدراسات المختلفة تتسم بأنها معقدة ويمكن أن تصبح متضاربة.

البداية

بدأت الأزمة بالتفجر عقب الدراسة التي نشرتها مجلة «نيو انجلند جورنال أوف مديسن» وافترضت أن عقار أفانديا يصعد من خطورة الإصابة بأزمات قلبية، ويمكن أن يؤدي إلى الوفاة. ويلاحظ أن أكثر من 6 ملايين شخص في العالم يتناولون العقار للتحكم بنسبة السكر في الدم، وبات العقار الأفضل والأكثر شهرة خلال الأعوام الثمانية الماضية.

وفي غضون ذلك تعرضت إدارة الغذاء والدواء الأميركية لحملة انتقادات شديدة واتهمت بالقصور في حكمها على الأدوية وأعيد التحدث عن عقار ضةدظظ المسكن، بعد أن تسبب في وفاة عدد كبير من الناس. وقال الدكتور جير أفورن الأستاذ في كلية طب هارفرد أن الإدارة أخفقت في التعرف على حقيقة العقار عندما صادقت على أفانديا «تماما كما حدث بالنسبة للمسكن فيوكس الذي سحب من الأسواق العالمية بسبب تعقيدات ومشكلات نجم عنها وفيات بأعداد كبيرة في العالم.وقال د. جيري أن مثل هذه الحالات ستستمر حتى نصبح قادرين على إنشاء جهاز جديد وبديل لديه القدرات الفنية على استجلاء حقيقة أي دواء.

وقال موقع «ببليك سيتزن»، وهي مجموعة معنية بالدفاع عن المستهلك، أن إدارة الغذاء والدواء الأميركية أخفقت في الحصول من الشركة المصنعة لأفانديا على تنبيهات كافية للتحذير من مخاطر العقار. وفي الوقت ذاته، دعا إتحاد المستهلكين الأميركيين الإدارة إلى الإعلان عن كافة النتائج الخاصة بالاختبارات للجمهور. وقالت ينبغي أن يعرف الباحثون والمرضى على حد سواء أكثر عن المخاطر التي يحملها كل دواء.

وتشير نتائج العشرات من الدراسات، التي شاركت فيها عينات من المرضى بلغت 28 ألفا، إلى وجود مخاطر تصل نسبتها إلى 43 في المئة لاحتمال الإصابة بأزمات قلبية في حال تناول عقار أفانديا بالمقارنة مع أشخاص تناولوا في التجارب «عقارا كاذبا» أو أدوية خاصة بالسكري مخصصة لمرضى بالنوع الثاني من السكري.وقالت «نيو إنجلند جورنال أوف مديسن » أن نتائج الدراسة أثارت حالة من الهلع لأن ثلثي الأشخاص المصابين بالسكري من النوع الثاني عادة ما يتوفون بسبب مشكلات في القلب.

ولذلك فإن دواء يتسبب في تعزيز المخاطر يدعو المرضى والأطباء إلى توخي الحذر. يذكر أن مبيعات « أفانديا» في الولايات المتحدة في العام الماضي بلغت 2,2 مليار دولار، ويشار إلى أن 13 مليون وصفة أفانديا صرفت في الولايات المتحدة العام الماضي.

الحقيقة التي لا مفر منها هي أن الدراسة التي نشرها الدكتور ستيفن نيسن وخبيرة الإحصاء كاسي ولسكي تلقي بظلال قاتمة حول آفاق الوقاية من السكري وعلاجه. ولكن الدكتور نيسن لم ينج من الانتقادات هو أيضا حيث ذكرت تقارير طبية أن الدراسة لم تكن مصممة للبحث عن مخاطر إصابات القلب، وقالت المصادر إن الدراسة اعتمدت على دراسات قصيرة ومنقوصة وبعضها يعتمد على تجارب لم تستغرق أكثر من 24 أسبوعا، ويلاحظ أن جل المخاطر تظهر على المريض على المدى البعيد.

ووافق على هذا التحليل الدكتور ديفيد ناثان رئيس قسم العناية بمرض السكري في مستشفى مسسيبي العام إذ قال إن تلك الدراسة لم تلامس سوى سطح المشكلة التي ستتكشف أبعاد لها قريبا. ورفض الأخذ بنتائج تحليل الدكتور نيسن بعين الجدية. وكان الدكتور ناثان قد راجع الدراسة قبل أن تنشر في «نيو إنجلند جورنال أوف مديسن». ول اتربط ناثان أية صلات مالية مع أي من شركات صناعة الأدوية.

ويلاحظ أن البيانات الواردة على عقار أفانديا تحذر من احتمالات تعرض الأشخاص المصابين بأمراض القلب إلى الإصابة بنكسات قلبية. كما يضاعف الدواء نسبة الكولسترول السيئ ويتسبب في انحباس السوائل وزيادة الوزن، وذكرت الشركة المصنعة «جلاكسو» أن بعض المرضى عانوا من كسور في العظام وتورم في الساقين والقدمين، كما تشير تقارير محدودة جدا إلى حدوث تورم في العين يمكن أن تتسبب في مشكلات بصرية.

لكن الدكتور لوسون ما كارتني الذي يقود أبحاث تطوير عقاقير السكري في الشركة قال «لدينا ثقة كاملة في سلامة الدواء، وفي نجاعته واعتباره الدواء الناجع لعلاج السكري». وذكر أن الدكتور نيسن استغل معلومات نشرت سابقا حول قيام «جلاكسو» الشركة المصنعة للعقار بعملية تسوية مع ولاية نيويورك بلغت 5,2 مليون دولار. وقد أخذ الدكتور نيسن هذه المسألة بعين الاعتبار في دراسته.

وكان د.نيسن قام سابقاً بإجراء بحث أدى إلى سحب دواء بارغلوفا المخصص لعلاج السكري من الأسواق، وكانت إدارة الغذاء والدواء الأميركية على وشك المصادقة عليه لطرحه في الأسواق.وأدت إثارة الشبهات حول الدواء إلى سحبه من الأسواق وتم أيضا سحب عقار «رزولين» من الأسواق العالمية في العام 2000 بعد أن ربط الدواء بمشكلات خاصة بالكبد.

محمد نبيل سبرطلي