من الصعب أن يتحمل إنسان مأساة وفاة شخص يحبه أو فقدانه لعمله أو انتهاء علاقته بشخص عزيز عليه. إن مثل هذه المواقف المشحونة بالعواطف والضغط العصبي عادة ما تولد لدى الشخص مشاعر من الحزن والأسى. هذه الأوقات الصعبة تسبب الاكتئاب ولكن الحزن والاكتئاب ليسا نفس الشيء. فبينما تتناقص مشاعر الحزن بمرور الوقت إلا أن الاضطراب النفسي المتعلق بالاكتئاب قد يستمر لعدة شهور بل وحتى لسنوات عدة.
إن الاكتئاب مرض خطير ويؤثر سلباً على مشاعرك وطريقة تفكيرك وتصرفاتك. إنه مرض منتشر بين الناس ويصيب 17 مليون أميركي كل عام (واحد من كل عشرة تقريباً). كما أن هذا المرض يصيب الرجال والنساء الشباب والكهول وشعوب العالم بأسره تعاني منه بغض النظر عن الجنس والثقافة والدخل. ولحسن الحظ فإن مرض الاكتئاب من الممكن علاجه وقد أمكن إحراز تقدم ملحوظ في غالبية الحالات التي يتلقى فيها المريض العلاج (80% ـ 90%) وغالباً ما يستفيد كل الأشخاص من الرعاية الطبية. ولكن بعض الأفراد لسوء الحظ قد لا يعرفون الأعراض الموجودة لديهم ولا يظنونها علامات على وجود المرض ومن الجائز أنهم يخشون ردود فعل زملائهم في العمل أو أصدقائهم أو حتى أفراد عائلتهم ونتيجة لذلك فإن الملايين من البشر الذي يعانون من الاكتئاب لا ينشدون العلاج وبالتالي يواجهون مشاكل لا داعي لها في عملهم وحتى في علاقاتهم بالآخرين.
إن التكاليف الباهظة التي يسببها الاكتئاب قد تكون عالية جداً. وتبلغ التكاليف المالية التقديرية لهذا المرض ممثلة في أيام الانقطاع عن العمل والمصاريف الطبية والوفاة قبل الأوان في بلد مثل الولايات المتحدة الأميركية 43 مليون دولار سنوياً، فإذا كنت تعاني من مرض الاكتئاب أو تعرف شخصاً يعاني من هذا المرض فبادر فوراً بالاتصال بالطبيب النفساني أو أي طبيب آخر للتشاور معه. وتذكر باستمرار ان الاكتئاب من أكبر الأمراض النفسية قابلية للعلاج، وإذا قام الأفراد بتلقي العلاج المناسب فإنهم سيغيرون نظرتهم للحياة وتصبح أكثر بهجة ورونقاً. ما معنى الاكتئاب؟ يوجد للاكتئاب العديد من الأعراض لكن أكثرها شيوعاً هو إحساس عميق بالحزن، وقد يحس الأشخاص الذين يعانون من الاكتئاب بالإرهاق والكسل وفتور الهمة وباليأس والعجز بل وأحياناً يحسون بأن الحياة تقهرهم. إن مصادر السرور البسيطة لم تعد تبهجهم ويبدو أن عالمهم أصبح تسوده الكآبة والحزن وخارج سيطرتهم. إن المكتئبين تتلخص ردود أفعالهم في الانسحاب العاطفي والجسماني من المحيط الذين يعيشون فيه.
ويهاجم الاكتئاب الأشخاص من شتى الأعمار وفي كافة المجالات وفي أي وقت ولكنه غالباً ما يظهر للمرة الأولى خلال فترة الشباب من سن 24 ـ 44 ويصيب مرض الاكتئاب الرجال والنساء فيصيب امرأة من بين كل 4 نساء ورجلا من كل عشرة رجال في فترة ما من حياتهم.أعراض الاكتئاب: تشخص الأعراض التالية على أنها مرض الاكتئاب: 1- مشاعر مستمرة من الحزن والقلق. 2- فقدان الاهتمام والسرور المرتبطين بالأنشطة العادية. 3- إضافة إلى خمس من النقاط التالية وربما أكثر واستمرار ذلك لأسبوعين متتاليين: - تغييرات في الشهية للطعام مما يؤدي إلى زيادة أو فقدان الوزن دون أن يكون لذلك علاقة بريجيم (حمية) معينة. - الأرق أو الإفراط في النوم. - القلق أو سرعة التهيج. - مشاعر بالتفاهة أو إحساس لا مبرر له بالذنب.
- صعوبة التفكير والتركيز أو اتخاذ القرارات.
- أفكار عن الموت أو الانتحار أو محاولات للانتحار.
وبناء على ذلك يتم تشخيص الأعراض السابقة على أنها حالة من الاكتئاب يمر بها الشخص وذلك إذا ظهرت تلك الأعراض دون أن يكون لذلك سبب آخر مثل وجود مشاكل أخرى لدى الشخص (مثل مشاكل هرمونية أو عصبية) أو أمراض أخرى (مثلاً: السرطان والأزمات القلبية) وألا تكون ناتجة عن أعراض جانبية متوقعة للأدوية أو إساءة استخدام المواد.
ما الذي يسبب الاكتئاب؟
توجد العديد من العوامل التي تلعب دوراً في بدء مرض الاكتئاب:
ـ الكيمياء الحيوية: إن غياب عنصرين كيماويين ونقصهما في المخ ألا وهما سيروتونين ونورايبينيفرين Serotonin & Norepinephrine قد يكون سبباً في ظهور أعراض خاصة بالاكتئاب مثل القلق وسرعة التهيج والتعب والإنهاك.
ـ علم الوراثة: قد يكون الاكتئاب متوارثا في العائلة ومثال ذلك إذا كان هناك توأمان متماثلان وأصيب أحدهما بالاكتئاب فإن التوأم الآخر سيصاب هو الآخر بنسبة 70% بنفس المرض في وقت ما من حياته.
ـ الشخصية: إن الناس الذين لديهم فكرة متدنية عن أنفسهم والذين ينهزمون بسهولة أمام أي ضغط عصبي والذين يغلب عليهم التشاؤم يكونون أكثر عرضة للإصابة بمرض الاكتئاب.
ـ عوامل بيئية: إن الأشخاص الذين يتعرضون لعنف مستمر وإهمال وفقر أو انتهاك وتحرشات والذين يكونون أكثر عرضة للاكتئاب أصلا يصبحون معرضين أكثر للإصابة بذلك المرض. ومع ذلك فلابد أن نأخذ بعين الاعتبار أن الاكتئاب يحدث أحيانا رغم أن ظروف المعيشة والحياة قد تكون مثالية ووردية.
كيف تتم معالجة الاكتئاب طبيا؟
لسوء الحظ لا يمكن التحكم والسيطرة على الاكتئاب لفترة زمنية طويلة فقط عن طريق التمارين الرياضية وتغيير النظام الغذائي أو بالحصول على إجازة. إلا أن ذلك لا يمنع القول ان الاكتئاب من بين أكثر الاضطرابات النفسية قابلية للعلاج والشفاء. إن ما بين 80% ـ 90% من الأشخاص الذين يعانون من الاكتئاب يتجاوبون مع العلاج، بل إن كل الأشخاص غالباً ما يتخلصون بدرجة أو بأخرى من الأعراض التي تصيبهم.
وقبل التقدم بوصفة علاج محددة لذلك المرض فإن الطبيب النفساني سيقوم بعمل تقييم تشخيصي دقيق وشامل، وذلك عن طريق إجراء مقابلة وفحص جسماني. والهدف من ذلك هو الكشف عن أعراض محددة قد تكون طبية وقد تكون راجعة للتاريخ المرضي للأسرة أو الجو الثقافي أو الأسباب البيئية التي تسبب الضغط العصبي. إن كل ذلك من شأنه أن يساعد الطبيب النفساني للوصول إلى تشخيص صحيح وبالتالي وصف أفضل علاج طبي للحالة.
الدواء: قد توصف الأدوية المضادة للاكتئاب وذلك لتصحيح عدم التوازن الموجود في مستوى المواد الكيميائية داخل المخ. إن هذه الأدوية لا تعتبر عقاقير مسكنة أو مهدئات. كما أن المريض لا يعتاد على تناولها وليس لها أي تأثير منبه على الأشخاص الذين لا يعانون من الاكتئاب.
إن العقاقير المضادة للاكتئاب يظهر مفعولها الأكيد خلال 3 ـ 6 أسابيع من بدء العلاج. وإذا لم يظهر تحسن بالمرة أو ظهر تحسن طفيف بعد 6 ـ 8 أسابيع من تناول الدواء فعلى الطبيب النفساني تغيير الجرعة أو يقوم بإضافة دواء آخر مضاد للاكتئاب أو يستبدل الدواء الذي يتناوله المريض حالياً. إن الأطباء النفسانيين عادة ما يوصون مرضاهم بالاستمرار في تناول الدواء لمدة 5 شهور أو أكثر بعد تحسن الأعراض الخاصة بهذا المرض. العلاج النفسي: يتم تقديم العلاج النفساني إما بمفرده. إذا كان الاكتئاب بسيطاً، أما إذا كان الاكتئاب متوسطاً أو حاداً فعادة ما يوصف الدواء المضاد للاكتئاب إلى جانب العلاج النفساني.
إن العلاج النفساني قد يشمل المريض بمفرده وقد يضم إليه آخرون ـ إن علاج الأسرة أو الزوجين قد يساعد على علاج مسائل محددة قد تنشأ داخل الأسرة الواحدة أو بين الزوجين، كما أن علاج المجموعات يشمل علاج الأشخاص الذين يعانون من أمراض مشابهة. وتتوقف مدة العلاج على درجة الاكتئاب وحدته. فقد يستغرق العلاج عدة أسابيع وأحياناً أطول من ذلك. ومع ذلك فإن تحسناً ملحوظاً قد تم تسجيله في العديد من الحالات بعد 10 ـ 15 جلسة.
إن الاكتئاب لا يمكن وصفه أبداً بأنه مرض عادي كما أنه يؤدي إلى كثير من المعاناة دون لزوم لذلك. ويمكن عن طريق التشخيص السليم والعلاج الفعال التغلب على الاكتئاب في الغالبية العظمى من البشر وإذا ظهرت عليك أعراض الاكتئاب فبادر إلى زيارة طبيبك أو المعالج النفساني لتصف لهما ما يسبب لك القلق ثم اطلب منهما عمل تقييم شامل لحالتك. سوف تتحسن بكل تأكيد
المادة العلمية: د. سلطانة عثمان
ترجمة: عزت عزيز
الإدارة العامة لخدمة المجتمع
شرطة دبي