خلف المكاتب الضيقة، وأجهزة الكمبيوتر المتعبة، تتلاشى المشاعر، رغم أهميتها بالنسبة لنا جميعاً.يمضي كل واحد منا ما يقارب ثلث يومه في النوم، والثلث الآخر في العمل، والثلث الأخير يكون موزعا ما بين البيت والتواصل الاجتماعي والتسوق، وأداء الأنشطة المختلفة.
وهذا يعني أن مكان العمل يؤثر ـ كما تؤكد الدراسات ـ على الصحة الجسدية والنفسية، إذ تشير الدراسات إلى أن العلاقات الاجتماعية بشكل عام، والعلاقات بين زملاء العمل بشكل خاص، تلعب دوراً هاما في تعزيز الشعور بالرضا عن الحياة، والتمتع بنور السعادة الذي يضيء الدروب ومفارق الحياة.
ومما لاشك فيه أن الإنسان لا يمكنه أن يقضي ساعات عمله الطويلة منهمكا في انجاز المهام، إذ لا بد من فترات قصيرة يمضيها في تبادل الأحاديث، أو طرح بعض الأفكار والاقتراحات، أو سماع النكات الخفيفة.
وبسبب عدم توفر البيئات المناسبة في أماكن العمل، ذات التهوية غير الجيدة، والإضاءة غير المناسبة، ورنين الهواتف، والضجيج الصادر عن الأشخاص، والتجهيزات المختلفة، فإن هذه الأماكن تسبب القلق والضجر، والشعور بالكآبة، والاضطرابات الجسدية المختلفة كالصداع، وتسرع دقات القلب، وسرعة الاستثارة والتوتر، ولعدم توفر المساحات المناسبة للترفيه والاسترخاء، والاستمتاع بفنجان من المشروبات الساخنة، لهذا نجد أن الموظف يتعرض للضغط النفسي الذي ينعكس بشكل سلبي على أدائه في العمل، وعلاقاته بالزبائن، وبزملائه.
لهذا يؤكد خبراء الصحة النفسية على ضرورة توفير الشروط الأساسية، داخل أماكن العمل، وتعزيز مفهوم العلاقات مابين الزملاء والرؤساء والمرؤوسين.
إذ أن هذه العلاقات توفر نوعاً من الدعم الضروري، خصوصاً إذا ما توفرت الثقة بين الزملاء، حيث يمكن البوح بمكنونات الصدر من أسرار سواء أكانت تتعلق بالعمل، أو الظروف المادية، أو حتى المشكلات الأخرى المرتبطة بالحياة اليومية.
ومثل هذه العلاقات إذا ما كانت قوية فإنها تساعد الشخص على حل المشكلات الكبيرة بخطوات بسيطة، وابتكار الطرق الفعالة لزيادة الإنتاج، وتقليل النفقات، أو طرح الأفكار الخلاقة التي ترفع من سوية المؤسسة التي ينتمي إليها.
وبعد..
يحق لنا أن نتساءل، هل لدينا علاقات قوية داخل العمل، أم أن نمط حياتنا المتسارعة قد قضى على تلك العلاقات، ليس في العمل فحسب، وإنما خارج نطاق العمل؟
وهل يمكن للقائمين على إدارة المؤسسات توفير الأرض الخصبة لكي تنبت بذور المحبة التي تجعلنا نشعر بمعاناة الزملاء في العمل، والمبادرة إلى تقديم الحلول المناسبة لمشكلاتهم، ومساعدتهم على تطوير أدائهم في العمل؟
كثيرة هي التساؤلات التي قد لا نجد إجابات شافية لها في هذه المؤسسة أو تلك، ولكنها تساؤلات مهمة تحتاج إلى إجابات مقنعة يمكن تطبيقها على أرض الواقع.
نحن بحاجة إلى أن نكون كأسرة واحدة داخل مكان العمل، خصوصاً أننا نقضي ثلث يومنا بين أركانه. وإذا ما تحقق ذلك يمكننا تحقيق أهدافنا المشتركة، والشعور بالرضا والتمتع بالصحة والسعادة بعيداً عن المرض.
همسة:
العوامل الاجتماعية في العمل تعزز العلاقات الإنسانية.