أشد ما يشتكي منه الإنسان في حياتنا المعاصرة هو الصداع الناجم عن طبيعة الحياة السريعة والهموم والمشاغل المتصاعدة في الحياة. وإذا قسنا نسبة المترددين على المستشفيات والعيادات الطبية وحتى الصيدليات لاكتشفنا أن المصابين بالصداع هم من أكثر المرضى عددا. وأشكال وأنواع الصداع كثيرة. فقد يكون متقطعا أو مستمرا، قد يصاب الإنسان بألم خفيف أو معتدل وقد يتحول إلى إحساس بألم شديد يكاد لا يطاق.

محمد نبيل سبرطلي

الدكتور ديب ماكسويل كايد اختصاصي الأمراض العصبية في المركز البريطاني الطبي الاستشاري بدبي تحدث ل«الصحة أولاً» وكشف الكثير عن خبايا حالات الصداع التي تتصدى لها عيادته بالعلاج. ويرى الدكتور ديب أن معظم المرضى يراجعون الأطباء العامين للحصول على العلاج وأن دورات علاج الصداع لا تعطى لطلاب كليات الطب، بل إن جل الدورات تكرس لأمراض القلب والجلطة الدماغية والسرطانات والجراحة، ولكن لا نجد بين كل تلك الدراسات دورات مخصصة لعلاج الصداع. وعادة ما يتوجه المصاب بالصداع لأي عيادة طلبا للعلاج والشفاء، سواء كان الطبيب المعالج غير متخصص أو طبيب عام أو حتى طبيبة أمراض النساء بإمكانها إعطاء وصفات لتهدئة الصداع. فالطبيب العام قادر على العلاج، لكن هناك الكثير من المرضى الذين يعالجون حالاتهم بالتوجه إلى الصيدلية لشراء أدوية الصداع والاكتفاء بذلك دون الحاجة لمراجعة الطبيب الاختصاصي. وينتهي الأمر عند هذا الحد، وقد يتكرر الصداع وتتكرر وسيلة العلاج ذاته دون أن يعرف المريض أسباب حدوث الحالة المرضية، التي قد تكون ناجمة عن مرض خطير يستدعي العلاج الفوري.

هناك الكثير من حالات الصداع التي لا يستطيع المريض التحكم بها، وكذلك لا يستطيع الطبيب العام أن يتعرف عليها وقد تبوء جميع محاولاته بالفشل. ومن هنا قد يضطر المريض إلى التوجه إلى عيادة الطبيب المتخصص في علاج الصداع. الآن لا بد من إيضاح مسألة مهمة وهي أن الصداع من التخصصات ذات الصلة الوثيقة بطب الأعصاب الذي يتفرع إلى 12 تخصصاً، منه الصرع والسكتة الدماغية والخرف والآم اعتلال الأعصاب. والحقيقة أن عيادات الصداع، في بلد مثل أميركا، وهو البلد الذي درست فيه، منتشرة انتشارا كبيرا، ويقف على رأس تلك العيادات طبيب الأعصاب ، وليس جراح الأعصاب أو طبيب الأمراض النفسية أو الطبيب العام. ولكن عيادة الأعصاب النموذجية لا تقتصر على طبيب الأعصاب وحده، بل لا بد أن تشمل اختصاصية الأمراض النفسية والإحصائية الاجتماعية. والشيء الملفت أن هناك الكثير من الأطباء الذين لم يتخصصوا في علاج أمراض الصداع، يقومون بتوفير العلاج لمرضاهم. ولكن لا شك أن الحل المثالي لمريض الصداع هو التوجه إلى عيادة متخصصة في هذا المجال، وهي عيادة متكاملة تشمل المساعدة الاجتماعية والنفسية، بشرط أن يكون لهؤلاء خبرة ودراية بمعالجة مشاكل الصداع، وتلك بالطبع مواصفات عيادة الصداع المثالية.

الصداع التوتري: يعد الصداع التوتري الأكثر انتشارا في العالم. ويتحدث المصاب به عن عدم النوم الكافي في الليل أو الأرق لساعات طويلة في الليل، وقد يكون هذا النوع من الصداع ناجماً عن الإرهاق أو الانفعالات العاطفية من حزن وما شابه ذلك. ويشمل الصداع التوتري عاملا نفسيا، لكنه في كل الأحوال ليس مرضا نفسيا. والجهة المخولة لتحديد أنواع الصداع هي «الجمعية الدولية للصداع»، وهي تتكون من أطباء أعصاب متخصصين، وهؤلاء هم الذين يقولون الكلام الفصل في الصداع النصفي «الشقيقة»: الشقيقة هي مرض دماغي، مرض في الدماغ ويعرف باللغة الإنجليزية بالعبارة التالية: «Migraine is the disorder of the brain». يعد هذا التعريف مهماً جداً، لأن الناس يعتقدون أن الشقيقة هي حالة نفسية فقط، لكن في حقيقة الأمر يمكن القول إن التعريف مهم للغاية، لأن الناس يعتقدون أن الشقيقة هي حالة نفسية فقط. ويعد العامل النفسي مؤثراً، وفي حالات كثيرة يترافق ذلك مع وجود صداع على أنواعه مع حالات نفسية تحتاج إلى العلاج. وعلى ذلك إذا كنا نعالج الصداع مع إغفال العامل النفسي، فإننا لا ريب سنفشل فشلاً ذريعاً.

من هنا نؤكد أن العامل النفسي عامل قوي ومؤثر، لكن الشقيقة تبقى مرضا في الدماغ وعلاجه بعقاقير تعالج المناطق المتأثرة في الدماغ. وعن أكثر الحالات التي يتم علاجها في عيادة الصداع، يقول الدكتور ديب: «من خلال تجربتي العملية أرى أن أكثر الحالات المرضية التي تتردد على العيادة العصبية هي الصداع، ومن أكثر الحالات المرضية هي الشقيقة. وأقول إن نحو من المرضى الذين يترددون على عيادتي هم من مرضى الصداع وأرى أن هذه النسبة كبيرة، لكن معظم مرضى الصداع، الذين يترددون على العيادة، يعانون من الشقيقة. وأعتقد أن هذه النسبة كبيرة مقارنة بالحالات المرضية الأخرى مثل الصرع والخرف والتنميل وألم الظهر، وعندما نرى تلك النسبة الخاصة بالشقيقة نرى أنها نسبة غير قليلة.

ويزورني هؤلاء المرضى لمعاناتهم من الصداع ولفشل علاجهم في عيادات غير متخصصة. فعندما أجلس مع المريض أحتاج لما يقل عن 45 دقيقة لمحاورته وفي بعض الأحيان أجلس مع المريض أكثر من ساعة للتعرف على حالته بدقة. والسبب أنك إذا أردت فهم حالة المريض جيداً، لابد من الدخول في تفاصيل كثيرة.

أولا، ينبغي علي كطبيب التأكد من أن المريض يعاني من حالة مرضية حقيقية قد تكون في بعض الأحيان خطيرة مثل الورم، وليس مجرد صداع عابر، أو نزف أو جلطة دماغية، فضلا عن وجود الكثير من الأمراض الأخرى التي تسبب الصداع مثل الزكام وأمراض البرد. الخطوة الأولى التي أقوم بها هي طمأنة المريض أنه ليس لديه حالة مرضية خطيرة.

ومن المعروف أن أنواع الصداع يطلق عليها «برايمري هيدكس»، وهي حالات غير ناجمة عن سبب واضح ومعروف. يأتي المريض ويسأل عن سبب إصابته بالصداع. والحقيقة أقول إن المرضى هم الملومون، فهم مقصرون بحق أنفسهم. ولذلك فالجلوس مع المريض 45 دقيقة أو أكثر مهم جداً لمعرفة تفاصيل معاناته والوقوف على السبب الحقيقي للإصابة.

فالإنسان الذي يعمل 16 ساعة في مكتبه، ولا يرغب في الإصابة بالصداع نقول له عليك النوم والاسترخاء وعدم إجهاد نفسك وسترى دون استخدام أي علاج دوائي أن الصداع سيختفي لديك. وهذا ما يحدث في الواقع، كما نكتشف أن الصداع عند البعض الآخر ناجم عن خناقات زوجية أو مشاكل ما بعد الولادة، فضلاً عن مشكلات مرضية تعود إلى عوامل وراثية. والأخطر من ذلك أن يكون الصداع ناتجاً عن ورم دماغي.

وعلى الرغم من أنني لست طبيباً نفسياً، فإنني أضطر أحيانا كثيرة إلى طرح أسئلة نفسية، وعندها أقرر ما إذا كان علي تحويل المريض إلى طبيب نفسي. والحقيقة أنني إذا اكتشفت أن المريض يعاني من مشكلة نفسية، أقوم بتحويله فورا إلى الطبيب النفساني. وعلى سبيل المثال إذا اكتشفت أن المريض يعاني من الاكتئاب فإن علاج الحالة من اختصاص الطبيب النفساني.

ومن المسائل المهمة جدا التي نتبعها في عيادتنا، هي تقديم كتيب للمريض بالصداع «هيدك دايري» حيث نطلب منه تسجيل تطورات حالة الصداع لديه والأدوية التي يتناولها على مدى شهر. وأشير هنا إلى وجود مرضى يترددون علي يعانون من صداع مزمن يومي ومتكرر خلال النهار. فهؤلاء لا يزول الصداع لديهم. وهناك أشخاص ينامون ويستيقظون وهم يعانون منه. والصداع اليومي المتكرر له أنواع عدة.

فالصداع التوتري يمكن أن يحدث بشكل يومي. ويطلب من المريض أن يدون حالته من اليوم واحد حتى الثلاثين ويقول يوميا هل عنده صداع أم لا ويشير إلى عدم وجود نوبات بصفر أو يقول من صفر - 4. فهناك نوبات شديدة ونوبات شديدة جدا. والمريض قادر على أن يحدد مدى قوتها، ويقول: «أخذت حبة بروفين أفادتني وأخذت حبة فولتارين ولم تفدني». ومثل حالة الصداع تلك لا بد من أخذ أدوية يوميا حتى يخفف المريض من حالته المرضية.

ونقدم للمريض أدوية مضادة للاكتئاب ليس لأن المريض لديه اكتئاب أو نقدم له أدوية مضادة للصداع وليست تلك أدوية تقدم للمريض لأنه مصاب بالصداع أو أدوية مضادة للضغط لأن المريض مصاب بالضغط. هذه أدوية أساسية لحالات مرضية لكن الهدف من استخدامها هو تخفيف الصداع وليس علاج حالة من الحالات السابقة بحد ذاته أو لأن المريض مصاب بها.

ولهذا السبب نجلس مع المريض نحو الساعة. وينبغي أن نفهم المريض أن الدواء الخاص بالصرع يعطى له ليس لأنه مصاب بالصرع، لأنك لو لم توضح للمريض فإنه لن يأخذ الدواء وسينصرف عنك عندما تقدم له دواء الصرع ويحجم عن اتباع علاجك وقد يعتقد أنك مخطئ في الوصف. إذن لا بد من إفهام المريض أن الدواء، رغم أنه للصرع، فإنه يوصف لحالات الصداع.

الجيوب الأنفية

هناك دراسات عدة مصدرها أطباء أعصاب ودراسات قام بها أطباء أنف وأذن وحنجرة ومنها دراسات مصدرها أطباء عامون. وكان هؤلاء قاموا بمقابلة أول 100 مريض دخلوا إلى عيادة الجيوب الأنفية وهم يزعمون أنهم يعانون من الصداع بسبب الجيوب الأنفية. وقال هؤلاء ان الأطباء شخصوا حالتهم في وقت سابق على أنها ناجمة عن التهاب الجيوب الأنفية.

وفي 3 دراسات تبين أن الأشخاص الذين يشتكون من صداع سببه الجيوب الأنفية، إما بتشخيص المريض أو بتشخيص طبيب، تبين لدى مقابلتهم وفحصهم أن الجيوب الأنفية ليست سببا في الصداع وتراوحت نسبة هؤلاء من %70 - 20 من العينات. وتبين نتيجة للفحص الدقيق أن الصداع الذي يعانون منه ناتج عن الشقيقة «الصداع النصفي». ويعود هذا النوع من الصداع إلى أن الأعصاب التي تصل إلى الرأس تقوم أيضا بتغطية العيون والوجه ومنطقة الجيوب الأنفية والرقبة.

ويلاحظ أن انسداد الأنف من المظاهر الشائعة للإصابة بالشقيقة، ولذلك عندما يصاب المريض بانسداد الأنف يعتقد أنه مصاب بالتهاب الجيوب الأنفية، لكنه في الحقيقة مصاب بالشقيقة. ويرافق هذا الانسداد إحساس بألم في منطقة الجيوب الأنفية. وبهذه الصورة إذا صح التشخيص فإن المريض يبدأ بأخذ الأدوية الخاصة بصداع الشقيقة.

وبينت دراسة أن %23 من العينات المشاركة في الدراسة لم يكونوا مصابين قط بالتهاب الجيوب في حين أن دراسة أخرى بينت أن 76% غير مصابين بالتهاب الجيوب وأكدت دراسة أن من بين المصابين بالصداع هناك من %50 - 40 لم يكن الصداع لديهم ناجماً عن الجيوب.

وقد يلجأ المريض إلى الارتجال، فيعالج نفسه بشتى الوسائل دون جدوى للتخلص من التهاب الجيوب الأنفية اعتقادا منه أن الصداع ناجم عنها، ولكن في نهاية المعاناة يتوجه إلى طبيب الأعصاب وهو الجهة التي ستوفر له العلاج الصحيح. وغالبا يكون المرض صداعا نصفيا حيث يتشعب المرض ليطال الرأس كله بما في ذلك العينان. ومع ذلك هناك أيضا حالات هي في الأصل ناجمة عن التهاب في الجيوب الأنفية وينبغي علاجها حسب الحالة، وهذه النقطة مهمة جدا بالنسبة لأمراض الجيوب الأنفية.

من أصعب الأمور التي أواجهها هي عندما يدخل المريض إلى عيادتي وهو يبتسم، ولا تظهر عليه ملامح الألم. وعندما تقول له ماذا يؤلمك وما هو تصنيفك لحدة الصداع هل هو صفر من عشرة أو 8 من عشرة ؟ يرد عليك أن الوجع الذي يعاني منه هو 8 من 10، إذن حالته حادة والصداع شديد ولكنه قادر على الصبر والتحمل.

وأحيانا كثيرة يأتيك المريض دون أن يذرف دمعة واحدة ولكن ذلك لا يعني أنه لا يعاني من أي صداع. والحقيقة أن لكل إنسان قدرة معينة على التحمل في مثل هذه الحالات. وفي حالات العلاج لا ينظر إلى مدى المظهر الخارجي لمعاناة المريض بل تعالج الحالة وفقا لحدتها مهما كان صبر المريض قويا أو شكله لا يعكس معاناته.

والمهم جدا هو تشخيص الصداع على أنواعه، فعندما نشخص أنواع الصداع نعرف ما هي الأدوية التي يمكن استخدامها للعلاج، لأن كل نوع من الصداع يختلف عن الآخر، وله أدويته وعلاجه المختلف. من العوامل المسببة للصداع الوضع النفسي للمريض الذي ينعكس على حالة النوم، ولذلك نسأل المريض : كيف نومك، وهل هناك اضطرابات في نومك؟ «إذن يعد الأرق وعدم النوم لساعات مريحة سببا رئيسا للصداع وقد تكون العوامل وراء ذلك «الاكتئاب، القلق، التوتر».

وهناك مرضى يعانون من حالات مرضية فريدة مثل نوبات البكاء. ومثل هؤلاء المرضى لا يمكن الكشف عن أسرارهم للطبيب في غضون دقائق، ولذلك نقوم عادة بسؤالهم خلال طرح الأسئلة عليهم ما إذا كانت نوبات بكاء تجتاحهم. ». والحقيقة أنك ستفاجأ بالعدد الكبير من الناس الذين تجتاحهم نوبات البكاء. وفي كل الأحوال لا يأتي المريض إلى العيادة إلا للحديث عن جانب كبير من حالته المرضية والأعراض التي يعاني منها.

ويلاحظ أيضا أن المريض عندما يأتي إلى العيادة لا يخطر بباله قط أن الصداع قد يكون ناجما عن حالات لم تكن تطرأ له. ومن المفارقات أن يحضر إلي مريض ليقول ان عنده صداعا ولما نتحدث إليه يقوم أنه طوال السبع سنوات الماضية لما يأخذ أية إجازة وأنه يعمل ستة أيام في الأسبوع.

في ضوء هذه الحالة نقول ان الإنسان لديه قدرة على الاحتمال لكن البعض مضطر للعمل لساعات طويلة، وقد يعمل عملا إضافيا بسبب وضعه المادي، فتظهر لديه أعراض الصداع بعد فترة فيعتقد المريض أن الإصابة عضوية وهو لا يدري أنها بسبب الإرهاق. ولا يفكر الإنسان هذا أنه سيدفع الثمن غاليا من صحته مستقبلا، سواء على المدى القريب أم البعيد. وليس الصداع إلا بداية. والحل المزيد من الراحة والاسترخاء للتخلص من المعاناة.

صداع الأدوية

هناك صداع ينجم عن تناول كميات كبيرة من الأدوية. ومن المفارقات أن يأخذ الإنسان أقراصا للتخلص من الصداع ليفاجأ بعد ذلك أن كثرة تناول هذه الأدوية تسبب له الصداع. وعلى سبيل المثال إذا تناولت البنادول 6 مرات في اليوم فإن العلاج يتحول إلى وسيلة للتسبب في الصداع. وهكذا يصبح لدى المريض بالصداع صداع مضاعف، الصداع الأول عادي والثاني نتيجة للإفراط في تناول أقراص الدواء.

نموذج

لقد جاءني مريض تعود أن يتناول «صيدلية» كل يوم وأعني بذلك أنه يتناول من 7 - 6 حبات بنادول كل يوم إضافة إلى أدوية أخرى مثل الإميجران (يستخدم لعلاج الشقيقة الحادة المتقطعة، وهو دواء فعال ضد الشقيقة في أي مرحلة من مراحل النوبات) وكان المريض يتناول قرصين منه يوميا بسبب الصداع الشديد الذي يتعرض له. وقال لي عندما طلبت منه التخفيف من البنادول أن الدواء «هو زوجتي الثانية، فلا تطلب مني التخلي عنه» والحقيقة فإن المريض هو شاب يعمل مدرسا وجسمه رياضي ولكنه كان يتصرف بصورة غير صحيحة في العلاج اعتقادا منه أنه يتغلب على الصداع.

لقد زارني وتكلمنا نحو ساعة وربع الساعة عن الشقيقة التي باتت عبارة عن صداع يومي متكرر. وبدأ يتناول العقاقير وشيئا فشيئا انزلق إلى زيادة الجرعات. وبدأنا نحاول تخليصه من السموم المتراكمة في جسمه. ولكن في هذه الحالة من الصعب الطلب من المريض أن ينقطع عن الدواء بالكامل لأن الانقطاع سيؤدي إلى زيادة الصداع لدرجة أنه قد يفقد الثقة بالطبيب ويتوقف عن التردد على العيادة ويضطر لمضاعفة الجرعات ثانية، وعند ذلك سيرفض التخلي عن كل تلك الأدوية التي يتناولها.

مر شهر على علاج هذا الشاب، ومنذ بضعة أيام زارني في العيادة وقال لي تحسن الصداع لأول مرة منذ 15 عاما. لقد أعطيناه أدوية بشكل يومي ولم يؤد ذلك إلى نشوء حالة إدمان لديه. من الأدوية التي قدمناها له أدوية مخصصة للصرع وقمنا بتعديل جرعات الأدوية الأخرى. من قبل كان يعتقد أنه عندما يأخذ الدواء يستبق حدوث النوبة. لقد تراجعت كمية الأدوية التي يأخذها اليوم وباتت حالته الصحية مبشرة.

وخلال زيارته للعيادة كان يحمل معه دائما دفتر المذكرات الذي يدون فيه يوميا حالة الصداع والأدوية التي يتناولها لمدة شهر. ولا يخفي الشاب سعادته الآن لأنه بات يستهلك نصف الكمية التي يستهلكها في السابق، وهو سعيد الآن لأن الصداع خف جدا مقارنة بالسنوات الماضية.

وأقول ان علاج الصداع لا يتم من زيارة واحدة لعيادة الطبيب، وأهم شيء هو الفحص السريري. فإذا كان الوضع غير خطير نقوم بطمأنة المريض. والحقيقة فإن الإصابات الخطرة نادرة وهناك البعض يقوم بعمل تخطيط للدماغ، ليس منه مضرة وهو يشبه تخطيط القلب الذي لا ينتج عنه آثار جانبية. ولكن عندما يشتبه بوجود أورام يطلب من المريض أخذ صور عن طريق جهازي الكات والإم أر أي وعندها يطمئن المريض إلى عدم وجود أي ورم.

ويتم تخطيط دماغ المريض إذا كان يرافق الصداع اختلال في الوعي. فإذا كان هناك اختلال في الوعي من الضروري القيام بالتخطيط. ولكن يمكن أن يكون الخلل ناجما عن الصرع لأن نوبات الصرع يمكن أن تأتي مع اختلال في الوعي. ويمكن أن يسبق نوبة الصرع صداع ويأتي بعدها صداع. ولكن الصداع العادي مهما كانت قوته ليس بحاجة لتخطيط.

من المرضى الذين عالجتهم قالوا انهم يزورون عيادتي بناء على تقارير طبية تقول انهم مصابون بالشقيقة ولكن بعد تشخيص الحالة تبين أنهم لا يعانون من الشقيقة بل من حالة تكاد تكون شبيهة هي الصداع العنقودي.

الصداع العنقودي

لن يستفيد مريض الصداع العنقودي من أي أدوية قد توصف له على أنها لعلاج الشقيقة. والصداع العنقودي صعب والشقيقة أخف. فالذي يعاني من الشقيقة يكفي أن يسترخي في غرفة مظلمة بعيدا عن الضوضاء حتى يشعر بارتياح ولا يتحرك خلال ذلك. أما المصاب بالصداع العنقودي فلا يستطيع الجلوس ساكنا بل ينهمك بنشاط غير عادي، وقد تتفاقم الحالة عند البعض بحيث يلجأ إلى نطح الحائط أو الباب برأسه لتخفيف الصداع.

والحقيقة مرت علي حالتان من هذا النوع في الإمارات واحدة في دبي وأخرى في مستشفى توام في العين. وأحدهما طبيب كان يعاني من الصداع العنقودي. ولتتمكن من علاج كل تلك الحالات المرضية لا بد من تشخيص حالة المريض بالصورة الصحيحة، وعندما يتم التشخيص الصحيح يمكن وصف العلاج الصحيح والمناسب.

الطب البديل

يسألني كثيرون عن الطب البديل واستخداماته في علاج حالات الصداع مثل الحجامة والتداوي بالأعشاب فأقول لهم «لا أستطيع الإفتاء في صحة تلك العلاجات وفعاليتها، وأقول للمريض انه إذا أراد العلاج بتلك الوسائل فهو قرار شخصي، فالحجامة ليس من ورائها ضرر خاصة إذا أجريت في أجواء معقمة.

البعض من أولئك يقولون لي «لقد لجأنا للعلاج بالحجامة وتحسنت حالة الصداع لدينا»، لكن بعد بضعة أيام يحضرون ليقولوا لي ان كل شيء عاد إلى سابق عهده. والكي هو نفس الشيء من ناحية طبية تقليدية،ولكن ما أعرفه أن بعض العلاجات الشعبية لها مردود نفسي خاصة إذا اقتنع المريض أن تلك الطريقة هي الأمثل في معالجة الصداع لديه. أنا كطبيب مطلوب مني علاج مرضاي بأسلوب علمي ولا أخترع أشياء من عندي.

أما بشأن العلاج بالأعشاب فإنني أؤكد أن معظم الأدوية مستخرجة من الأعشاب. وكذلك لا أفتي أو أعطي رأيا في مسألة العلاج بالأعشاب لأنها ليست من اختصاصي. فأهل الوصفات العشبية هم الأدرى بالعلاج. كما أن الكثير من المعالجين بالأعشاب مدعون ومن هنا التخوف من الاقتراب منهم أو طلب العلاج على أيديهم.

هناك بعض الأعشاب المغلفة والتي لها عناوين وتوصيفات علمية وصادرة عن جهات علمية معترف بها، تلك قد نثق لها كثيرا ولكنها تعد خطا ثانيا وثالثا ورابعا وليست خطا أولا، ولن تكون البديلة عن العقاقير الطبية التقليدية.

الإبر الصينية

لقد برهن الطب على أن العلاج بالإبر الصينية للتخلص من الصداع بأنواعه فعالة وهناك دراسة تبين أثرها على علاج الشقيقة. ولذلك فأنا أشجع العلاج بها أكثر من الأعشاب. ورأى الصينيون والطب الحديث أن زرع الإبرة في خطوط الحياة داخل الجسم يؤدي إلى توليد كيماويات تسري في الجسم فتساعد على تخيف الألم.

من جهة أخرى، قلنا منذ البداية ان وسائل علاج الصداع ليست واحدة بل هي متعددة وكلها تصب في العلاج، فقد قلنا ان الأدوية والعلاج النفسي والعلاج الفيزيائي والإبر الصينية كلها تسهم في العلاج. فالعلاج غير محدود بهذا الاتجاه أو ذاك.

الصداع والحمل

طبعا يعتمد العلاج على شدة الصداع، فنحن نحاول تجنب استخدام جميع الأدوية لعلاج الصداع عند المرأة الحامل، لكن هناك بعض السيدات يصبن بصداع لا يحتمل، فما هو موقفنا كأطباء إزاء ذلك ؟

إننا نسعى إلى أخذ كل الاحتياطات لعدم تعريض حياة الجنين أو مستقبله الصحي للخطر وهناك مواقف نضطر لإعطاء الأم الحامل الأدوية اليومية مثل البنادول مع الكودين. ولكن تنصح الأم عدم أخذ الأدوية المخففة للصداع من تلقاء نفسها، ولا بد لها من مراجعة الطبيب أولا وقد يصف لها الطبيب أدوية خفيفة لا تشكل أي خطر من أي نوع على الجنين. ولا يستخدم الأطباء أدوية ما لم يكن المتعارف عليه طبيا أن تلك الأدوية لا تشكل أي خطورة على الجنين بأي درجة.

الشقيقة والأغذية

بعض الأغذية تحرض على نوبات الشقيقة التي توصف بأنها مرض دماغي يأتي المريض على شكل نوبات مرة في السنة أو كل 6 أشهر أو مرتين في الأسبوع. ولكن لا أحد يعرف الأسباب التي تدفع للإصابة بهذا المرض. نحن نعرف بالأصل أن جذع الدماغ يحتوي على مولد الشقيقة ويطلق على هذه المنطقة «مايجرين جنيريتر» أو مولدة الشقيقة.

وتالياً بعض مولدات الشقيقة:

* الجبنة الصفراء «الشيدر تشيز» والجبنة الفرنسية المعتقة الزرقاء هي من المحرضات على نوبات الشقيقة.

* المونوصوديوم «إم إس جي» جلوتاميت.

* بعض التوابل.

* الضغط النفسي.

* عدم الراحة في الحياة الزوجية.

* مشتقات الألبان : يعتبر البعض أن مشتقات الألبان هي محرض على نوبات الشقيقة.

أرى أن تقييد المريض بتناول هذا الطعام والامتناع عن الآخر مسألة صعبة، وكل ما أقوله لمرضاي هو ملاحظة الوجبات التي يتناولونها وأصناف الطعام الذي يؤدي إلى الإصابة بنوبات الشقيقة. فإذا اكتشف المريض نوعا يتسبب في تجدد النوبات سيرى أن الامتناع عنه سيؤدي إلى تخفيف عدد النوبات أو التخلص منها نهائياً.

الكافيين

يلجأ الطبيب إلى نصح بعض المرضى بأن يأخذوا بعض الكافيين أحيانا في حال شعورهم بالصداع ولذلك فإن البندول إكتسرا يحتوي على نسبة معينة من الكافيين. فالشخص الذي ينتابه صداع متقطع يمكن أن يتناول القليل من الكافيين فيشعر بالراحة لكن ليس شرب خمسة فناجين قهوة وفنجاني شاي وعلبة باورهاوس وريد بول مع علبتي كولا في اليوم

وترغب بعد كل ذلك أن يخف الصداع لديك !وعلى ذلك إذا كنت ممن يكثرون من تناول الكافيين فإن الانقطاع عنه فجأة سيؤدي إلى إصابة المريض بالصداع. كما أن كثرة تناول الكافيين سيجعل المريض مصابا بالصداع، وهكذا فإن الكافيين دخل في الواقع كمعادل إلى عالم الصداع ليعقد الأمور أكثر. فالشاب الذي كنت أعالجه كان مدمنا على الكافيين أو يتناول الكافيين بكثرة.