لم تقتصر معاناة هنريكا يانسن فان زوان على هشاشة العظام، بل طالت مفاصلها فأصيبت بالتهاب المفاصل الرثياني أو كما يقولون «الروماتيزم» الذي لم يشف رغم كل وسائل العلاج الطبية المتطورة في هولندا. وقد هاجمها المرض ولم تكن قد تجاوزت عامها التاسع والعشرين، وخلال السنوات الماضية خضعت ل14 علمية جراحية، منها استبدال الركبة والكتف.
وهكذا وجدت هنريكا نفسها في غرفة العمليات تخضع لمشرط الطبيب الجراح دون أدنى تقدم، ولم تكن تشفى لفترة قصيرة حتى يعاودها المرض من جديد. وفي بلدها هولندا قيض لها الله طبيبا أبلغها بوجود طبيب جراحة عظمية مبدع هو الدكتور كريس ويتلي رئيس قسم جراحة العظام في مركز دبي للعظام والمفاصل. وقبل مجيئها إلى دبي، كانت تنشد الخلاص من ألمها ومعاناتها، وعجزها عن القيام بأعباء حياتها الطبيعية، وكانت تشعر بالخلاص إثر كل عملية تخضع لها ولكن سرعان ما تظهر عليها عوارض نكسة صحية شديدة تقعدها عن المشي. وعلى إثر تلك العمليات الجراحية وجدت هنريكا نفسها فجأة دون عظام ورك وعانت آلاما لا تطاق.
وخلفت آخر عملية خضعت لها الكثير من المتاعب، فقد أصبحت عظام وركها ضعيفة بصورة شديدة وتفاقمت لديها هشاشة العظام والروماتيزم، وأصبحت شبه عاجزة عن المشي وقضاء حاجاتها اليومية بصورة طبيعية، ولم تعد قادرة على الاعتماد على الورك البديل، وبذل الأطباء جهدا كبيراً لإعادة بناء الورك ولكن دون أي طائل.
وأيقن الأطباء في هولندا لاحقا أنه لا بد من إزالة الورك البديل، لأنه يسبب لها متاعب جمة، ولجأ الأطباء لاستئصال رأس عظم الفخذ، وبالنتيجة أصبحت ساق هنريكا اليمنى أقصر من اليسرى ب12 سنتيمتراً. وإذا بقي فخذها في مكانه، فالفضل يعود فقط للعضلات والأنسجة. وباتت هنريكا تعتمد في حركتها على العكازين أو على المشاية حتى يمكنها التجول. وراجعت هنريكا أطباء اختصاصيين عدة في هولندا ولكنهم كانوا يرفضون إجراء المزيد من العمليات.
وفي العام ,2006 وبعد عام من العملية الجراحية، كان طبيبها المتخصص بأمراض الروماتيزم الدكتور باد بوش يحضر مؤتمراً للروماتيزم في دبي عندما التقى الدكتور كريس ويتلي، عندما كان ويتلي يلقي محاضرة بعنوان «التشوهات وإطالة الأعضاء في الإمارات العربية المتحدة»، لمع في ذهن الدكتور بول باد بوش أن يعرض عليه حالة هنريكا وطلب من الدكتور ويتلي أن يفحص صور الأشعة الخاصة بها.
وبعد فحص حالتها قرر الدكتور ويتلي أن أمام هنريكا أمل كبير في الشفاء من حالة العجز التي تعيشها ويتعلق ذلك باستخدام تقنية ليزاروف الطبيب الروسي المتوفى عام .1992 وكان ليزاروف ابتكر تقنية خاصة تتعلق بإطالة العظام. وخلال تجاربه الكثيرة اكتشف ليزاروف أنه يمكن القيام بكسر دقيق للعظم وعقب ذلك سحب أطراف العظم من الجانبين لإتاحة الفرصة لتشكل مساحة جديدة من العظام حيث يلتقي الطرفان المنفصلان بعد مدة مع استخدام إطار (برواز) ومسامير لتثبيت العظم، مع إمكانية زحزحة المسامير كلما نمت المساحة المطلوبة من العظم.
وهكذا خضعت هنريكا لإجراءات جراحية معقدة تم خلالها تطبيق تقنية ليزاروف ولجأ الدكتور ويتلي إلى كسر العظم في موقعين حيث يمكن أن يعاد تسويته وإطالته إلى وضعه الأصلي حتى يصبح الساق الأيمن بطول الساق الأيسر. ومن ثم ثبت د.ويتلي الإطار الخاص المعروف بإطار تيلور بالقضبان والأسلاك والمسامير التي يمكن تعديلها يوميا في أثناء ترميم العظم نفسه في حين يقوم النسيج المحيط بالتمدد التدريجي. وبقيت هنريكا في جانب من العملية يقظة تتابع شرح الدكتور ويتلي وهي تحت تأثير التخدير الموضعي.
وجرى سيناريو العملية المعقدة في المستشفى الدولي الحديث في دبي، وهو من المستشفيات النخبة، الذي تتوفر فيه الأجهزة الطبية الضرورية التي يحتاج إليها الأطباء في معظم العمليات الجراحية على الأغلب. وحسب التقديرات الطبية فقد حققت العملية نتائج مبهرة وستمكث هنريكا في دبي شهرا كاملا تخضع خلالها لتعديل الإطار بينما يواصل الدكتور ويتلي اتصالاته مع طبيبها في هولندا لإطلاعه على تفاصيل العملية وتطورها وحتى اليوم الذي تتم فيه عملية إزالة الإطار الذي سيبقى حول فخذ وورك هنريكا مدة 12 شهراً.
ومن النتائج الكبيرة للعملية أن هنريكا لم تعد تشعر بالألم وستتمكن من المشي على عكازين أو باستخدام المشاية بعد إنهاء العام. «الصحة أولا» التقت بهنريكا في غرفتها رقم 311 في الطابق الثالث في المستشفى الدولي الحديث وأول ما لفت نظرنا كانت الابتسامة والضحكة العريضة والجلبة والصخب اللطيف الذي قابلتنا به من على سريرها ولسان حالها يقول «إنها فرحة زوال الألم ونجاح العملية.. أشكرك..أشكرك يا دكتور ويتلي من صميم قلبي، لقد أوقفت ألمي. يا ليتني تعرفت عليه منذ أن بدأت معاناتي، كنت وفرت على نفسي سنوات طويلة من المكابدة والعذاب».
وتقول هنريكا إن العلاج بدأ كفكرة طرحها عليها طبيبها بول باد بوش الذي يعالجها من الروماتيزم. وتعود حكاية علاقة طبيبها الدكتور بول إلى العام 2006 عندما حضر مؤتمر الروماتيزم في دبي، بينما كانت ترقد في المستشفى في هولندا، وكان الطبيب قد حمل معه كل صور الأشعة إلى دبي لعل الدكتور ويتلي يجد لها حلا يخلصها من المعاناة. ولما رجع الدكتور بول من دبي، أبلغني رأي الدكتور ويتلي الذي زرع الأمل في قلبي عندما قال له إن هناك أملاً كبيراً في شفائي.
ومنذ تلك اللحظات بدأت رحلتي الطويلة إلى دبي واستغرقت ترتيبات حضوري إلى دبي أكثر من عام بسبب إجراءات الحصول على موافقة التأمين الصحي في هولندا، وفعلا كنت محظوظة بالحصول على الموافقة لإجراء العملية في دبي، وكانت المعضلة في البداية هو تساؤل شركة التأمين عن الأسباب التي تجعلني أقوم بالعملية في الخارج بينما الطب متطور وكافة الاختصاصات متوفرة في هولندا، ولكنني قلت لهم انه بالرغم من كل ذلك فإن الأطباء في هولندا وقفوا عاجزين عن القيام بأي شيء نحوي.
لقد قلت لهم إن وضعي الصحي مترد. لقد أصبحت عرجاء بعد أن قام الأطباء بإزالة جزء من وركي الأيمن وأصبحت لا أقوى على السير بسبب القصر الكبير في ساقي. لقد أصبحت ساقي اليمنى أقصر من اليسرى ب12 سنتميتراً. ولذلك ارتديت حذاء يعوض ذلك القصر.
وعقب العملية أصبحت أمشي على عكازين لكنني لم أكن سعيدة على الإطلاق. وهكذا منحني طبيبي الفرصة كي أحضر إلى دبي لإجراء العملية ووصلت إلى هنا في السابع عشر من فبراير والتقيت الدكتور ويتلي في العشرين منه وقرر أن يجري لي العملية في السادس والعشرين من الشهر ذاته أي بعد قدومي إلى دبي ببضعة أيام.
وتمت مشاورات طبية عدة قبل اتخاذ القرار بإجراء العملية حتى لا تتكرر أخطاء الماضي.وأكد لي الدكتور ويتلي أنه من الأفضل إجراء العملية وأنها ستكون خاتمة مسيرة الألم ولن تجرى لي بعد الآن أية عملية أخرى. وعلى إثر العملية شعرت أن ما قام به الدكتور ويتلي يرقى إلى الإعجاز، والحقيقة أنه من الصعب تصديق ما حدث. لقد أبلغني الدكتور ويتلي أنني بعد العملية سأمشي مشيا عادياً وسأتمكن من ارتداء الأحذية ذات الكعب العالي.
لقد انتهت معاناتي الآن.. لقد انتهت محنتي، وأستطيع الآن أن ألمس الفرق بين الماضي والحاضر مثلما يمكن التمييز بين اللونين الأبيض والأسود. حالياً أنا أترقب وعلي التجمل بالصبر لأن علي انتظار نمو العظام. وبالطبع لا بد من ذلك. ويمكنني الآن على الأقل التأكد بأنني سأمشي بصورة طبيعية بعد أن ينمو العظم. ويأتي الطبيب كل يوم ليدير المسامير التي ينبغي تحريكها وفقاً لحسابات خاصة. لم تكن الإصابة لأسباب وراثية أو قصور في الغذاء، بل كانت هشاشة العظام والتهاب المفاصل الروماتيزمي حالة مرضية.
لقد بدأت إصابتي بالروماتيزم منذ 30 عاما، وأنا في التاسعة والعشرين من عمري في مفصلي الوركين وأخفقت جميع العمليات للخلاص من الألم وتصحيح الإصابة، وأجريت لي أربع عمليات في الورك وواحدة في الكتف. في العام 1980 وبعد عملية في الورك لم أعد قادرة على المشي لأن الروماتيزم دمر الورك وقضى على المفصل وتلاشت العظام، والواقع إن ذلك كان مؤلما للغاية.
ليتني تعرفت على الدكتور ويتلي منذ بداية مرضي لكان وفر علي الكثير من المعاناة وأنا واثقة من ذلك. إن ما قام به الدكتور ويتلي هو التشخيص الصحيح، ولذلك كانت النتيجة ناجحة. عندما أعود إلى هولندا بلدي سأقول بكل فخر وبصوت مرتفع جدا «لقد أنقذني الطب في دبي، وسأدعو كل من يعاني من مشكلة مشابهة لمشكلتي أن يأتي إلى هنا لتلقي العلاج الصحيح والمناسب»