يركز مفهوم الإعاقة على قصور أداء الفرد الذي يظهر ضمن السياق الاجتماعي الذي يعيش فيه، وعلى السلبيات ونواحي الضعف الموجودة للفرد، حيث درج بأن مفهوم الإعاقة له أساس صحي ينجم عنه ضعف في وظائف الجسد وبنيته، ومحددات النشاط، وتقيد مشاركة الفرد المجتمعية في سياق العوامل الشخصية والبيئية.وفيما بعد تطور مفهوم الإعاقة الذهنية ليركز على التفاعل المنتظم بين الفرد والبيئة التي يعيش فيها، وتقييم الشخص المعاق ضمن البيئة التي ينتمي إليها والأخذ بالاعتبار أن تقديم الدعم الفردي له سوف يؤدي إلى تحسين أدائه الوظيفي.
تفسير المفاهيم
لقد تشكل مفهوم الإعاقة الحالي خلال العقود الأخيرة نتيجة تطور الوعي المجتمعي نحو الإعاقة، وتتمثل العوامل الرئيسية التي أدت إلى هذا التطور فيما يلي:
(أ) البحث عن المضامين الاجتماعية للمرض وأثره الكبير على المجتمع والاتجاهات والأدوار والسياسات التي أصبح يدرك من خلالها الفرد الاضطرابات الصحية.
(ب) وضوح الفارق التاريخي بين المسببات البيولوجية والاجتماعية المؤدية للإعاقة.
(ج) الاعتراف بتعدد أبعاد الأداء الإنساني واختلافها.
وبسبب هذه العوامل، فإن مفهوم الإعاقة قد تطور من السمات أو الخصائص المتمركزة حول الفرد (التي كثيراً ما يشار إليها بوصفها «العجز» ) إلى أن الإعاقة ظاهرة إنسانية ذات عوامل عضوية واجتماعية. وهذه العوامل العضوية والاجتماعية تؤدي إلى القصور الوظيفي وتنعكس على شكل ضعف في الأداء الشخصي وأداء الأدوار والمهام المتوقع للفرد القيام بها ضمن البيئة الاجتماعية التي يعيشها.
هذا المفهوم الاجتماعي البيئي للإعاقة انعكس على منشورات الجمعية الأميركية للتخلف العقلي (AAMR) والتي أصبحت تسمى حالياً: الجمعية الأميركية للإعاقات الذهنية والنمائية (aaidd) استناداً إلى تعريف الإعاقة عام 2002 بأنها القصور في وظائف الفرد في إطار السياق الاجتماعي.
وبالمثل، فإن منظمة الصحة العالمية عام (2001) وحسب التصنيف الدولي للإعاقة، قد وصفت الإعاقة بأن لها جذورها الصحية، الاضطراب أو المرض، التي تؤدي إلى ضعف في الوظائف البدنية والبنية الجسمية والعجز في النشاط والمشاركة في سياق العوامل الشخصية والبيئية التي يعيشها الفرد.
وإن أهمية هذا التطور في تغيير مفهوم الإعاقة الذهنية يكمن في أنه كان ينظر لها إلى حد ليس بعيدا على أنها سمات وخصائص مسلم بوجودها في الفرد على مدى الحياة، في حين أن الاتجاه الاجتماعي والبيئي لمفهوم الإعاقة ينظر إليها على أساس:
(أ) التفاعل بين الفرد وبيئته.
(ب) يركز على الدور الذي يمكن أن يلعبه الدعم الفردي في تحسين الأداء الوظيفي الفردي.
(ج) يسمح بمواصلة فهم هوية الشخص المعاق والذي يتضمن قيمته الذاتية والسعادة الشخصية، والاعتزاز بالذات والمشاركة.
مصطلح الإعاقة الذهنية
أصبح مصطلح الإعاقة الذهنية يستخدم على نحو متزايد بدلاً من التخلف العقلي، حيث أن المسميات التي ترجع إلى الإعاقة الذهنية تختلف عبر التاريخ على مدار المئتي سنة الماضية، بعد أن سميت الإعاقة الذهنية بالبلاهة وضعف العقل، والخلل العقلي، وقد ناقش لوكاسون وريف خمسة عوامل مهمة يتعين أخذها في الاعتبار عند اختيار المصطلح:
أولاً: يجب أن يكون محدداً له كينونته الخاصة، بحيث يكون مختلفاً عن الكيانات والمصطلحات الأخرى.
ثانياً: يجب أن يستخدم من مختلف الأطراف والأفراد والأسر والمدارس والأطباء الإكلينيكيين والمحامين والأطباء والمؤسسات المهنية، والباحثين وصانعي السياسات.
ثالثاً: يجب أن يعبر المصطلح بشكل كافٍ عن المعارف الحالية وأن يكون قادراً على استيعاب التطورات العلمية الحديثة.
رابعاً: يجب أن يكون قوياً بما فيه الكفاية للسماح باستخدامه لأغراض متعددة، بما في ذلك التعريف والتشخيص، والتصنيف وخطط الدعم والمساندة.
خامساً: يجب أن يصف بشكل جوهري جماعة من الناس، ويحترم القيم الهامة الخاصة بهذه الجماعة. حيث أن مصطلح التخلف العقلي لا يعبر عن الكرامة أو الاحترام للشخص المعاق، بل يخفض من قدره.
فهناك توافق في الآراء على أن الأمر لا يقتصر على أن مصطلح الإعاقة الذهنية يحقق هذه المعايير الخمسة، بل ان هذا التعبير هو الأفضل لعدة أسباب، أهمها أن مصطلح الإعاقة الذهنية:
(أ) يعبر عن التغير الحاصل في مفهوم الإعاقة التي تصفها الجمعية الأميركية للإعاقات الذهنية والنمائية American Association for Intellectual and Developmental Disabilities (AAIDD) ومنظمة الصحة العالمية World Health Organization (WHO).
(ب) يتفق مع أفضل الممارسات المهنية التي تركز على السلوكيات الوظيفية والعوامل البيئية المحيطة.
(ج) يقدم أسساً منطقية للاستعداد لتقديم الدعم الفردي في الإطار البيئي الاجتماعي.
(د) يخلو من التهجم والإساءة نحو الأشخاص المعاقين.
(ه) أكثر اتساقا مع المصطلحات العالمية.
التعريف الحديث:
لقد عرفت الجمعية الأميركية للتخلف العقلي الإعاقة الذهنية في العام 2002 على أنها:
«الإعاقة الذهنية تتميز بقصور واضح في الأداء العقلي والسلوك التكيفي الذي يظهر في المهارات الإدراكية، والاجتماعية والتكيفية العملية. وينشأ قبل سن 18».
وهناك مجموعة من المسلمات تعتبر جزءاً أساسياً لتفسير هذا التعريف لأنها توضح السياق الذي نشأ وفيه وتبين كيف ينبغي تطبيقه. وهكذا، فإن تعريف الإعاقة الذهنية لا يمكن أن يقف وحده بدون المسلمات الخمس التالية الضرورية لتطبيقه:
1ـ القصور في الوظائف الحالية يجب أن ينظر إليه في سياق بيئة المجتمع التي يعيش فيها الفرد مع الأقران من نفس السن والثقافة.
2ـ التقييم الفعال يأخذ بعين الاعتبار التنوع الثقافي واللغوي، كالاختلافات في العوامل التواصلية، والحسية، والحركية والسلوكية.
3ـ في إطار الفرد الواحد، غالباً يترافق مع نواحي القصور نواحي قوة أيضاً.
4ـ إن الهدف الأساسي الهام من وصف نواحي القصور هو تطوير خطة حول الاحتياجات والخدمات التي ينبغي تقديمها للشخص المعاق.
5ـ تقديم الدعم والخدمات بشكل يراعي فردية المعاق، يجعل الوظائف الحياتية للشخص المعاق تتحسن تدريجياً عبر الزمن.
ومن خلال الطريقة التي نعرف بها المصطلح فإنه يمكننا الوصول إلى نتائج مهمة، فالتعريف قد يجعل الفرد:
(أ) مؤهلاً أو غير مؤهل للخدمة.
(ب) خاضعاً لشيء ما أو لا يخضع له.
( ج) معفى أو مستثنى من نظام ما أو غير مستثنى منه.
(د) مندمجاً أو غير مندمج في المجتمع.
(ه) يحق له أو لا يحق، مستحقات الضمان الاجتماعي.
منهجيات تاريخية
تاريخياً هناك أربعة منهجيات كانت تستخدم لأغراض التعريف وتصنيف الإعاقة الذهنية هي:
(الطبية، الاجتماعية، العقلية، والمعيارية المزدوجة ). وإن آثار هذه المنهجيات الأربعة لا تزال واضحة في النقاش الجاري حول من هو (أو ينبغي أن يكون) مشخصاً على أنه فرد من ذوى الإعاقة الذهنية.
المنحى الاجتماعي
كان يعرف الأشخاص تاريخياً على أنهم معاقون عقلياً نتيجة عجزهم عن التكيف مع بيئاتهم الاجتماعية. لأن هذا المنحى يركز على الذكاء ودور الناس الأذكياء في المجتمع، ولاحقاً أصبح هذا التعريف هو أقدم تعريف تاريخي يركز على السلوكيات الاجتماعية والسلوكية والسلوك الطبيعي النموذجي (دول، 1941. غودي، .2006
المنحى الطبي السريري:
مع ظهور النموذج الطبي، تحول التركيز من عرض واحد إلى متلازمة أو جملة من الأعراض الطبية المتلازمة مع بعضها البعض، وهذا المنهج لا يتعارض مع المعيار الاجتماعي ولكنه تدريجياً انفصل عنه إلى نموذج مستقل بذاته يركز بشكل أكبر على الدور العضوي، الوراثي، وعلى علم الأمراض.
المنحى العقلي
مع ظهور الذكاء كبناء تطبيقي وتطور حركة الاختبارات العقلية، تغير النهج نحو التركيز على قياس الأداء الذهني عن طريق اختبارات الذكاء، وهذا التأكيد أدى إلى ظهور درجات الذكاء IQ المرتكزة على أساس المعايير الإحصائية كوسيلة لتحديد أو تعريف المجموعة وتصنيف الأفراد ضمنها.
المنحى المعياري المزدوج
إن أول محاولة رسمية للاستخدام المنهجي لكل من الأداء الوظيفي العقلي والسلوك التكيفي لتعريف الفئة كان عام 1959 عبر الجمعية الأميركية للقصور العقلي (AAMd)حيث كان يعرف التخلف العقلي على أنه يرجع إلى نقص في معدل الذكاء العام الذي يظهر خلال فترة النمو ويرتبط بضعف في النضج والتعلم والتكيف الاجتماعي. وفي عام 1961 تم احتواء النضج والتعلم والتكيف الاجتماعي تحت مسمى واحد جديد هو السلوك التكيفي، والذي تم استخدامه في كل منشورات الجمعية الأميركية لاحقاً. وتضمن اتجاه المعيار المزدوج الرحلة العمرية (مرحلة النضج) كعنصر مصاحب.
نستنتج أن هناك اتساقاً وتطوراً تاريخياً متسلسلاً عبر الزمن في تطور مفهوم الإعاقة الذهنية، فعلى الرغم أن المصطلح قد تغير مع مرور الزمن، إلا أن تحليل التعريفات المستخدمة خلال الـ 50 سنة الماضية يبين أن هناك عناصر أساسية ثلاثة في بنية الإعاقة الذهنية، والتخلف العقلي لم تتغير كثيراً وهي - (عجز الأداء العقلي الوظيفي، المحددات السلوكية في التكيف مع متطلبات البيئة والمرحلة العمرية).
روحي عبدات اختصاصي نفسي تربوي