حول لم يعد دور الصيدلي قاصراً على الوقوف خلف كومة الأدوية، لتوفير وصرف الدواء وإعطاء بعض الملاحظات والنصائح عن كيفية أخذ الدواء ( ثلاث مرات في اليوم أم مرتان.. بعد أم قبل الطعام)، هذا كان في السابق. أما اليوم فقد تعداه ليشمل كافة أوجه الرعاية الصحية والحياتية الحديثة، فمثلاً نجده في المختبرات الطبية، وقد نجده أيضاً في المصانع يقوم بالتحاليل الفيزيائية والكيميائية للتأكد من جودة المنتج أو منع خطأ قد يحدث أثناء تصنيع أو تحضير الدواء. والأهم من هذا كله، هو مشاركة الصيدلي الفريق الطبي في المستشفيات كجزء لا يتجزأ منه، وهو الذي نطلق عليه اليوم مصطلح الصيدلة السريرية.

البداية

لعل البداية بدأت منذ ما يقارب من 2000 سنة، ولكن بداية التسمية الحقيقية التي عرفها الناس بدأت في الربع الأول من القرن الثامن عشر وتحديداً في عام 1815 في المستشفيات الفرنسية، ثم تلاه مصطلح الصيدلة الفيزيائية والتي كانت جزءاً لا يتجزأ من النقابة الإيطالية والتي كانت على علاقة وطيدة في علاج المرضى، ثم انتقل هذا المصطلح انتقالا جذرياً في ستينات القرن التاسع عشر وأطلق عليه مصطلح الممارسة الصيدلية والتي كانت أعم وأشمل من التسميات السابقة.

وأخيراً استقر الاسم أو المصطلح على الصيدلة السريرية إلى يومنا هذا والتي تركز على الصلة المباشرة بين الصيدلي والمريض في المستشفيات.

* ما هي الصيدلة السريرية؟

ـ من النظرة السابقة إلى تاريخ الصيدلة السريرية والتسميات التي مرت بها، فإن الكثير من التعريفات قد وضع ليلائم زمانه وعصره.

إن أهم التعريفات التي وضعت في السنوات الأخيرة هو أن الصيدلة السريرية عبارة عن نوع من أنواع المعرفة، أو دراسة الممارسات الصيدلانية التي تركز على فعالية الدواء إلى أكبر قدر ممكن، والتقليل قدر الإمكان من الأضرار الناجمة عنه. وقد تعرف الصيدلة السريرية على أنها ذلك المكان الذي يتعامل به الصيدلي مع المريض مع التركيز على جانب العلاج.

إن جميع هذه التعريفات والمصطلحات تركز أو تتركز في النهاية على العلاقة الجيدة بين الصيدلي والمريض والطبيب وآخرين يهتمون بالرعاية الصحية.

تعتبر الصيدلة السريرية واحدة من الاتجاهات الحديثة والمهمة في عالم الصيدلة، وتطبيقها يضيف إلى الخدمات الصيدلانية مستوى جديداً وجيدً من الدقة، حيث أنها تلعب دوراً مهماً ضمن الفريق الطبي داخل المستشفيات حيث يعمل الصيدلي السريري على:

1- الحرص على العلاج الدوائي والتقليل من مخاطره.

2- إيقاف بعض التداخلات غير المرغوب فيها.

3- يقوم بضمان إعطاء الدواء الصحيح بالجرعة الصحيحة، وفي الوقت المناسب للمريض.

4- إمداد المريض ببعض النصائح والإرشادات حول كيفية التعامل واستخدام الدواء لتفادي الآثار السليبة للدواء.

* لماذا الصيدلة السريرية؟

- إن الصيدلة السريرية تعني دور الصيدلي في الرعاية الطبية والتقليل من الأخطاء المتعلقة باستعمال الأدوية من قبل الطبيب الذي يعتبر نفسه الصيدلاني في كثير من الحالات والمريض الذي يأخذ الدواء بالطريقة التي تحلو له من غير استشارة الصيدلي ظناً منه أنه يأخذه بالطريقة الصحيحة. كما أن الصيدلة السريرية تتطرق إلى البحث عن أفضل الوسائل العلاجية للكثير من الأمراض أهمها الربو وهشاشة العظام كما أنها تركز على القيام بتحضير هذا النوع من الأدوية كجزء لا يتجزأ من الفريق الطبي.

كما أن هناك كثيراً من الأمراض أو العلاجات التي لا يستطيع المعالج أو الطبيب التعاطي مع أدويتها، مثل أدوية السرطان وأمراض القلب أو نقص المناعة المكتسب ( الإيدز) وذلك لأسباب عدة:

1- إن أي زيادة أو نقص في الجرعة قد يؤدي إلى عواقب وخيمة، لذا فهي تحتاج إلى متخصص للتعامل مع مثل هذه الأدوية.

2- حماية ووقاية العاملين من استخدام مثل هذه الأدوية والتخلص منها عند الإنتهاء من استخدامها، لأنه في كثير من الأحيان قد تحوي هذه الأدوية مواد سامة تؤثر سلباً على سلامة الشخص خاصة إذا اختلطت هذه المواد مع أجزاء حساسة من الجسم مثل البشرة أو العين.

3- صعوبة الحصول على مثل هذه الأدوية وغلاء ثمنها، فقد تصل الجرعة الواحدة لمثل هذه الأدوية على آلاف الدراهم.

4- وجود هذه الأدوية بكميات قليلة جداً.

ولهذه الأسباب فإن الصيدلي سوف يكون أشد حرصاً على التعاطي مع مثل هذه الأدوية.

جميع هذه الأسباب التي ذكرت أعلاه، تتصل بالمجتمع أو المستشفيات. أما الأسباب التي تهم الصيدلي نفسه، فإن الصيدلة السريرية، تعتبر واحدة من الاتجاهات الحديثة والمهمة في عالم الصيدلة.

كما أن تطبيقها أو الحث على تطبيقها بأفضل الطرق وفهمها جيداً وتطوير الخدمات الطبية لإنجاح هذه العملية العلاجية، يؤدي إلى زيادة كفاءة الصيدلي السريري تلقائياً، لأنه سوف يشعر بقيمة كانت منعدمة في السابق سواء أكانت علمية أو عملية أو حتى اجتماعية داخل المستشفى، بدلاً من مجرد كونه جالب أدوية من على الرفوف في صيدلية المستشفى.

إنها تؤدي أيضاً إلى تبادل الاحترام بين الصيدلي وبين الطاقم الطبي وأيضاً بينه وبين المريض الذي سوف يعلم بقيمته التي ساهمت في شفائه، ولا ننسى النزاهة والشفافية واحترام البيئة واحترام المريض من قبل الصيدلي السريري الذي سوف يكون شفاؤه من الأولويات.

* أين المصطلح قي المستشفيات العربية؟

- إن قسم الصيدلة السريرية يعتبر من الأقسام المهمة في المستشفيات الغربية الحديثة، ولكن للأسف، فإن المستشفيات العربية تفتقر لمثل هذه الأقسام، والسبب هنا لا يرجع إلى الجهل أو التخلف، بل على العكس، فإن بعض مستشفيات المنطقة وخاصة هنا في الإمارات، تفوق مثيلاتها الأجنبية من ناحية المعدات الحديثة والطاقم الطبي. وبرأيي الشخصي أن هذا النقص يرجع إلى أسباب عدة أهمها:

1- إهمال المعنى الحقيقي للصيدلة السريرية، سواء أكان هذا الإهمال في المجتمع أو المستشفيات، حيث أن الكثير من المثقفين وغير المثقفين يعتبرون الصيدلي، عبارة عن بائع أو محاسب أو تاجر، وفي كثير من الأحيان، تكون جميع هذه المفاهيم خاطئة، لأن الصيدلي لا يقوم بالدراسة لمدة خمس سنوات، ثم يمضي سنتي تخصص في الصيدلة السريرية ليعمل في مجال بيع الأدوية أو حتى في التجارة ولا يهمه إلا الدافع المادي.

2- فقر الجامعات العربية وعدم اهتمامها في تخصص الصيدلة السريرية، كما أن الصيدلي السريري يجب أن يكون ملماً بعلم الأمراض وعلم الدواء، ولكن الجامعات هنا تعنى فقط بدراسة علم الدواء ولا تهتم بدراسة علم المرض.

3- التكاليف المادية التي سوف تنفقها الدولة أو حتى المستشفى.

النظرة المستقبلية

في النهاية أود الإشارة إلى أن إدخال مصطلح الصيدلة السريرية من الناحيتين النظرية والعملية إلى المستشفيات (لا أخص المستشفيات العربية فقط)، سوف يجعل من المستشفى يرتقي إلى مصاف المستشفيات المرموقة عالمياً. أما المريض نفسه، فإنه عندما يعلم بوجود صيدلي سريري في المستشفى، فإنه سوف يفضل الذهاب إليه بدلاً من الذهاب إلى مستشفى يفتقر لمثل هذه الخدمات.